كتّاب

الأربعاء,16 ديسمبر, 2015
كتلة النهضة والتخفيض في سعر أم الخبائث

في إطار مناقشة قانون المالية لسنة 2016 في مجلس نواب الشعب التونسي وفي خطوة غريبة صادق أغلب الحاضرين من الكلتة البرلمانية لحركة النهضة الإسلامية على الفصل 40 المتعلق بالتخفيض في سعر القيمة المضافة (أي الضريبة)على بعض المواد الاستهلاكية ومن بينها عدد هامّ من أنواع الخمور المختلفة، بعد أن كانت كتلة الحركة في المجلس التّأسيسي قد صادقت على التّرفيع في الأسعار بقصد حمل المستهلكين على التّقليل من الاستهلاك أو الاقلاع عن هذه المعصية!

حاولنا أن نجد شرحا مقنعا أو جوابا شافيا لهذه الخطوة التي أقدمت عليها كتلة النهضة وعرّضت بها الحركة وأنصارها للسّخرية والاستخفاف خاصّة بعد أن أُتْبِع التصويت بربع ساعة راحة لأداء صلاة المغرب!

الحق أنّني تخيّلت السّادة النّواب من كتلة النّهضة وهم يستمعون للنّائبة المكلّفة بتلاوة الفصل الذي فيه “جرأة كبيرة” ـ على حد تعبيرها ـ وهي تُسمّي الخمور الواردة بالفصل (الجعة، الخمور الصبّة، الخمور الفوّارة، النّبيذ وعصير العنب، الوسكي والكونياك والفودكا والدّجين، الباستيس والرّيكار والأنيزات، والتّسيبارين) تخيّلتهم مكرهين على الجلوس في جلسة خمرية وهم يتصببون عرقا، خجلون من أنفسهم ومن مشاهديهم!

وهنا أودّ أن أوجّه خطابي مباشرة للسّادة والسّيدات النّواب في كتلة النّهضة فأقول وبالله التوفيق:
لقد أساءتنا منكم هذه الخطوة خاصّة وأنكم لم تترفّقوا بنا ولم تسيروا على قدر ضعفائكم وناخبيكم، فقد بخلتم علينا بالشّرح والتّوضيح ولم تبيّنوا لنا هدفا أو مقصدا، مع أنّنا بذلنا الجهد وشغّلنا محركات البحث المختلفة فلم نجد ما يزيل عجبا أو يشفي علّة!

ولأنّه لاشكّ لدينا في أنّه لا يوجد من بينكم من يتعاطى الخمرة أو يستحلها أو يتاجر بها أو مستفيد فائدة شخصيّة من القرار بأي صفة، فإننا متفقون حول الموقف الفقهي أو الدّيني منها، ونفهم أن ما قمتم به هو في إطار مصلحة رجّحتموها أو مقصد قدّرتموه، ولعل هذه المصلحة أو المقصد تدندن حول تقدير موقف سيّاسي أو اقتصادي.

ورغم حملة السّخرية والنّقد الشّديد والتّشويه من السّكيرين والمدمنين قبل المتديّنين فإنّكم لم تجدوا الجرأة لتوضيح موقفكم كما وجدتم الجرأة على إقرار الفصل المذكور برمّته دون توضيح أو تعديل!

الخلاف إذن ليس حول حكم دينيّ في أمر محرّم ولا هو اتّهام في النّوايا وإنّما في تقدير الموقف السّياسي أو المصلحة الاقتصادية، واسمحوا لي في هذا المجال أن أقول: “أنتم رجال ونحن رجال” وعليه أعتقد أنّ موقفكم مجانب للصواب من حيث التّقدير الاقتصادي، ذلك أن ما يسبّبه الخمر من كوارث في الممتلكات والأرواح وما يسبّبه من خسائر مالية ودمار وخسائر في معالجة آثاره يفوق بكثير ما يدخل لخزينة الدّولة من انتاجه أو ما يضاف من قيمة على مبيعاته، هذا فضلا عمّا يسببه من كوارث اجتماعية وجرائم وعنف أسري واغتصاب، ونهب وسطو وسرقة!

