أهم المقالات في الشاهد

الثلاثاء,15 ديسمبر, 2015
الثورة التونسيّة: حصاد 5 أعوام

الشاهد_في 17 ديسمبر 2010 صفعت شرطية تونسية بائع خضار متجولا اسمه محمد البوعزيزي في مدينة تبعد 260 كيلومترا عن العاصمة، فرد الشاب على الإهانة بإشعال النار في جسمه أمام مبنى المحافظة تعبيرا عن شعور عميق بالإحباط واليأس.

قدر لوسيلة الاحتجاج غير المألوفة تلك أن تفعل فعل الشرارة في هشيم الغضب الذي راكمته لدى التونسيين سنوات حكم الرئيس زين العابدين بن علي الـ24، فقد وجد احتجاج البوعزيزي صداه في اليوم التالي لدى شبان مدينته سيدي بوزيد.

وسرعان ما امتدت نار الاحتجاجات السلمية إلى مدن تونسية أخرى في المحافظة، ومنها إلى تونس العاصمة وصولا إلى فرار بن علي نفسه في 14 جانفي 2011.

بالمحصلة قدر لثورات الربيع العربي في مصر واليمن وسوريا على التوالي أن تبدأ من ردة فعل بائع الخضار الشاب على الصفعة.

 

البوعزيزي.. ذكرى الرحيل:

 

ولد محمد البوعزيزي عام 1984 في سيدي بوزيد، وتربى يتيم الأب في أسرة تعاني من ضيق ذات اليد، تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة بقرية سيدي صالح، ولم تسمح ظروفه المادية بإكمال دراسته، واضطر للعمل بائعا متجولا في سن مبكرة لإعالة أسرته التي تتكون من تسعة أفراد، أحدهم معاق.

 

ذات صباح من شهر ديسمبر 2010، لم يكن يدور في خلد البوعزيزي حين حاول الانتحار حرقا أمام مقر محافظة سيدي بوزيد أن تندلع ثورة عاصفة تعاطفا معه ضد ما اعتبره أبناء مدينته قمعا من حاكم لم يكتف بازدراء مناطق بعينها من البلاد وتهميشها، بل تجاوز ذلك إلى البطش بشبابها والتنكيل بهم.

 

وكان البوعزيزي أقدم على حرق نفسه بعد منعه من بيع الخضراوات والغلال على عربته، ورفض المسؤولين المحليين مقابلته حينما أراد رفع شكاية بفادية حامدي الموظفة في البلدية التي اتهمها بصفعه وإهانته أمام الجميع، بتعلة عرض بضاعته في مكان غير مرخص لذلك.

 

 

 

 

الشرارة الأولى:

 

مثّل هذا الحادث الشرارة التي دفعت المئات من الشباب العاطل عن العمل إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات سلمية في مدينة سيدي بوزيد، سرعان ما تحولت في اليوم التالي إلى مواجهات دامية مع قوات الشرطة، وامتدت إلى محافظة القصرين المحاذية ومحافظات أخرى في البلاد.

 

ومع فشل السلطات في كبح جماح التحركات الاحتجاجية، انتقل الغضب الشعبي إلى مدن ومحافظات ساحلية كبرى أبرزها صفاقس ونابل وتونس العاصمة، وتحول الطوفان بسرعة إلى انفلات أمني كبير وفوضى عارمة تخللتها عمليات سرقة طالت المنشآت العامة والخاصة وعجلت بهروب الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي وسقوط نظامه.

 

وإذا كان مُشعل الثورة قد فارق الحياة بعد إحراق نفسه بنحو عشرين يوما، فإن ذلك الحادث حوله إلى أيقونة لثورات شعوب انتفضت ضد حكامها في عدد من الدول العربية، وأسقطت -بالإضافة إلى بن علي- نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ونظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي ثم الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح.

 

يبدو أن رسالة البوعزيزي لم تقبر في مدينته سيدي بوزيد أو بلده تونس فحسب، بل تجاوزتها إلى جميع أنحاء العالم. فبعد أن استعارت بلدان عربية من التونسيين شعار انتفاضتهم الأبرز: “ارحل”، واعتراف أكثر من دولة برمزية ثورة التونسيين، أقامت فرنسا في فيفري2011 تمثالا تذكاريا تخليدا للبوعزيزي، وأطلقت اسمه على الساحة التي تقع في الدائرة الرابعة عشرة من العاصمة الفرنسية.

