كتّاب

الإثنين,17 يوليو, 2017
من هو الصحفي التونسي الوسيط ؟ ما هو دور سفير أبو ظبي بباريس ؟ الإمارات تراجع حساباتها.. كلمة السر ”الغنوشي”

في مثل هذه المحاور المعقدة كثيرا ما نحتاج الى مقدمات ومداخل اطول من الجوهر ، لان المدخل السليم والسلس وان طال يساعد في النفاذ الى اصل المسألة ، لذلك لابد من تقديم سلة من المعلومات تكشف الاسباب التي دفعت الامارات العربية الى شراء جميع حقوق الثورات المضادة ، ودخلت مع جهات وانظمة دكتاتورية اخرى في سباق محموم من اجل احتكار” البث” وبسط السيادة المطلقة على التخطيط والتمويل والتنزيل ، وبما ان العنوان البارز للمعركة اجتثاث الثورات هو ولي عهد الامارات ،اصبح لا مناص من طرح السؤال الملح : لماذا يقود عبد الله بن زايد المعركة الأقذر في التاريخ العربي الحديث ، ثم لماذا يعادي الاخوان خاصة والاحزاب ذات المرجعية الاسلامية عامة ؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من العودة الى سنوات الثمانينات والتسعينات أين اشتد عود جمعية الاصلاح “لافتة الاخوان في الامارات” لتصبح المكون السياسي الاجتماعي الاكبر في البلاد خاصة بعد ان اصبحت وزارة التربية ووزارة العدل تحت سيطرتهم بشكل كامل وممنهج ، ما دفع بأبو ظبي سنة 1994 للقيام بعملية تحجيم هي الاكبر من نوعها منذ النشأة الفعلية للجماعة سنة 1974، ثم جاء عرض 2003 الذي قدمه الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد لجمعية الاصلاح ، والذي يقضي بحل التنظيم وتوجه رموزه وقواعده للاهتمام فقط بالعمل الدعوي كما حتّم العرض فك الارتباط مع الجماعة في مصر ، المطلب الذي جوبه بالرفض ودفع محمد بن زايد الى الشروع في ارساء خطة متكاملة تهدف الى اجتثاث الإخوان من الامارات ، خاصة بعد ان اصبحت الاصلاح تجاهر بنصائحها للعائلات الحاكمة وتقترح عليها اصلاحات كانت الى حد قريب من الخطوط الحمراء التي تحظر فيها الدردشة والسمر ناهيك عن الاقتراحات الموجهة بجدية ، حينها أيقن بن زايد وفريقه ان الامر لم يعد يتعلق بمناحي دعوية ثقافية بل تحولت الاصلاح الى شريك غير معلن يقدم توصيات شبه ملزمة وكأن الجمعية باتت تلعب دور البرلمان في غياب هذا النوع من الغرف عن طبيعة الحكم العائلي الشمولي أو وجوده بشكل صوري مع تعطيل مهامه.

رغم ذلك لم ينجح بن زايد في اقناع العديد من رموز الاسرة الحاكمة بحتمية الاجتثاث وعلى راسهم الامير الدكتور سلطان بن كايد القاسمي الذي سيعتقل لاحقا وتنسب اليه العديد من التهم ابرزها محاولة الانقلاب على السلطة الحاكمة ، وان فشل عبد الله بن زايد سنة 2003 في القيام بعملية جراحية عميقة ، فإنه وخلال سنة 2011 وعقب تدفق موجات الربيع العربي خارج موطنها الام نجح الى حد كبير في استغلال “عريضة الــ133” أو “عريضة الثالث من مارس 2011” التي وجهتها رموز اماراتية “يغلب على اكثرها الطابع الاسلامي والقومي وبعض الليبراليين ” الى حاكم الدولة والمجلس الاعلى للاتحاد ، ورغم ان الامارات لا يسوسها النظام الملكي لكن يمكن اختزال المطالب التي حملتها العريضة في الدعوة الى ما يشبه الملكية الدستورية او كما أطلق عليها أصحابها “نظام ديمقراطي نيابي متكامل” ..نجح اذا محمد بن زايد في اقناع الاسر الحاكمة بخطته وباشر عملية اجتثاث اتت على التنظيم من جذوره ، ضرب مراكز قواه وصادر املاكه وسجن رموزه وارهب المتعاطفين معه حتى وصل الامر حد اعتقال شقيق حاكم راس الخيمة الدكتور سلطان بن كايد والقائه في السجن لسنوات دون محاكمة.

