أهم المقالات في الشاهد

الأحد,6 مارس, 2016
في يوم حزين كئيب ترجل فارس الإسلام الترابي

هذا يوم الحزن حقا وصدقا إذ ما إن فرغنا من تحبير ما تيسر رثاء لعلامة التجديد الشيخ الدكتور طه جابرالعلواني عليه الرحمة والرضوان حتى باغتتنا الأنباء حاملة خبر رحيل رجل كبير مثله سابقة وتجديدا وهو الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي هذا اليوم السبت الخامس من مارس 2016 بالعاصمة السودانية الخرطوم. كيف لا يحزن المرء في يوم رحل فيه إمامان كبيران؟ بل كيف لا يحزن وقد باغته الخبر فجأة بمثل ما باغتهما الموت هما أيضا على ما يبدو. أجل. يحزن القلب وتدمع العين على فراق الرجال الكبار ولكن لا نقول إلا ما يرضي الحي الذي لا يموت سبحانه مسترجعين محوقلين وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسبحان من يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها وسبحان من كتب وقضى أن كل من عليها فان ليبقى وجهه وحده سبحانه ذو الجلال والإكرام.

 

الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي من مواليد 1932 بكسلا بالسودان أي مات مناهزا 84 عاما. نال شهادة الدكتوراه في القانون من باريس وجمع بين التعليم الأهلي الديني في السودان وبين المعارف الغربية إذ واصل تعليمه الجامعي في إنجلترا وفي فرنسا وباشر التدريس في الجامعة السودانية لسنوات قليلات ثم نذر نفسه مبكرا للعمل السياسي بادئ ذي بدء تحت المظلة الإخوانية ثم سرعان ما ساقته الخلافات إلى تأسيس مظلات سياسية أخرى من مثل الجبهة القومية وغيرها وظل يخوض المعارك الفكرية والسياسية معا جنبا إلى جنب في بلد نخرته بنيته القبلية والطموحات العسكرية كما تميز الرجل بما جعله مثيرا للجدل على أوسع نطاق إذ ظل يتقلب في معاركه السياسية بين تحالفات شتى لأجل المساهمة في توحيد الكلمة السودانية على أرض سواء طردا للوافد العالماني وتهذيبا للقبلية الطائفية وبسطا للحرية التي جعلها هذا الرجل الكبير فعلا وحقا وصدقا وبلا منازع بين الإسلاميين كلهم كلمة السر في تحالفاته السياسية ومعاركه الحزبية وكذا مربط الفرس في تجديداته الأصولية والفقهية والفكرية. إستطاع الراحل الكبير عليه الرحمة والرضوان أن يجد له ولمشروعه طريقا يبسا متدرجا بين أكبر طائفتين تحتكران الحياة السياسية في السودان كابرا عن كابر أي المهدية التي يتصل بها نسبا فهو صهر الزعيم الصادق المهدي والختمية. كما سلك مسالك شتى مع مختلف الإنقلابات العسكرية بدءا من عبود حتى النميري الذي تحالف معه في حركة عدت يومها ناشزة وأثارت الذي أثارت من السخط والتعجب وشغل مناصب حكومية متقدمة منها وزيرا للعدل في حكومة النميري التي رفعت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية ثم آل به الأمر إلى التحالف العضوي الأكبر مع الإنقلاب العسكري الذي جاء بالفريق البشير إلى السلطة في آخر يوم من أيام جوان حزيران من عام 1989 وترأس الراحل الكبير عليه الرحمة والرضوان البرلمان وإتهم محليا وعربيا ودوليا أنه هو مدبر الإنقلاب ثم سرعان ما ساءت العلاقة بينه وبين الفريق البشير وحصل الفراق. كما تعرض الراحل الكبير عليه الرحمة والرضوان مرات كثيرة إلى الإعتقال والسجن حيث حفظ كتاب الله سبحانه في أول مناسبة إعتقال. ويجمع المراقبون كلهم أن الرجل عليه الرحمة والرضوان يتميز بذكاء فكري وسياسي وقاد لا يعدم الشعور به خصمه بمثل ما لا يعدم بذلك صديقه.

 

ذلك هو الجانب السياسي للراحل عليه الرحمة والرضوان وهو من القلائل جدا من الذين تقلبوا متقلبات سياسية شتى فيها النجاح وفيها الفشل ولهم أرصدة علمية وفكرية شرعية وغربية معاصرة منداحة تدل على ذلك كتاباته ومؤلفاته وكذا حواراته التي تعد بالمئات. أثار الحراك الآسن سياسيا بمثل ما أثاره فكريا وهو صاحب أول دعوة في التاريخ المعاصر إلى مراجعة علم أصول الفقه بغرض التجديد وله في ذلك كتاب كامل مستقل منذ 1964. يمكن لك تلخيص إتجاهه الفكري بالجمع بين تمكنه من الأصول الإسلامية الراسخة سيما الكتاب والسنة دون تسليط الإجماع سيفا بتارا يستخدمه التقليديون ضد فرائض التجديد والتحديث وبين العلوم والمعارف المعاصرة وخاصة الغربية منها مما يسر له عقلا نقادا نخالا يطرح السؤال ـ سؤال الشك والريبة أولا ـ بجرأة وجد وعلم فلا يستسلم لا لوافد باهر ولا لموروث شاهر. كما تميز الراحل عليه الرحمة والرضوان ـ في خصيصة ربما لا يشاركه فيها سوى رجلان من رجال التجديد وهما : المرحوم الغزالي المتوفي عام 1996 والمرحوم العلواني المتوفي بالأمس ـ بالشجاعة الفكرية والأدبية التي تمكنه من الإصداع بما توصل إليه إجتهاده وهو مسلك صعب قل من يرقاه بل إن هناك من هو في مثلهم إجتهادا وتجديدا وتحديثا ولكنه لا يصدع برأيه في بعض القضايا التي صرح بها هو نفسه في مناسبات أخرى حتى لو كان يجيد تحريرها بقلمه وهو صاحب القلم السهل الممتنع أي العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حامل لواء التجديد والوسطية في عصرنا أطال الله عمره ونفعنا بعلمه. ولا يغيض ذلك من أجره ولا من فضله شيئا.