 

سكان سيدي بوزيد ينعون ثورتها:

 

 

 

 

في مكان قريب من تمثال عربة محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد ، يجلس العم حسين فندولي إلى جانب عربته التي يبيع فيها الشاي رفقة أصدقاء يتجاذبون أطراف الحديث بكثير من الإحباط عن أوضاعهم المعيشية.

هناك، أصبح الطريق الرئيسي وسط سيدي بوزيد -حيث أحرق البوعزيزي نفسه غيظا أمام مقر المحافظة- فضاء مفتوحا لعربات الباعة المتجولين أمثاله الذين يئسوا من إيجاد وظيفة فلجؤوا لبيع الملابس أو السجائر أو الشاي على الطريق.

بدو حركة المارة وسط تلك المدينة الفقيرة التي ذاع صيتها في أرجاء المعمورة بعد أن أطاحت الثورة التي انطلقت منها بنظام زين العابدين بن علي باهتة دون وهج ثوري رغم حلول موعد الاحتفال بذكرى الثورة التي انطلقت في 17 ديسمبر 2010.
 
يقول العم حسين فندولي بشيء من الاكتئاب الذي يتقاسمه مع أهالي بلدته بسبب استمرار تردي الأوضاع، “لم يبق في سيدي بوزيد أي زخم ثوري ما عدا الشعارات التي بقيت منقوشة على الجدران تطالب بالشغل والكرامة وبعض صور البوعزيزي”.
 
محاولا أن يقاطع أصوات أصدقائه التي تتعالى قليلا، يقول العم حسين “لقد أصبحت عجوزا ولم أحظ يوما بوظيفة لي أو لأولادي، مثلما ترى، أبيع الشاي على قارعة الطريق ولم أر من المسؤولين سوى الوعود الكاذبة. بالنسبة لي انتهت الثورة وضاع كل شيء”.

 

خيبة أمل:

يسرع صديقه العايش عبدولي للتعبير عن سخطه من الحكومات المتعاقبة ومن الأحزاب السياسية التي “خيبت أملنا ولم تحقق أي شيء لأهالي سيدي بوزيد.. بعد مرور خمس سنوات على الثورة زادت حياتنا تعاسة”.
 
ولا ينكر هذا الفلاح المتقاعد أن الثورة أتاحت للجميع حرية التعبير التي كانت جرما في السابق، لكنه يتساءل بتعجب “وماذا فعلنا بحرية التعبير؟ في سيدي بوزيد لا توجد مشاريع تشغل المعطلين عن العمل، لقد سئمنا من الشعارات ومن الوعود ومن المسؤولين”.
 
حالة اليأس ذاتها عبّر عنها كذلك الشاب العاطل عن العمل جمال مسعودي (35 عاما)، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال، إذ يقول بابتسامة رجل مقهور إنه سئم من طرق أبواب المسؤولين دون أن تحظى مطالبه بأي موافقة لتوظيفه أو منحه قرضا حتى “يبني حياته”.

وقد تحصل هذا الشاب -الذي شارك في أحداث الثورة في بلدته- على دبلوم في النجارة، لكن رغم مساعيه المتكررة في البحث عن شغل في اختصاصه، لم ينجح في الظفر بما يسد الرمق وما يساعده على قوت عائلته، حتى أنه أصبح يفكر في الانتحار كما يقول.

ويضيف جمال بمرارة “لقد يئست من طرق أبواب المسؤولين لأن جميعهم يخادعوننا ولا يهتمون لمطالبنا، بعد الثورة لم يتغير أي شيء بل زادت الأوضاع سوءا”.

 

ولم يتسن للجزيرة نت الحديث مع محافظ سيدي بوزيد لاستفساره عما تغير في المدينة التي تشكو من غياب التنمية وارتفاع معدل البطالة، لكن مسؤولا ساميا في المحافظة قال إن السلطة شرعت في إصلاح البنية التحتية للمدينة لتشجيع المستثمرين على بعث مشاريعهم هناك.

 

إنشاء مصانع:

 

وبشأن المشاريع التي أنشئت بعد الثورة، قال إنه تم إنشاء مصنع لصناعة الحليب يشغل ثلاثمئة شخص، بينما تستعد المنطقة لبناء مصنع للإسمنت ومصنع لصناعة الفوسفات، وهي مشاريع في طور الدراسة.

 

من جهته، أقر مدير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية رضا الشكندولي بأن هناك شعورا سائدا بخيبة الأمل في المناطق الفقيرة التي تفاقمت فيها البطالة والتهميش بعد الثورة بسبب غياب التنمية.