الحشد لإسقاط التجربة المصرية

السرعة التي سحق بها محمد بن زايد حركة الاصلاح العريقة اغرته باقتراح تمويلات رهيبة على رموز مصرية من ضمنهم الفريق شفيق وتهدف الى اسقاط حكم الاخوان وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي ومن ثم الاجهاز على تجربة الانتقال الديمقراطي في مصر ،سوق ذلك تحت تعلة “الصناديق تخدم الاسلاميين” ونجح بن زايد مستعينا بالفلسطيني محمد دحلان وبفريق ضخم ضمنهم الهندي السعودي عبد الرحمان الراشد ورئيس الديوان الملكي السعودي السابق خالد التويجري في اقناع شركائه بحتمية فرملة التجارب الديمقراطية في البلدان العربية حتى يتم تعقيم الشعوب ضد العواطف الإسلامية ثم العودة الحكيمة الى المسار الديمقراطي او هكذا حدث بن زايد رموز الثورات العربية المضادة ، كما أقنع جل الليبراليين الذين وقّعوا على عريضة الثالث من مارس بضرورة تأجيل كل مطالب الاصلاح لأنها ستصب في مصلحة الإسلاميين وليس في مصلحة الوطن ، واستشهد بالتقرير الذي صدر عن لجنة مختصة في الكونغرس سنة 2004 والذي اكد انه وبخلاف الدول العربية الاخرى التي تنشط فيها قوى سياسية علمانية “تونس مصر مثال” او قبلية عشائرية “الاردن مثال” او مذهبية ” الكويت مثال، إخوان ..سلفية ..شيعة” يمكنها مواجهة الاسلاميين ، فان الساحة الاماراتية مفتوحة على مصراعيها لجمعية الاصلاح ، وان أي انتخابات في الظرف الحالي ستهيمن عليها الجمعية بشكل مطلق ورشح نفس القرير الصادر سنة 2004 محمد بن زايد لقيادة القوى العلمانية في المنطقة امام المد المتعاظم للإسلاميين

رصدت أبوظبي 10 مليار دولار لدعم المشير خليفة حفتر ، والمبلغ تم اقتطاعه من الأموال الليبية المهربة الى الامارات والتي بلغت 50 مليار دولار ، والهدف اجهاض أي تقارب بين مكونات الشعب الليبي خاصة اذا كان الاخوان احد اطرافه ؟ تلك خطة اعتمدها المطبخ الاماراتي وترمي الى القيام بضربات استباقية تقطع مع هاجس الديمقراطيات التي وحال تمكنها تتمكن في بلد مغاربي او مشرقي ستصل لا محالة الى جميع البلدان العربية بما فيها الامارات، من اجل ذلك دفع بن زايد المليارات للإطاحة بأول تجربة ديمقراطية في مصر تحت جريرة اختيار الشعب المصري للإخوان في التشريعيات وانحياز صناديقه لمحمد مرسي في الرئاسيات ، ولنقترب من حجم الدعم اللامشروط الذي قدمته ابو ظبي للثورة المضادة في مصر يكفي القول ان المبلغ الوحيد الذي تم الافصاح عنه قبل ان تصدر الاوامر بالتكتم عن حجم المساعدات ، كان مليار دولار رصدته غرفة العمليات الاماراتية كدفعة اولى لتحفيز الاعلام المصري واعداده لمعركة اسقاط الشرعية ، وأكدت بعض المصادر أن البلغ الاجمالي الذي استأثر به الإعلام المصري تجاوز 65 مليار دولادر .