 

الراحل الكبير الشيخ الدكتور حسن الترابي عليه الرحمة والرضوان ربما يكون من أول من أولى المرأة في الحركة الإسلامية وفي الدولة والشؤون العامة المنزلة الإسلامية التي جاء بها الكتاب وترجمها نبي التجديد محمد عليه السلام وقد لمست هذا بنفسي في لقاء جمعني به لمدة زهاء ساعة بمكتبه بالخرطوم ضمن مهمة حزبية داخلية في خريف عام 1995. الرجل صاحب فضل على الحركة الإسلامية التونسية بالذات في قضية المرأة في إثر سلسلة محاضرات ولقاءات أثمرت كتابا مشتركا في القضية بينه وبين الشيخ راشد الغنوشي في أواخر السبعينيات. لما كنت أنتقل بين مكتبه وبين مكتب نائبه الشيخ السنوسي لفت إنتباهي حضور المرأة ومصافحتها ومعالجة تلقائية تنقلك إلى التدين الإجتماعي الشعبي التلقائي بمثل ما كان يتعامل مع المرأة عليه السلام بالتمام والكمال. ولكن سرعان ما ضاق الإسلاميون قبل غيرهم ذرعا بالتجديدات الترابية والغزالية والعلوانية والغنوشية والقرضاوية سيما في مناخات يغلب عليها التضييق والإبعاد والسجون والمنافي فكان رد الفعل لا شعوريا داخليا تمثل في مظاهر إنحراف كثيرة منها عدّ المصافحة رجسا من عمل الشيطان أو أن المرأة نفسها أحبولة شيطان بها يصطاد ضحاياه تأثرا بالرواية المسيحية المزيفة قوامها أن حواء هي التي أغوت آدم زوجها للأكل من الشجرة المحرمة بل تجاوزت الروايات المدحوضة التي إمتلأت بها بطون تراثنا الديني نفسه لتقول لنا أن حواء نفسها هي التي أكلت أو بادرت بالأكل.

 

ذلك هو الراحل الكبير الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي يتبع النحلة الإبراهيمية الموسوية فيطرح الأسئلة الصعبة الحرجة التي لا يرقى إليها أصحاب التدين التقليدي الذي سرعان ما تشغب عليه لنبذه الإجتهاد شاغبات الخرافة والأسطورة. أظن أن حلة الخلة التي خلعها سبحانه تشريفا وتكريما على إبراهيم ما كانت لتتسق معه لولا أنه لم يسأل السؤال التجديدي الأعظم ( رب أرني كيف تحيي الموتى) ولا أظن أن حلة الكلام التي خلعها سبحانه تشريفا وتكريما على موسى عليهم السلام جميعا ما كانت لتسبغه لولا أنه لم يسأل السؤال الأشد خطورة والذي نعده نحن المتدينون اليوم هرطقة وزندقة ( رب أرني أنظر إليك ).

 

تعرض الراحل الكبير عليه الرحمة والرضوان في سنوات رحلاته إلى أمريكا إلى ضربة قاسية في الرأس ربما كانت تعدّ لوضع نهاية لحياته إذ ظل يحاور الأساقفة في أعلى مستوى بلسانه الإنجليزي السليق كما ظل يحاور السياسيين وغيرهم كلا بلسانه.

 

ذلك هو طريق التحديث الذي يعوق النهضة الإسلامية بصحوتها وحركتها أن تنفك من مربعات التقليد والإجترار فيسهل على الخصوم رميها بالتطرف والإرهاب ومعاداة الحقوق والحريات. طريق مهد له الرجلان الراحلان اليوم : العلواني والترابي تمهيدات كبيرة.

 

إنه يوم الحزن فعلا وحقا وصدقا وهو الفراغ الذي قال فيه عليه السلام ( إن الله لا ينزع العلم من الناس إنتزاعا وإنما ينزع العلم بموت العلماء ).

 

وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أخلفنا فيهم خيرا وقيض لهذه الأمة التي أخرجتها للناس هادية شاهدة من يجدد لها دينها وعدا منك موعود صادق لا يكذب. آمين.

 

الهادي بريك ـ ألمانيا.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.