الرئيسية الأولى - كتّاب

الجمعة,15 يناير, 2016
“سيلفي” الغنوشي

الشاهد_حضر زعيم حركة النهضة التونسية، الشيخ راشد الغنوشي، السبت الماضي 9جانفي، المؤتمر العام الأول لحزب نداء تونس الحاكم، بدعوة من رئيس الحزب ورئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي. وكان حضور الغنوشي، بحد ذاته، دليلاً جديداً على أن التجربة التونسية، على الرغم من عثراتها ومشكلاتها العديدة، إلا أنها لا تزال تقدم نموذجاً لإمكانية التعايش بين التيارات الأيديولوجية المختلفة في العالم العربي.

 

ألقى الغنوشي كلمة مهمة في المؤتمر حملت كثيراً من معاني التعايش والتعاون بين أكبر حزبين في البلاد، وهو أمر يبدو غريباً على الثقافة العربية، التي تقوم على التشكيك في الآخر وإقصائه. وعلى الرغم من ذلك، اعترض بعض أعضاء “نداء تونس” على دعوة الغنوشي لحضور مؤتمر الحزب، بل واستقال بعضهم احتجاجاً على ذلك، مثلما فعل عضو المكتب التنفيذي، فتحي الجموسي، والذي اعتبر حضور الغنوشي “خيانة للمبادئ التي قام عليها الحزب”.

 

 

وعلى الرغم من ذلك، لاقى حضور الغنوشي ترحيباً كبيراً، خصوصاً من نساء حزب “نداء تونس” اللاتي تسابقن لأخذ صور “سيلفي” مع الشيخ العجوز، مثلما جاء في تقرير بثته قناة الجزيرة عن انعقاد المؤتمر، ما يدل على حجم الثقة الذي بات لدى النخبة العلمانية في تونس تجاه الإسلاميين، وهو أمر كان يبدو أقرب إلى المستحيل في فترة حكم بن علي. وللحق، تعود إذابة الثلج في العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين إلى قدرة الشيخ الغنوشي على طرح خطاب سياسي، يتجاوز فكرة الانقسام الأيديولوجي والاستقطاب السياسي. ومن يتابع استراتيجية حركة النهضة منذ الثورة يجد أنها اعتمدت على قدر كبير من الواقعية السياسية، التي صاحبها تقديم تنازلات أيديولوجية وسياسية معتبرة، من أجل إنجاح التجربة التونسية. وقد تعلمت الحركة من أخطاء نظيراتها، خصوصاً في مصر، ولم تسع إلى التصعيد أو الاستئثار بالسلطة، وإنما حكمت بالتوافق. وحين جاءت اللحظة التي رأت فيها الحركة أن التجربة الديمقراطية في تونس في خطر، انسحبت من المشهد، في صيف 2013، وتركت السلطة، من أجل حكومة تكنوقراط لتسيير البلاد. ولم تتمسك “النهضة” بمواقفها الأيديولوجية، عند كتابة الدستور التونسي، والذي يعد من أكثر الدساتير العربية انفتاحاً وحرية واعترافاً بالتعددية.

 

 

وفي وقت يرى فيه بعضهم أن الغنوشي لم يعد زعيماً لحركة إسلامية، بعد تجاوزه كثيراً مما يعتبره بعضهم “خطوطاً حمراء” للحركة، سواء على مستوى التصريحات أو المواقف، فإن من يتابع الخط الفكري للغنوشي، ومن خلفه حركة النهضة، لن يجد تناقضاً بين ما يطرحه الآن وجذوره الفكرية، فالرجل الذي عمل أستاذاً للفلسفة، في بداية حياته المهنية، قدّم اجتهادات فكرية وفقهية مهمة ومعتبرة تجاوزت فيها إشكالاتٍ عديدة، لا تزال الحركات الإسلامية الأخري تعاني منها. وعندما يصل الرجل إلى صيغةٍ سياسيةٍ استطاعت فك الاشتباك المصطنع بين الإسلام والديمقراطية، فإنه يقدم نموذجاً للتعايش بين الأمرين، بشكل سلس، ومن دون تكلّف.

 

 

صحيح أن حركة النهضة لا تزال تواجه مشكلات عديدة، أهمها إمكانية الفصل النهائي بين المجالين، الدعوي والسياسي، والذي من المنتظر أن يبت فيه المؤتمر العاشر للحركة، المقرر عقده الربيع المقبل، وكذلك مسألة “مأسسة” الحركة، بعيداً عن الهيمنة الكاريزمية للغنوشي، خصوصاً إذا فكر في ترك الحركة، وإفساح المجال للجيل الجديد، إلا أن الحركة تبدو في طريقها نحو نقلة جديدة في مسيرتها، تتحول فيها إلى حزب سياسي مؤسسي، يعتمد على تراث طويل من التشاور والتوافق والقدرة على تجاوز الخلافات الداخلية. كما أن المناخ السياسي في تونس الجديدة، والذي بات مفتوحاً وتعددياً، من شأنه السماح للحركة بإنجاز هذه النقلة النوعية، والتي سيكون لها ما بعدها.

 

 

خليل العناني-العربي الجديد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.