ومن وجوه الدعم الاماراتي الخارق لخصوم الشرعية في مصر تخصيص جحافل من الاعلاميين والمختصين لموقع دوت كوم المصري الذي تم استعماله كراس حربة الكتروني في معركة الاجهاز على ملحمة 25 يناير ، ولما اطمأنت على تدمير الشرعية في مصر وتأكدت ان الامر استتب للعسكر ، أرسلت أبو ظبي محمد دحلان الى القاهرة لتجديد التعاقد مع صحيفة اليوم السابع وتقديم توصياته الملزمة مقابل التمويل الكامل للمؤسسة ، في حين قامت بتسريح 105 من عمال وصحفيي موقع دوت كوم ، ثم فوتت فيه لرجل الاعمال أحمد أبو هشيمة ، والاكيد ان خلايا ابو ظبي لا تتحرك بشكل اعتباطي ، ولديها خططها واجنداتها في دعم المؤسسات الاعلامية ، وما قامت به من تقليص الدعم لموقع دوت كوم وصحيفة البوابة وقناة الغد العربي وغيرها من وسائل الاعلام التي انتهت ادوارها بشكل كامل او نسبي ، ليس الا اعادة انتشار لتلك الاموال وتحويل وجهتها من مصر التي انتعشت فيها الثورة المضادة وثبتت اوتادها ، الى اليمن وليبيا اين يحتاج المشهد الاعلامي هناك الى المزيد من الاهتمام لدحر الثورة بشكل نهائي وتجريف الذهن العام وترويضه تمهيدا لعودة الشمولية ، او هكذا يرغب حكام الدولة النفطية.

تونس التي تؤرق اولاد زايد !

بالعودة الى المواقع الاماراتية وتصريحات الشخصيات المناط بعهدتها ملاحقة ثورات الربيع العربي ، تبين ان ثقة الممول الاماراتي اهتزت في الاعلام التونسي كما الشخصيات السياسية وبقية النخب، والواضح ان اكبر خيبة تلقتها ابو ظبي كانت في شخص الباجي قائد السبسي الذي راهنت عليه كراس حربة للقضاء على الاسلام السياسي في تونس ثم الاجهاز على الثورة ، لكن الرجل الذي تمتع بالريع الاعلامي والمالي الاماراتي خلال معاركه مع الترويكا وعندما وصل الى قرطاج اعرض عن اجندة ابو ظبي واختار المقاربة الفرنسية واخذ بالتوصيات الالمانية ، وكأنّ هذا البرجوازي “البَلْدي” يصر على ان مهمة اعراب الصحراء الدفع فقط لا غير ، او لنقل ان السبسي يعتبر الاكل على موائد أبو ظبي أشهى والسير خلف محور باريس برلين بروكسيل اضمن .

لم تتأخر ابو ظبي كثيرا في معاقبة السبسي ، فبعد تشكيل حكومة التوافق ويقين اولاد زايد بان النهضة باقية على قيد الحياة بل وباقية في المشهد السياسي بل وفي الحكم وان كان باحتشام ، تحولت غرفة محمد بن زايد الى الخطة “ب” والتي تقتضي التسريع في تصعيد محسن مرزوق من خلال تحريك مراكز نفوذها في واشنطن ، بما ان اوروبا باتت خصمها اللدود بعد ان تبنى الغنوشي والسبسي مقاربة الاتحاد الأوروبي إثر لقاء باريس وانتهت مقاربة ابو ظبي الى الفشل ، وفعلا حقق مرزوق اختراقات سريعة وكبيرة ورسمت الخطط المستعجلة لتصعيد الورقة الاماراتية وكان اللقاء الاستعراضي لمرزوق مع كيري وما رافقه من توقيع الاتفاقية المشبوهة ، وبدت الخلطة سريعة ومرتبكة خاصة بعد ابعاد البكوش وفتح المجال امام مرزوق ليتحرك تحت اللافتة الدبلوماسية ، وتسارعت الاخبار المشككة وبات الحديث متواترا عن حتمية انتخابات رئاسية مسبقة في تونس ، وراجت الاشاعات عن صحة الرئيس ، واصبحت البلاد اقرب من أي وقت مضى الى ساعة الصفر وبدت رائحة التقرير الطبي “الدستوري” تفوح ، لكن التسرّع من جهة واللهفة من جهة اخرى اربكا العملية ، لتتعثر الخطة بعد تحذيرات المخابرات الجزائرية وتسريبها الخطير الذي لم تنفيه ولم تؤكده المصادر الرسمية والذي اشار الى وجود خطة خطيرة تستهدف رئيس الجمهورية التونسية، في ذلك الوقت كان مرزوق يخسر معركته الاولى بحكم تسرع ابو ظبي ولهفة فتاها على حكم تونس بسرعة و بطرق دستورية مفبركة.