إضافة إلى أن الإقبال على الخمر قد أصبح ظاهرة مفزعة حيث يعتبر الشعب التونسي من أكثر الشعوب إقبالا على الخمور، وتونس من أكثر البلدان تضرّرا من آثاره حتى الشواطئ والبحر لم يسلم من التّلوث بما يلقى فيه من علب خمر وقنانين وزجاج مهشم إلى درجة مفزعة!
والعقل يقتضي أن يحاول العقلاء كلّ ممّا يليه مقاومة الظاهرة والتّحذير من خطورتها ودقّ ناقوس الخطر لأنّها مؤذنة بخراب الدّين والدّنيا معا! وأنّكم كنتم تمتلكون من قوّة الموقف والحجّة ما يجعلكم ترفعون الصّوت عاليا في مواجهة المدمنين وتجّار الخمور!

وأما تقدير الموقف السياسي فأعتقد أن لا علاقة لمصادقتكم على الفصل المذكور بسياسة التّوافق أو الحرب على الإرهاب، وإذا كانت شعبيات أحزاب أخرى لن يهزّها التصويت لصالح التّخفيض في سعر الخمور ولن ينقص منها، فإن شعبية الحركة الإسلامية لا شكّ تتضرّر حيث أن الناخب توسّم في الحركة خيرا ومنحها ثقته وائتمنهاعلى دينه وعلى حماية ما يمكن حمايته منه، وما أقدمتم عليه ـ خاصّة بعد الحملة الإعلامية الشّرسة التي يتزعّمها المدمنون ـ سيفقد الثّقة فيكم وفي مشروعكم.

وإذا كان “خذلانكم” للناخبين في مواطن أخرى له ما يبرّرره، وقد يجد العاقل ما يدافع به أو ما يبيّن به صلاح ذلك “الخذلان”، أو قد يأتي الوقت الذي يُظهر صلاحه، فإن هذا الموقف يُستبعد أن يَظهر له صلاح!

بل الصّلاح الدّيني والإقتصادي والإجتماعي “والحسبة السّياسية” تقتضي أن يقف نوّاب النّهضة شوكة في مثل هذه المواقف، ويطالبوا بمحاصرة ترويج الخمر سواء عبرالقنوات “الرسمية” أو قنوات التهريب بدل التعلّل بأنّهم يقبلون بالتّخفيض في سعر التّرويج الرسمي لمحاصرة التّهريب!
وفي مثل هذه المواقف قطعية الأحكام والمقاصد يجدر إرضاء الله والصّدع بالحقّ والتّبرئ من الباطل ودعاته، والاعتبار بأن من طلب رضاء الناس بسخط الله سخط الله عنه وأسخط الناس عنه، ومن طلب رضاء الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه!
كان عليكم أن تناقشوا قانون المالية فصلا بفصل وأن تميّزوا خبيث الفصول من طيّبها وتستأصلوا ما بها من “أورام خبيثة” ولا تتعلّلوا بأنّ التّخفيض في أسعار الخمور مُرّر مع التّخفيض في أسعار موادّ أخرى ضرورية للمواطنين، وأنّ القبول بهذه مقرون بقبول تلك!

سادتي الأعزّاء الأمر لا يحتاج كثير كلام ولا حِجاج وليس الشعب التّونسي تَتَارا ولا أنتم ابن تيمية تفتون بتيسير وصول الخمر إليه حتى ينشغل بالخمر عن القتل!

قد ينعت كلامي هذا بالشّعبوية وأنّ حججي ضعيفة وأن ما قلته لم يغب عنكم، ولكن عزائي أنّني من عامّة الشّعب المسلم الذي أساءه الأمر ولم يفهم الحكمة من انقلاب موقفكم وتغيّره إلي الضدّ تماما بين ما شرعتموه من زيادة على ضريبة الخمور في ميزانية 2013 وما تراجعتم عنه في ميزانية 2016!
خاصّة وأنكم لم تتواصلوا ولم تشرحوا ولم تبيّنوا ما الذي حملكم على هذا الذي جعلكم وجعلنا عموما أضحوكة يتندّر بها المستفيدون من التّخفيض في أسعار الخمور والمنتشين به أو الرّافضين للخمر من منطلق حكمه الشرعي أو المزايدة السياسية!

وهنيئا لهم بما قدمتم لهم من هدية على طبق من أم الخبائث!!

صمتنا حتى مل من صمتنا الصمت!

طه البعزاوي

الشاهداخبار تونس اليوم