 

ويقول للجزيرة نت إن الاقتصاد التونسي أصبح بعد الثورة يعيش حالة ركود بسبب التجاذبات السياسية والانقسامات الحزبية والهجمات الإرهابية التي أضرت بمناخ الأعمال وأثرت سلبا على أداء السياحة والاستثمار.

 

واعتبر أن العقدة لا تكمن في مشاريع البنى التحتية والإصلاحات الاقتصادية التي أخذت الدولة في إنجازها، وإنما في توفير عوامل غير اقتصادية من شأنها أن توفر الأمن وتعيد الاستقرار وتسترجع ثقة المستثمرين.

 

القصرين بين البطالة والوصم بالإرهاب:

 

 

 

في زمن تلك الاحتجاجات والمواجهات مع رجال الشرطة، لم يتجاوز عمر هذا الشاب الذي خرج ثائرا ضد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن عليعشرين عاما، وفي ذلك الوقت كان جمال شابا أعزب يدرس في معهد ثانوي لكنه اليوم أصبح متزوجا مسؤولا عن طفل رضيع.

ويعاني جمال منذ خمسة أعوام من البطالة كغيره من الشبان في منطقة القصرين التي لا يخفي رجال الأعمال رفضهم الاستثمار فيها بسبب توترها الأمني نتيجة تحصن مسلحين في جبالها، لا سيما بجبل الشعانبي أعلى قمة في البلاد، لشن هجمات ضد الأمن والجيش.

ويقول الشاب للجزيرة نت إنه يضطر للسفر مرارا إلى الجزائر للعمل فيها مستغلا كل مرة المدة القانونية التي تمنحها السلطات للسياح وذلك لتوفير قوت عائلته، مشيرا إلى أن “الوضع المتدهور في القصرين لا يطاق لدرجة أن شبابا مثلي استقطبتهم جماعات إرهابية”.

ومع أنه يسكن في الحي الجامعي قرب مقر ولاية القصرين، يقول جمال “ليست لدينا مياه صالحة للشرب ولا طرقات معبدة ولا إنارة ولا أمن، نحن نعيش في خوف كل ليلة من قدوم الإرهابيين، لقد أصبحنا نعيش على وقع الرصاص والقنابل التي نسمع دويها قادمة من الشعانبي”.

وفي مداخل مدينة القصرين والمناطق المحاذية لها، تنتشر بكثافة الحواجز الأمنية ورجال الشرطة المدججون بالأسلحة، فهناك كثيرا ما هاجمت جماعات مسلحة قوافلهم وسطت أيضا على غنم ومؤونة عائلات تسكن قرب جبال البلدة، وتعرض بعض أفراد هذه العائلات للاختطاف وحتى للذبح.

 

خوف وترقب:

 

ويقول حمد بن محمد وهو شيخ ثمانيني يقيم قرب جبل الشعانبي الذي يمتد إلى داخل الحدود الجزائرية، إن محافظة القصرين فقدت الأمن الذي كانت تنعم به في النظام القديم وإن حياة الأهالي هناك تحولت إلى جحيم بسبب المخاطر المحدقة بهم من الإرهاب، وفق تعبيره.

 

 

 

 

وينظر هذا الشيخ بعينين براقتين تنمان عن شعور بالخوف إلى سفح جبل الشعانبي القريب من منزله الصغير، قائلا للجزيرة نت “عندما تغيب الشمس من وراء تلك التلة هناك لا نبرح منازلنا ونبقى نترقب بخوف شديد ماذا يمكن أن يحدث، بصراحة لا نشعر بوجود حراسة تحمينا”.

وعندما تتحدث عن الوضع المعيشي في القصرين بعد الثورة لهذا العجوز الذي يتقاضى منحة تقاعد شهرية من وزارة الفلاحة لا تتعدى مئة دولار علاوة عن أنه كفيل لعائلة كبيرة العدد، فإنك لا تسمع سوى “نحن نعيش بقدرة الله لا أحد يلتفت لنا ونحن لا نعترف بأحد”.

ويقول الشاب خالد فقراوي إن والده وأخويه مصابون بإعاقة جسدية، وإنه عجز عن مساعدتهم بسبب حالة البطالة التي يعيش فيها منذ أن انقطع عن التعليم الجامعي في كلية الحقوق عام 2006 بسبب أوضاع عائلته المادية المزرية.

