رفقة غاوية (قصة قصيرة)

نشر من طرف الشاهد في الإثنين 3 أوت 2020 - 19:10
اخر تاريخ تحديث السبت 26 سبتمبر 2020 - 23:00

 " الخيال هو بداية الإبداع، أنك تتخيل ما ترغب فيه وترغب فيما تتخيله، وأخيرا تصنع ما ترغب فيه". "برنارد شو"

 

        ـ "لابد أنها الكارما".

فقد ترك ثلاثة أطفال ذكور تتفاوت أعمارهم ما بين سن الطفولة والمراهقة، صحبة أمهم. متعلّلا بظروف انتشار الوباء في العالم، متعذّرا بغلق الأجواء الجويّة للمسافرين، مؤجّلا الرجوع إليهم حتى ينهي عمله بأوربا. والآن تبعث إليه السماء بثلاث جنّيات فاتنات ـ يبدو أنهنّ في سنّ المراهقة ـ كي ينغصنّ عليه أيامه ويفسدنّ عمله ويذهبنّ بعقله.

      أخذ يغمض عينيه ويفتحهما عشرات المرات غير مصدّق. بدأ يفرك جفنيّه بيديّه، جفلا، فاغرا فيه، مذهولا لما تراه عيناه. خرّ برأسه فوق مقدمة البيانو الكلاسيكي الضخم الأبنوسيّ اللّون، المتوسط الغرفة بكبرياء وتيه. علّه يغمى عليه، وحين يستيقظ يجد ذاك الجنون قد تلاشى. كان منهكا جدّا من أثر السهر والتفكير الدائم في البحث عن حروف موسيقيّة تترجم جلّ ما يعتمل في جوارحه من معاني. تترك فينا المواقف الحياتيّة أحاسيس ومشاعر، لا نستطيع تتبّع آثارها أو التعبير عنها إلا بالموسيقى والنغمات. رفع رأسه إليهنّ ممسوسا، وهو سارد في اندهاشه وتفكيره وتحليله وحملقته.

     ـ "هل أصبت بغشية اليقظة؟ هل أحلم؟ هل هو تأثير بضعة كؤوس النبيذ الأحمر التي تناولتها أمس ليلا مع "مسيو كارلو"؟ أم هي لعنة المكان قد أصابتني بعد حديثنا أمس. وتهكّمي الصارخ على الآلهة وأنصاف الآلهة الرومانيّة العظيمة التي تتجول في ممالكها الحضاريّة الساغبة من قبل الميلاد؟".

      لم يكن يحبّذ أن يضيّع لحظاته المكثفة الثمينة التي تجمعه بأصدقائه الموسيقيين، إلا في التباحث في أمر ذاك الحدث الاستثنائي العالمي المنشود. لولا سطوة زجاجة النبيذ الأحمر الفاتنة المعتّقة التي أغوت نفوسهم، اتقاء للصقيع النادر المتساقط فوق مدينة "روما" في هذه الأيام. حيث اتفقوا موسيقيو العالم على تأليف سيمفونيّة عالميّة موّحدة تحيّي طمأنينة وبهجة الكوكب الأزرق ونجاته من شبح ثقب الأوزون الخطير. الذي ابتلع ألوان الكون واختلس البهجة والأمان من جميع مخلوقاته، وعلى رأسهم أمّنا الطبيعة.

     كان قد ولج لتوّه من الشرفة الزجاجيّة الواسعة التي تتوسط الغرفة وتطّل على وسط مدينة "روما" حيث البنايات الأثريّة العتيقة التي لا تنمّ إلا على الجمال الباذّخ. ولا تشهد إلا على التاريخ والحضارة. يستجلي بعض الشهقات الأكسجينيّة المنعشة. وقد حظيّ قبل أيام من قلب الحدث، بمشاهد غايّة في الإنسانيّة السامّية. حين تصدّر السكان شرفات نوافذهم يغنّون ويعزّفون. معلنين شجاعتهم في مواجهة الفيروس وحبهم للجمال وتمسكهم بالحياة. مع التزامهم الشريف بالحجر الصحيّ المنزلي. ولو أنّهم قد سببوا له قلقا وإزعاجا لا مثيل له، لأيام متتّالية، قد أنّجرّ عنه هروب إلهامه الموسيقي من مغارات الإبداع. وتشظّي تجلّيات نغماته في أرجاء روحه، التي ما انفكّ يروّضها ويغويها ويخضعها، ويحثّها على الثبات والتماسك.