بعد انتهائه كمستشار ويقينه ان الوصول الى قرطاج لن يكون من قرطاج ، لان السبسي اقدم على تحصينات واسعة ووضع عيونه لتراقب عيون ابو ظبي في القصر ، بعدها اختار مرزوق الاحتماء بالحزب وسارعت ابو ظبي لتثبيته على راس النداء ، لكن الفشل طرق مرة اخرى باب فتى فريدوم هاوس ! معركة أخرى خاسرة اكتشفت خلالها ابو ظبي الضعف الفادح لمرزوق، لقد انتكست البروباغندا ولاحت حقيقة الشخصية المحشوة بالبهرج حين فشلت حتى في مقارعة السبسي الصغير ذلك المغمور الذي تعوزه الخبرة كما الكاريزما .

اكتشاف ابو ظبي لمرض غلامها وتأكدها من اصابته بداء هشاشة العظام السياسي ، ويقينها ان كاريزما مرزوق لا تتعدى ربطة عنقه ، جعلها ترحّله الى خيارات خلفية وتتقدم بنفسها لتحاول فتح ثغرة في الساحة التونسية المستعصية ، مرة عبر العودة الى مغازلة الرئيس التونسي واطلاق الوعود بالمساعدات والاستثمارات الافتراضية ، ومرة بتأسيس جبهة انقاذ طبعة ثانية ومرات اخرى عبر الاقتراب من باريس من خلال خطة تنسيق نقلها السفير معضد حارب الخييلي لقصر الإليزيه ، واستقبلتها القيادة الفرنسية ببرود أقرب إلى التجاهل ، ولعل اقوى التوصيفات لخيبة ابو ظبي ما كتبه احد محرري الغارديان “يبدو ان الامارات تجهل ان واشنطن لا تستطيع تجاوز باريس في قضايا المغرب العربي ” .

بعد تجارب مكلفة ، تأكدت ابو ظبي من ان الاجهاز التام على نبتة الربيع العربي يجب ان تتم في عقر دار سبعطاش ديسمبر ، ولا مناص من الالتحام المباشر بالثورة في ارض مخاضها وميلادها ، وكل منازلة للربيع العربي في غير تربته الام هي مضيعة للوقت ، ولا مفر من الحشد لإحباط الانتقال الديمقراطي في تونس ، ذلك السبيل الانجع لإلحاق الهزيمة النفسية ببقية الملاحق ، ثم ان غرفة بن زايد متيقنة ان افراغ أي تجربة ديمقراطية عربية من الاسلاميين بالقوة والقمع انما هي رِدة مقنّعة وثورة مضادة مظفرة ، خاصة وان التجارب اكدت استحالة تنمية الديمقراطية في الاقطار العربية دون المشاركة الفعلية لمثلث الاسلاميين والقوميين واليسار، من هنا ولان النهضة التونسية تعتبر السارية الكبرى التي يستند اليها التحول الديمقراطي كما يعتبر رئيسها الشخصية الاكثر حرسا على المرور من نفق المرحلة الانتقالية والأحرص على انجاح التجربة ، اختارت ابو ظبي التركيز على الغنوشي عبر محطات مدروسة بعناية تهدف الى تهشيم رمزية الرجل لتعبر من خلاله الى تهشيم الحركة ثم التجربة ككل ، وكان الاعلام المصري الممول من الامارات اكد اكثر من مرة ان الغنوشي هو حجر الزاوية وكلمة السر ، باعتبار ان لا حاجة لصرف الجهد الكبير في تفكيك التجربة التونسية ، إذْ يكفي حل حزب النهضة وسجن الغنوشي لتنتهي التجربة او تتحول الى ديكور ديمقراطي اكثر هزلية من ذلك الذي أثث المشهد التونسي طوال عقود المرحلة البورقيبة النوفمبرية .