مقر المحافظة:


وتبدأ عروق رقبة خالد في الانتفاخ جراء حالة الهستيريا التي بدت عليه، قائلا “هناك تخاذل من السلطات المحلية، فكل مرة آتي لمقر المحافظة كمواطن لديه هوية تونسية للمطالبة بحقي الشرعي في الشغل، أشعر كأني سأدخل إلى ثكنة عسكرية أو أني حائز على الجنسية الإسرائيلية”.

ويقول بغيظ للجزيرة نت “لقد قُمعنا في هذه البلاد بالطول والعرض. ماذا يريدوننا أن نفعل، هل ننتحر أم ننضم للجماعات الإرهابية؟”.

ويرى الخبير الأمني فيصل الشريف أن تحقيق التنمية وخلق مواطن شغل وتثقيف الشباب وزرع قيم الاعتدال فيهم، من آكد الأمور التي يجب فعلها لمقاومة التطرف الديني لدى الشباب الذين يسهل استقطابهم ضمن الجماعات “الإرهابية” التي تستغل أوضاعهم الهشة.

ويقول للجزيرة نت إن الحلول المناسبة لمحاربة الإرهاب لا تختزل في الإجراءات الأمنية المشددة مثل حالة الطوارئ وفرض حظر التجول وتفكيك الخلايا الإرهابية، وإنما في الأبعاد الثقافية والتنموية والاقتصادية.

 

خيبة مضاعفة لضحايا الثورة:

 

 

 

بإحساس يفيض بحزن عميق، يمسك حسن القرامي وزوجته راضية صورة ابنهما أيمن الذي قتل برصاص قناص في أحداث الثورة التونسية، وهما يشعران بخيبة كبيرة بسبب ضياع حقه بعد صدور أحكام مخففة في حق قاتله من قبل القضاء العسكري.

 

يقول حسن إن ابنه قتل يوم 17 جانفي 2011 بعد ثلاثة أيام من فرار الرئيس المخلوع زين العابدين، برصاص قناص عسكري عندما كان يعمل كموظف سجون يرافق موقوفين كانوا يتلقون العلاج في أحد مستشفيات محافظة بنزرت شمالي البلاد.

 

ورغم أن التحقيقات كشفت أن جنديا قتله متعمدا، فإن الأحكام التي صدرت بحق القاتل انخفضت من خمسة أعوام مع وقف التنفيذ في الدرجة الأولى إلى سنتين سجنا مع وقف التنفيذ في الاستئناف، ثم سنة سجن مع وقف التنفيذ في درجة النقض النهائي.

 

ائسة ومكسورة كانت والدة أيمن تذرف دموع القهر لضياع حق ابنها، مسترجعة صورته المنحوتة في ذاكرتها التي أبت نسيانه رغم مضي خمس سنوات على الثورة عاشت خلالها مرارة التنقل والانتظار في المحاكم العسكرية “دون إنصاف”.

 

خسارتان:

 

يقول حسن القرامي للجزيرة نت إن عائلات ضحايا الثورة خسروا أبناءهم وخسروا قضاياهم لدى المحاكم العسكرية التي “سعت منذ البداية لإطالة القضايا وإنهاك عائلات الضحايا وإحباط عزائمها عن قصد لغلق الملفات نهائيا”.

 

وعن مصلحة المحاكم العسكرية في ذلك، يرى حسن -وهو نقيب متقاعد بوزارة الداخلية كان ممارسا لعمله خلال الثورة- أن الجيش كان متورطا عقب هروب الرئيس المخلوع في قتل مدنيين، وأنه كلف محاكمه العسكرية بالتستر على أفعاله.

وبقطع النظر عن نتائج المسار القضائي فإن عائلات ضحايا الثورة يعبرون بكثير من السخط على تنصل الدولة من التكفل بملفاتهم الصحية والاجتماعية، ذلك أن جزءا منهم لم يتحصل على تعويض مادي ولا على علاج ولا حتى على شغل.

 

فمروان بوحاجب اضطر للعلاج على نفقته الخاصة رغم أنه أحد جرحى الثورة تعرض للتعذيب من قبل أمنيين تسببوا له في كسر فكه الأسفل وكسر كتفه الأيسر وأصابعه اليسرى بسبب نشره تسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء أحداث الثورة.

 

حرمان:

 

وقال بوحاجب إنه -بعد مرور خمس سنوات على الثورة- لم يتم تحديد نسبة الأضرار البدنية في جسمه للحصول على تعويض، مشيرا إلى أن جزءا من جرحى الثورة لم يتلقوا علاجا من قبل الدولة وحرموا من التمتع بوظائف أو منح اجتماعية.