      ثلاث جنّيات مرّمريّات الجسد كاللؤلؤ المكنون، مفرطات الحركة، محتشدات النشاط، يلبسن أرديّة قصيرة زاهيّة الألوان. يغلب عليها اللون الأحمر القاني حين يدرنّ بسرعة. تشفّ عن أجساد وسيقان ورديّة ناعمة براقة. لهنّ أربعة أجنحة قصيرة متداخلة قليلا، أقرب ما تكون لأجنحة الفراشات البريّة. أجنحة بيضاء من نسيج عضلي شبه شفاف. لكن عند الاقتراب منهنّ تلاحظ أنّ به ريشا خفيفا يشبه زغب صغار الطيور. يميل لونها للأصفر المبهج. أخذنّ في التقافز والطيران حول كيان الموسيقي الخمسينيّ الشاحب. يقتربنّ حدّ الملامسة واختراق المسافة الحميميّة الخاصة بجسده. ثم يبتعدنّ ويعرجنّ لآخر نقطة ممكنة في الغرفة. بشكل مرح وماجّن ومبهج ومدهش وعذب. دون أيّ أهداف واضحة غير استفزازه وتأجيج مشاعره. أو هكذا بدا له في بداية الأمر.

      عندما اقتربنّ، فاحت منهنّ رائحة غريبة قوية نفّاذة عابقة، يعرفها جيّدا. تهجم عليه وتخترق جهازه التنفسيّ أثناء فتحه لصناديق الآلات الموسيقيّة ومعداتها المختلفة. رائحة الجدّة، تلك الرائحة التي تنبعث من الصناديق والأكياس الجديدة أثناء فتحنا لها. الصناديق التي تحوي أحذية جديدة وملابس جديدة وأثاث جديد.  

    ـ ترى هل هن حوريّات جديدة لم تنطلق بعد للإغواء والمشاكسة؟

   أم يرتدينّ ملابسا جديدة؟ أم يضعنّ أجنحة جديدة؟

أم هنّ فتيّات عاديّات سحرهنّ مارد داعر، فأصابهنّ بلعنة. وتلك الرائحة هي رائحة تحولهنّ الكيمائي العجيب؟".

     أخذت الأفكار والتساؤلات الممكنة وغير الممكنة تتقلب وتتصارع في عقله المذهول وهو زائغ البصر والبصيرة.  يسعل مختنقا من أثر تلك الرائحة البغيضة التي ينفر منها.  وما إن التقت العيون، عيناه بأعينهنّ النجلاء البديعة، حتى تبخرت أثار الرائحة، وانطلقنّ في إصدار طنين مستمر خافت، يشبه رنّة جرس دقيق معدني متصل النغمات. دون أن يصدر منهنّ أيّة حركة من شفاههنّ المخمليّة المبتسمة. كأنهنّ مختومات على أفواههنّ. عندها اندفع هرمون "الأندروفين" شلالا عارما إلى شرايينه وعروقه يغرق كلّ المسامات والخلايا، شاعرا بالخفّة والسعادة والثّقة والحماسة.

      ـ "هل هو خلّل في قوانين الجاذبيّة؟ أم أنا من أهذي من شدة الحمّى والوحدة والتوتّر وطول ساعات العمل؟"

     نظر إلى أقدامه العارية الضخمة الثابتة في أرضيّة الغرفة. ثم إلى أرجلهنّ الملساء العاجيّة الدقيقة، المعلقة، الراقصة في الهواء. وكأنّ الجاذبيّة أصبحتْ أمرا شخصيا محضّا. سكنّ للحظات حتى ـ كأنهنّ ـ يُمكّناه من التدقيق والتمحيص فيهنّ بعناية وشغف وانبهار. ثم انطلقنّ كالسهام المارقة نحو أرضيّة الغرفة الواسعة الرخاميّة البيضاء وفي أنفسهنّ وطرا. اختل بصر الموسيقيّ ووقعت عدساته الطبيّة من فوق أنفه على الأرض أمام البيانو. وما إن أستطاع التقاط نظارته متعجّلا، وتمكّن من إعادتها إلى وجهه، حتى أبصرهنّ يرسمن خمس أسطر أفقية مستوية من زغب أجنحتهن الأصفر فوق الأرضيّة. ثم بدأن يتخذن أوضاعا بأرجلهنّ وأذرعهن، مفترشات القاعة، متبرجات، يشكلنّ وضعيات جسديّة غريبة عجيبة. كأنّ الأجساد المبلجات الثلاث تراودنّه عن نفسه معا وفي ذات الوقت، في جمال عبثيّ آسر وغموض فنّي رامز.