المطاردة متواصلة ..

في سياق خطة متجددة اوكلت غرفة ابو ظبي للصحفي التونسي والمحرر بجريدة الاتحاد الإماراتية “ساسي جبيل” مهمة تشويه النهضة اعلاميا واستحضارها باستمرار وبشكل دوري على شاشات الاستهداف ، كما كلفته بالتواصل مع شخصيات ونخب تونسية في تغطياته واعتماد تصريحاتهم دون غيرهم بما انها شخصيات عدوانية تجاه النهضة وزعيمها وايضا تجاه الثورة …

وفعلا اعتمد جبيل في خطته على رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى والروائي حسونة المصباحي والامين العام المساعد للحزب الاشتراكي التونسي عبد القادر الحمدوني وغيرهم .. تطرقت آخر اخبار ساسي جبيل الى الوقفة الاحتجاجية التي نفذها بعض المرافقين الامنيين امام مقر النهضة ، وبالمناسبة استغل الحادثة ليطل من على احد الصحف الاماراتية بعنوان تحريضي جاء فيه “توقف التمويل القطري يفجر المشاكل لـلنهضة” ! يريد القول ان الحزب الاول في البرلمان واكثر الاحزاب تنظيما فشل في توفير جراية بعض الحراس الخاصين !

الغنوشي الذي لم يسقط

يعتبر الغنوشي من اكثر الاهداف المستعصية على المطبخ الاماراتي ، فالرجل لا يقدم الى خصومه أي صكوك ولا يسقط بسهولة في الهفوات التي يتصيدونها لينفذوا من خلالها الى مرادهم ، يعلم زعيم النهضة انه بصدد قناصة محترفين ومزودين بالمال والعتاد ويعلم انه لا يملك من اسباب القوة الا الحكمة في تصريف مواقفه ومواقف حزبه بعيدا عن نيران اولاد زايد ، مثلما يعلم زعيم النهضة ان النيران الصديقة واردة بل اقرب اليه من حبل الوريد ومع سبق الاصرار والترصد ، كما يعلم ان الحقل الذي يتحرك فيه تم زرعه بعناية وان العبوات شديدة الحساسية تستفزها الاجسام اللينة ناهيك عن الصلبة وانها جاهزة للانفجار لمجرد الاحتكاك الخفيف ، صورة يستحضرها الغنوشي في سلوكه السياسي ، كما يدرك جيدا ان هامش الخطأ المسموح به يناهز الصفر ، ذلك ان عبد الله بن زايد زرع قناصته في تونس بدقة وزودهم بلهفة مجنونة لاقتفاء اثر الاسلاميين وعلى راسهم الغنوشي ، كما حقنهم بجرعات مركزة من رذيلة الفتك المشين .

تدمير علاقات الغنوشي

كانت غرفة بن زايد وعلى راسها المستشار المحوري محمد دحلان أبدت حالة استياء واضحة بعد استقبال الملك سلمان لراشد الغنوشي منتصف سنة 2016 ، حينها حاولت بعض وسائل الاعلام الاماراتية والمصرية الغمز في الاستقبال من خلال رمي الغنوشي بنعوت قديمة ومستهلة الا انهم سرعان ما انكمشوا ليقينهم ان ذلك يمس من خيارات الملك سلمان ويشكك في جدواها ، مع ذلك اضمروا الاساءة لزعيم النهضة وعادوا هذه الايام لإحياء خطة تقضي الوقيعة بينه وبين العائلة السعودية المالكة ، من خلا اختلاق تصريحات مزورة نسبت للغنوشي واستهدفت حكام السعودية وكان لزاما تذييلها باستهداف حكام الامارات حتى تنتعش عملية التلفيق وتلقى الرواج المناسب ، بالتوازي تُبذل محاولات اخرى لإفساد العلاقة المتميزة لزعيم النهضة مع القيادة الجزائرية في عملية مدروسة تهدف الى عزل الغنوشي عربيا ودوليا حتى يسهل استهدافه ومن ثم استهداف الحركة التي يقودها ، ذلك هو آخر اسلحة اولاد زايد في مواجهة الرقم التونسي الصعب ، إذْ لا مناص من عزل الرجل ومحاصرة فعله الدبلوماسي استعدادا لطمس رمزيته ..