 

وأكد بوحاجب (25 عاما) أنه يفكر حاليا في الهجرة إلى كندا بعدما سئم العيش في مدينته سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة، قائلا بلهجة يغلب عليها الشعور بالغبن “لم يتحقق أي شيء بعد الثورة ولم تتوفر أي ظروف لتحسين معيشتنا”.

 

ووفقا للمحامية ليلى الحداد التي رافعت كثيرا في ملف ضحايا الثورة، فإن “القضاء العسكري كرس حالة الإفلات من العقاب وعدم المحاسبة”، وأكدت أنه لم يقع إنصاف ضحايا الثورة على المستويين الجزائي أو الاجتماعي.

 

وقالت ليلى للجزيرة نت إن “أكبر دليل على خيانة ملف شهداء وجرحى الثورة هي الأحكام المخففة التي صدرت بحق من تورطوا في القتل، ففي أفريل 2014 قررت المحاكم العسكرية إطلاق جميع القيادات الأمنية التي كانت تساند بقاء نظام الرئيس المخلوع”.
 
ورغم أن محكمة التعقيب (النقض) رفضت منذ أشهر هذه الأحكام وطلبت إعادة النظر في القضايا من جديد، فإن المحامية اعتبرت أن إعادة النظر في القضايا مجددا أمام القضاء العسكري ودون حضور محامي الضحايا، “بلا معنى”.
 
وفي وقت كانت تتوقع فيه أن تكرم باعتبارها كانت تعكف مع محامين آخرين في المحاكم العسكرية للدفاع عن الضحايا، تفاجأت ليلى باتهامها من قبل وزارتي الدفاع والداخلية بنشر وثائق تتهم فيها الجيش والأمن بأنهما وراء قنص المتظاهرين.
 
واعتبرت أن هذه التهم سياسية تعيد إلى الأذهان التهم التي كان يلفقها بن علي لخصومه، مشيرة إلى أن هناك نية لتكميم الأفواه ومنع المساعي الرامية إلى المطالبة برد الاعتبار والحقوق لعائلات ضحايا الثورة، وأكدت أنها لن تستسلم لهذه المحاولات.
 
في المقابل، قالت كاتبة الدولة المكلفة بملف ضحايا الثورة ماجدولين الشارني إنه رغم تفهمها لغضب أهالي الضحايا من التباطؤ في مسار ملفهم، فإنه سيتم قريبا إعلان قائمة نهائية بالضحايا حتى تصرف لهم تعويضاتهم.
 
وأكدت الشارني أن الدولة تسعى لرد الاعتبار لهم عبر تعليم أبناء الضحايا والعناية بالأرامل والجرحى.

 

البطالة .. تركة متواصلة:

 

 

 

في أحد مقاهي العاصمة تونسيجلس سليم وأصدقاؤه العاطلون عن العمل لتبادل الأخبار والحديث عن مستجدات سوق العمل، في بلد يعاني من أزمة اقتصادية عمقت أكثر أزمة البطالة لدى الشباب، رغم أن الحكومة تحاول التخفيف من حدتها.

يتذكر سليم خطاب التهدئة الذي ألقاه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي قبل سقوطه منذ خمسة أعوام، حيث وعد بإيجاد حلول لأزمة البطالة، وتوفير نحو ثلاثمئة ألف موطن شغل، متسائلا: إن كان الشباب التونسي قد تسرع بقيامه بثورة؟

يعاني هذا الشاب (27 عاما) -الحاصل على دبلوم في الكهرباء الصناعية قبل أربعة أعوام- من بطالة خانقة بسبب ما عدّه غياب الحلول الملائمة، وانخفاض فرص التوظيف في اختصاصه، وهو ما أبقاه معتمدا منذ سنوات على نفقات والده.

 

إحباط:

 

يقول سليم إنه يشعر بإحباط شديد بسبب تأزم الوضع الأمني والاقتصادي للبلاد، فرغم أنه يواظب على الذهاب إلى مكتب التشغيل وقراءة إعلانات الجرائد والمواقع الإلكترونية، لم يعثر على وظيفة شاغرة تستجيب لمؤهلاته العلمية.

لا يفكر هذا الشاب في أي مشروع خاص، بدعوى أنه لا يملك رأس المال، وأن البنوك تفرض شروطا مجحفة لتقديم تمويلات، بينما أصبح -كغيره من الشباب- يبحث عن تأشيرة للهجرة إلى فرنسا ليلتحق بأحد أقاربه بحثا عن مستقبل أفضل.
ومع تزايد معدل البطالة في تونس الذي بلغ 15.3% هذا العام، بدأت موجة الهجرة النظامية وغير النظامية في الارتفاع، ناهيك عن بروز ظواهر أخرى في المجتمع كالانتحار والانحراف.
 