      استأنست عيناه قليلا النظر إليهنّ، عاملا تفكيره، متيقظا الحواس. واستطاع أن يتنبّه إلى الأشكال التي يرسمونها على الأرضية الرخاميّة بأجسادهنّ. شهق بجنون "نيوتن" الذي وقعت فوق رأسه التفاحة التاريخيّة. ونشوة الشبق المسحور الملتهب الروح. راقص جسده الناحل ـمترنّحاـ أجسادهنّ الغضّة المثيرة. اعترته اختلاجات الهوْس بسعادة الفهم المبدعة. بدا أكثر جنونا ومسّا منهنّ. حين أخذ يتقافز، ضاربا الأرض بقدميه، صافعا جسم البيانو بكفيّه مرات ومرات. وكأنّهم قد تبادلا الأدوار فيما بينهم. مؤكدا امتزاج جينات الإبداع بالجنون في الجنس البشريّ منذ الأزل.

      ـ "ألسنا كلنا مجانين؟ نقاوم الجنون فينا ونقهره ونكيد له ونتهمه بالسلبيّة. يمكننا بسهولة أن نتعرّف فقط، على موجاته السلبيّة. أما الإيجابيّة، فنتركها فينا لتتعفن دون رعاية أو تحصين أو رأفة. إنّ الجنون وحده ما يمنحنا الحريّة والاحساس العميق ببهجة الحياة". طالما حاجّج زوجته ووضع حدّا لجدالاتها المثيرة للغثّيان، عندما كانت تُسفّهُ أفعاله غيْر المعتادة وتصفها بالطائشة. وتطالبه طوال الوقت بالحفاظ على الليّاقة في أفعاله والاتزان والسيطرة على مشاعره ودقائق حركاته.    

       التقط بنانه القلم بسرعة مكوكيّة، من أعلى مقدمة البيانو فوق جذاذاته الورقيّة المتناثرة. واستمر يقرأ دون تهاون، ويتتبّع رقصاتهن فوق قاعة الأرضية. مسجلا كلّ تلك الحروف الموسيقيّة بدرجاتهم في الزمن، التي يشرنّ إليها عبر ليونة قدودهنّ المذهلة: "نوار، بلانش، كروش، دوبل كروش، كاتر دوبل كروش، روند، سوبير، دومي سوبير". انثال ركب حروفه ودرجاته في الزمن نابضا، عذبا، رقراقا، صوب درب إبداعاته الرحب، دوامات من النور بين النجوم. تمنى هطول البرَد عليه الآن، كي تكتمل حلقات سمفونيته السحريّة وتحلق نغماته في عوالم الأكوان المجاورة.

       لا "الفا" ينبغي لها أن تدرك "الدو". ولا "الصول" سابقة "للسي". كلّ درجة ملتزمة بمكانها، ثابتة في موضّعها، محافظة على بعدها، متمسكة بسطرها. كلّ نغمة تصبح جذّابة في مكانها ليستقيم اللحن وتضيء جوانبه بلمعان مخلص. حتى خضع بالقول والشكل والتحديق. أخذا بتلابيب الجمل والعبارات الموسيقيّة. منسجما مع ما يفعلنّه بيقين فنيّ مدهش أنهنّ ربّات الإلهام ذاته. المسخّرات لمساعدته، المنطلقّات من كبير الآلهة الروماني المقدس صوب ذاته هوّ. المتواضع الوجيه المقرب المختار دون غيره من فناني حضارتهم المبجّلين. ريثما توضحت له ثنايا الدرب وتناغمت توزيعاته، حتى تقافزتْ الجنيّات الرشيقات عذبّات الصورة ومرحات الجوهر في أنحاء المكان مرة أخيرة، مُصدرة همهمات ملائكية ساحرة. تُذكّره بتضمين "ريسيتاتيف" أسطوري في مقطوعته الاستثنائية. مودّعة بنفس الحماسة المدهشة التي أقبلت بها. نبضتْ روحه ملتّاعة، متنبّها إلى اختفائهنّ.

       ـ "كيف لي أنْ أقاوم حيويتكنّ. وأجازي فضلكنّ. وإنقاذكنّ لي من براثن القلق الشرس. بل إني لم أتمكن من تدوين نغماتي بدون إغوائكنّ. لمْ أُنهّ إبداعاتي الموسيقية لولاكنّ. لم أقدّركنّ حق تقدير وعناية يا جميلاتي الفاتنات. لكني أؤمن أنكن هناك، تنتظرنني بيْن الفراغات. تنتظرن وقتكنّ الخاص. فأنتنّ تختبئنّ حيث لا نعلم ولا نرى ولا نحسّ ولا نتوقع."

تمعّن في وريقاته، يترنّم ما دوّن وخطّ. يصبو لديوان الألحان، مستشعرا نشوة الانتصار ولذّة الخلاص ومتعة الوصول.          

د. أنديرا راضي

في نفس السياق