مشكلة رعاة الثورة المضادة مع الغنوشي انه لم يبتعد فيسهل اقتناصه ولم يقترب فيسهل استيعابه ، يحاولون هضمه فيستعصي ويحاولون استهدافه فتعتم عليهم المنطقة “البرزخية” التي يمارس فيها حراكه السياسي ، لا يمل اولاد زايد من ملاحقة صيدهم الثمين ولا يمل الغنوشي من مداعبة الصبية، هم بين هدفين لا ثالث لهما ، إما أن يلين فتلتهمه بطونهم او يتصلب فتلتهمه رماحهم ، أما هو فيلهيهم بحكايات الف ليلة وليلة وعينه ترقب النافذة ، متى تتبين خيوط فجرها الإقليمي والدولي فيتنفس الفجر الوطني ..متى تستقيم الديمقراطية على سوقها وترتاح شرفة افريقيّة ومنارة إفريقيا من مؤامرات “القطران والقاز والقازوال”..متى يا ربّي ..؟

 عشر قناعات لدى محمد بن زايد في معركته ضد ثورات الربيع العربي

1 – لن تنتهي الثورات العربية وتخمد أنفاسها الى الابد الا اذا انتهت الثورة التونسية الى الفشل وأُخمدت انفاسها بشكل نهائي

2 – الاجهاز على الاسلاميين في تونس او اقصائهم من التجربة هو مفتاح النجاح في معركة العودة الى اوضاع ما قبل حادثة العربة

3 – تحييد الغنوشي سياسيا سيفتح الباب على مصراعيه امام الانتهاء من كابوس الربيع العربي

4 – اضعاف الغنوشي يتطلب افساد علاقته بالجزائر والسعودية ومنعه من التمدد الدبلوماسي شرقا وغربا

5 – لان المجتمع التونسي شديد الحساسية من الاجندات الخارجية يجب اعتماد السرية والكتمان في تفكيك التجربة التونسية .

6 – مواظبة الاعلام التونسي الموالي لأبوظبي والمناكف للثورة على تعويم الساحة التونسية بالإحباط من خلال استحضار الفشل الذريع للتجارب المصرية الليبية اليمنية والسورية ودفع الشارع الى السخط على أوضاع ما بعد سبعطاش.

7 – الاقتراب من التيارات الموالية لنظام الاسد في تونس ومحاولة دفعها الى الدخول في صدام مع الثورة باعتبارها صنيعة عبرية وليست عربية .

8 – إقناع باريس ومن ورائها أوروبا أن انهيار التجربة التونسية لن يخلف موجات من الهجرة العشوائية ولن يؤثر على الامن في المغرب العربي .

9 – اعطاء الاولوية الى الفوضى الخلاقة كبديل للإجهاز على التجربة في تونس نظرا لعزوف المؤسسة العسكرية التونسية عن القيام بأدوار عسكر مصر وسوريا وليبيا واليمن ، ولصعوبة اقناع الشعب التونسي بشخصية مدنية شمولية يتم تركيبها بمواصفات مغرية وتكون بديلا لمشروع الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة .

10 – لاختراق التجربة التونسية وتوفير بدائل تعول عليها أبو ظبي يجب الاستنجاد بنخب تونسية متحولة ثوريا نتيجة لغلبة النزْعة الطائفية او القومية ، والعمل معها على تفكيك التجربة باستعمالها او بتقاطع المصالح معها .

نصر الدين السويلمي