وبحسب معطيات وزارة التشغيل، بلغ عدد العاطلين عن العمل في تونس هذا العام نحو 420 ألف شخص بينهم نحو 240 ألفا من حاملي الشهادات العليا، علما بأن الفئة العمرية الأكثر تضررا بالبطالة تتراوح بين 15 و29 عاما.
 
وزاد من وطأة أزمة البطالة بالبلاد تراجع نسبة النمو لما يقارب الصفر هذا العام، حيث تم تسريح آلاف العمال من المصانع والفنادق بسبب الهجمات التي شهدتها البلاد، والتي أثرت على قطاعي الاستثمار والسياحة، فضلا عن عودة آلاف العمال التونسيين من ليبيا نتيجة توتر الأوضاع.
 
علي بن عمار وجد نفسه خارج الفندق الذي كان يعمل به في محافظة سوسة (وسط البلاد)، حيث تعرضت الصيف الماضي إلى هجوم استهدف سياحا، والآن أصبح هذا الرجل الذي يعيل تسعة أطفال بلا عمل في بلدته سيدي بوزيد(جنوبي البلاد).

واشتعل الشيب في رأسه ولحيته، وبدا كأنه عجوز هرم مع تردي أوضاعه الاجتماعية، إذ يشير إلى أنه أصبح عاجزا عن تلبية حاجات عائلته من مصاريف الأكل والشرب والأدوية لزوجته المصابة بالسكري.

ويرى هذا الرجل أن الثورة التونسية لم تحقق أهدافها في التنمية والشغل، قائلا “الوضع صعب كثيرا وزاد سوءا؛ في السابق كان الجميع ينعم بالأمن، وكان بإمكاننا السفر للعمل في محافظات أخرى، لكننا اليوم أصبحنا نخشى من كل شيء”.

تشكيك بالمنوال:


من جهة أخرى، يقول النقابي والنائب في البرلمان عدنان الحاجي للجزيرة نت إن تونس تعاني من انتشار مخيف للبطالة، خاصة في المناطق الفقيرة التي كانت محرومة من التنمية منذ عقود في فترة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

ويرى الحاجي أن الحكومات المتعاقبة واصلت إلى اليوم الاعتماد على منوال اقتصادي أثبت فشله في العهد السابق، وأدى إلى اندلاع الثورة بسبب تفاقم معدلات البطالة و الفقر والفوارق الجهوية، منتقدا في الوقت نفسه ما يراه غيابا لمشاريع القطاع الخاص لخلق التنمية والشغل بالمناطق الفقيرة.

وتسعى الحكومة التونسية العام القادم إلى خلق نحو 16 ألف موطن شغل، سيتجه منها 12 ألف موطن بالتساوي إلى وزارتي الداخلية والدفاع بهدف تعزيز الأمن وتحقيق الاستقرار.

إلى ذلك، قال وزير التشغيل زياد العذاري للجزيرة نت إن الحكومة أطلقت برنامجا يحمل اسم “فرصتي” لاستهداف خمسين ألف عاطل عن العمل من أجل مساندتهم لإيجاد شغل يتلاءم مع حاجات سوق الشغل وينسجم مع مؤهلاتهم التكوينية.

وأضاف أن الحكومة على وعي بصعوبة نفاذ العاطلين عن العمل إلى سوق الشغل، وأنها ستعمل على المديين المتوسط والبعيد لإصلاح منظومة التعليم والتكوين لتستجيب أكثر مع حاجات سوق الشغل.

الضواحي.. حاضنة التفجيريين:

 

 

تحولت بعض الأحياء الشعبية في العاصمة تونس -التي انتفضت قبل خمس سنوات على الرئيس السابق زين العابدين بن علي- إلى حاضنة لجماعات “جهادية” تستهدف ضرب كيان الدولة، بحسب خبراء.ولطالما أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيكها لما تسميها “خلايا نائمة لجماعات متطرفة” بأحياء شعبية متاخمة للعاصمة تونس، مثل حي رواد والتضامن والمنيهلة ودوار هيشر وحي الخضراء وغيرها.

 

وأبرز منفذي الهجمات المسلحة ينتمون إلى أحياء شعبية فقيرة، على غرار ياسين العبيدي أحد منفذي الهجوم على متحف باردو الذي كان يقطن مع عائلته في حي العمران الأعلى وسط العاصمة.

