كتّاب

الإثنين,14 ديسمبر, 2015
البطالة المقنعة في تونس

تهافتت الكثير من الأصوات مؤخراً منددة بالذين يتقاضون مرتبات في قطاع التعليم دون أن يزاولو عملهم بحجة المرض النفسي. واستغربت للمشهد الذي بدا و كأنه لا وجود له من قبل. هل يجهل المواطنون أن بنية التشغيل في تونس و منذ أن تهيكلت الإدارة التونسية بعد الاستقلال قائمة على ما يسمى في علم الاجتماع بالبطالة المقنعة. ايجهل الناس بأن نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الحكومي و على رأسهم الكوادر ذوي المرتبات العالية هم في واقع الأمر لا ينتجون شيئا غير حل الكلمات المتقاطعة. ألا يعلمون أن أغلب من تحصل على منح دراسية في الخارج عادوا بعد تخرجهم ليجدوا أنفسهم على رأس مؤسسة وظيفتهم الوحيدة فيها هي الاجتماعات البروتوكولية و قراءة الجريدة مقابل مرتب خيالي. الا يعلم المواطن أن هؤلاء ورثوا أبناءهم أو اقرباءهم أو المحيطين بهم هذه الوظائف في الدولة. الا يعلم المواطن أن البطالة المقنعة و ما لها من تداعيات مالية و اقتصادية نخرت جسد الدولة على مدار نصف قرن. الا يعلم المواطن أن المدرسة لم تعد منذ زمن بعيد تخرج رجالات الدولة و أن المسألة حسمت في توريث ظاهر خفي و بأن السلّم الاجتماعي لم يعد مجالا مفتوحاً للكفاءات و أن الوضعية الاجتماعية أصبحت و منذ زمن تورث فقرا أو غنا كانت. الا يعلم المواطن أن المركزية السياسية في البلاد أنتجت تصلبا أصبح على مر الوقت قوالب جاهزة إما أن تولد داخلها أو خارجها و انك لا تستطيع دخولها ابدأ أن كنت قد ولدت خارجها. ايستعرب الناس من بضعة أشخاص يتقاضون رواتب دون الذهاب إلى أماكن عملهم دون أن يستهجنوا الذي يتقاضى مرتبا وهو جالس وراء مكتب هو نفسه لا يمكن أن يشرح ماهيته. لقد بحثت كثيراً عن إحصاء للبطالة المقنعة في تونس و تفاجأت انه ليس فقط لا وجود له بل أن الأمر لم يتم دراسته اصلا من قبل علم اجتماع العمل. وكان المسألة برمتها لا وجود لها. وجدت أن الفرنسيين لديهم إحصائيات محتشمة في الموضوع إلا أن المسألة مطروحة للبحث و النقاش بشكل جريء للغاية.

إذا ما لم يتم إخراج المسألة للنقاش العمومي فإن كل الحكومات المتعاقبة لن تنجح في محاربة البطالة و الفساد. لأن الحكومات تبقى سنوات معدودة و تمضي و الماكينة الإدارية باقية بالتوريث و الزبائنية و المحسوبية. إن كان بورقيبة قد حارب البطالة عبر تقنيعها على نطاق واسع وان كان لذلك فوائد على الأشخاص حتى الفقراء و ذويهم على المدى القصير فإن تداعيات هذه السياسة كارثية على المدى البعيد و الذي نحن بصدده اليوم . لسبب بسيط هو أن الكوادر قادرة على التوريث و الموظف البسيط لا يملك هذه القدرة. و من ناحية أخرى البطالة المقنعة كونها تحتاج إلى ميزانية مهمة جدا لصرف اجور العاطلين المقنعين خاصة و ان هؤلاء لا ينتجون شيئا عمليا بامكانه ان يدر ولو بعض الارباح على خزينة الدولة ، علما و ان عددهم ليس بسيطاً هذا ما يولد حتما عجزا ماليا تتكفل الادارة بتعويضه عبر اثقال كاهل الفقراء لفترة طويلة ، لتنتقل بعد ذلك الى اثقال كاهل الطبقة الوسطى التي بدأت في الذوبان. و رغم هذا التاكل الاقتصادي والاجتماعي تواصل الطفيليات امتصاص ما تبقى من موارد الدولة بل و تعمد إلى اغراق البلاد بالديون الخارجية حتى تحتفظ بميزاتها الموروثة دون الاكتراث بالفقراء الذين سيتحملون بالضرورة أعباء هذه الديون.

طارق السويلمي

اخبار تونس اليوم