 

كما ينتمي حسام العبدلي -الذي فجر نفسه بحزام ناسف وسط حافلة أمنية وتسبب في مقتل 12 من الحرس الرئاسي نهاية الشهر الماضي- إلى منطقة المنيهلة الشعبية الفقيرة المتاخمة للعاصمة.

وحول سبب بروز الجماعات “الجهادية” في تلك الأحياء، يقول يوسف -أحد ساكني منطقة المنيهلة- إن عددا من شباب حيه “تأثروا بالفكر السلفي الذي انتشر بكثافة في المساجد بعد الثورة”.

 

وأوضح للجزيرة نت أن بعض هؤلاء الشباب “كانوا منحرفين ويعاقرون الخمر، لكنهم تحولوا فجأة إلى متدينين متشددين على غرار حسام العبدلي الذي كان مدمنا على تعاطي الخمور والمخدرات”.

 

بروز الجماعات:

 

وأضاف أن بروز الجماعات الجهادية في الأحياء الشعبية ناتج عن عدة أسباب أبرزها “انتشار الفقر والبطالة والتصحر الديني في مقابل انتشار فكر جهادي استهوى جزءا من الشباب”.

 

من جهته، قال عامر -وهو من سكان حي الخضراء وسط العاصمة- إن منطقته كانت من بين معاقل عناصر الجماعات “الجهادية” وبعضهم سافر للقتال في سوريا والبعض الآخر موقوف بتهم “إرهابية”.

 

وأردف قائلا إن تلك العناصر برزت في منطقته بشكل ملفت إثر سقوط الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مستفيدة من مناخ الحرية والارتباك الأمني الذي شهدته البلاد بعد الثورة.

 

وعزا عامر انسياق عدد من شباب حيه وراء تلك الجماعات إلى قدرتها الخطابية على الحشد والتعبئة في الخيم الدعوية والشوارع والمساجد والفضاءات العامة التي كانت متاحة لها.

أما الخبير الأمني مختار بن نصر فيقول إن تغلغل هذه الجماعات في الأحياء الشعبية زادت وتيرته عامي 2011 و2012 مع بروز تنظيم أنصار الشريعة الذي استفاد من مناخ الحرية.

 

ويضيف أن التنظيم كان يجند عناصره لاستقطاب الشباب في الأحياء بواسطة الخيم الدعوية والمساجد والفضاءات العامة، إلى أن اكتشفت السلطة تورطه في الاغتيالات وتخزين السلاح.

وذكر أن السلطات التونسية قامت بحظر هذا التنظيم وملاحقة جناحه العسكري وبعض فلوله المتحصنين في الجبال ومقاضاة عناصره، “لكن ما تزال هناك خلايا نائمة تنشط في البلاد”.

تصحر ثقافي:

 ويقر هذا الخبير بأن من أبرز الأسباب التي تساهم في نشر “الفكر الجهادي” لدى بعض الشباب هو غياب الإحاطة بهم وتعطل التنمية وتفشي البطالة والفقر واتساع هوة الفوارق الاجتماعية والتصحر الثقافي.
 
من جانبه يرى علية العلاني الباحث في الحركات الإسلامية أن انسياق جزء من الشباب وراء الجماعات الجهادية يعود إلى شعورهم بالإحباط واليأس من الواقع الذي يعيشونه.
 
وأفاد بأن جزءا من الشباب في الأحياء الفقيرة أصبحت لديهم “ثقافة الموت” بعد أن دب اليأس في نفوسهم في ظل تزايد حجم الفساد والرشوة والمحسوبية والبطالة والفقر وتدهور الخدمات.
 
ويقول العلاني إن ما ساعد على انتشار الفكر الجهادي في الأحياء الفقيرة التي انتفضت ضد النظام السابق هو “الخطاب الديني المتشدد داخل الكثير من المساجد التي ما تزال تشكل خطرا”.
 
كما أشار إلى أن هناك تقارير كثيرة تؤكد ارتباط الجماعات المسلحة بالتهريب، وهو أمر أصبح يغري بعض الشباب على الانضمام إليهم من أجل تحسين أوضاعهم المادية، على حد تعبيره.

 

نجاحات وعقبات المسار الانتقالي:

 

 

يتفق محللون سياسيون وخبراء أمنيون واقتصاديون على أن تونس تسير على السكة الصحيحة في مسارها الانتقالي بعد خمس سنوات من الإطاحة بالنظام السابق، لكنهم يعترفون بأنها تواجه الكثير من المخاطر والتحديات التي تهدد نجاح تجربتها.

 

ويقول الباحث الاجتماعي والمحلل السياسي نور الدين العلوي للجزيرة نت إن تونس وُضعت على الطريق الصحيح للانتقال نحو الديمقراطية، وإنها تتقدم بهدوء في مسارها، لكنه أشار إلى وجود صعوبات تهدد مسارها “مثل التهديدات الإرهابية وأيضا استمرار الصراعات السياسية”.

 

ويرى العلوي أن التونسيين متفقون على نبذ العنف ومواصلة المضي في المسار التوافقي الذي جنب البلاد الوقوع في الاحتراب الأهلي والنجاح في الخروج من الأزمة السياسية وكتابة دستور جديد وتكريس التداول السلمي على السلطة بتعاقب خمس حكومات.

 

لكنه يقول إن هناك تهديدات قد تضر بالتحالف الحكومي الحالي بين من أسماهم تيار الحداثة وتيار الإسلاميين، والذي أدى -حسب رأيه- إلى تحقيق استقرار نسبي في البلاد، مشيرا إلى “وجود شق يساري استئصالي ما زال يرفض التعايش مع الإسلاميين”.

 

العدالة الإنتقالية:

ويرى العلوي أن مسار العدالة الانتقالية ما يزال متعثرا بعد خمس سنوات على الثورة، معتبرا أن المحاسبة لا تتعلق فقط بالجرائم السياسية وإنما بالجرائم الاقتصادية، “لكن الماكينة الاقتصادية القديمة ما تزال متنفذة وعصية على المحاسبة”.
 
وعلى المستوى الأمني، يقول الخبير العسكري والأمني مختار بن نصر إن تونس نجحت -رغم وقوع انفلات أمني بعد الثورة أضعف المؤسسة الأمنية وأرهق الجيش- في بسط الأمن وتضييق الخناق على الجماعات المسلحة التي يتحصن بعضها بالجبال.
 
ويضيف العقيد المتقاعد بالجيش أن “الهجمات الإرهابية تراجعت هذا العام إلى 11 عملية مقابل 23 عملية العام الماضي”، مؤكدا أنه تمت السيطرة بشكل كبير على عناصر مسلحة وتفكيك خلايا نائمة تسعى لزعزعة كيان الدولة وضرب اقتصادها.
 
ومع إشادته بهذه النجاحات الأمنية، فقد دعا إلى مزيد من إحكام اليقظة، لأنه رغم تراجع الجماعات المسلحة فإنها تبقى متخفية ومتربصة لتوجيه ضربات غادرة كلما اكتشفت وجود ثغرات أمنية، مثلما حدث في عملية تفجير الحافلة الأمنية بالعاصمة.

 

ويقول بن نصر إن الوضع الأمني الهش في ليبيا مع تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية وقربه من الحدود التونسية يبقى خطرا يهدد الأمن القومي التونسي، وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ تدابير مشددة بغلق الحدود مؤقتا وإقامة ساتر ترابي على طول الخط الفاصل بين البلدين.

 

الاستقرار الأمني:

 

ويبقى الاستقرار الأمني عاملا مهما لتحقيق التنمية ودفع التشغيل في بلد يعاني من تراجع نسبة نمو إلى قرابة الصفر هذا العام، ومن ارتفاع البطالة إلى 15.3% وانعدام التنمية، خاصة في المناطق الفقيرة التي انتفضت ضد النظام السابق، وفق ما صرح به مدير مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية رضا شكندالي.

 

ويقول شكندالي للجزيرة نت إن النجاح السياسي للمسار الانتقالي في تونس لم يرافقه نهوض اقتصادي يلبي المطالب الاجتماعية من شغل وتنمية وعدالة اجتماعية نادت بها الثورة، وهو ما أدى إلى “بروز شعور بالإحباط لدى الفئات الفقيرة”.

 

وأشار إلى أن جميع المؤشرات الاقتصادية بعد الثورة شهدت تراجعا في أغلب القطاعات، وهو ما عمّق أزمة البطالة بسبب تسريح جزء من اليد العاملة المرتبطة بقطاعي السياحة والاستثمار الأجنبي، وذلك نتيجة التوترات الأمنية والتجاذبات.

 

ويرى الخبير الاقتصادي أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة قامت بإصلاحات على المستوى البنكي والجبائي لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، لكن ذلك “لم يعط أكله لأن الرؤية بقيت غير واضحة في ظل الهجمات الإرهابية واستمرار التجاذبات الحزبية والسياسية”.

 

الجزيرة.نت

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.