الرئيسية الأولى - كتّاب

الجمعة,11 ديسمبر, 2015
مالم تقله النهضة ..مالم يقله الغنوشي

طالما تحدث الوجه الاول للحركة الاسلامية في تونس عن استعداد حركة الاتجاه الاسلامي او حركة النهضة لاحقا لأي عملية سياسية تدور تحت شعار المصداقية وحرية الاختيار ولا يبالي بعد ذلك بالتفاصيل الاخرى ، كان راشد الغنوشي يسعى الى توفير المناخ الذي يقدم هذه الشروط ،وعلى خلاف الكثير من رموز الحركة الاسلامية عبر العالم العربي الذين نزلوا بكل قواهم و وضعوا جميع مقدراتهم في مشروع التمكين للجرم الاسلامي بغض النظر عن الحاضنة ، على خلاف ذلك كانت عين الغنوشي على اليابسة التي سيتم الانزال فوقها ، وكان يركز على تهيئة الارضية له ولغيره ، لحركته ولبقية الحركات والاحزاب ، ارضية سليمة مسيجة بقوانين عادلة وقادرة على احتضان مشاريع سياسية وليس مغامرات سياسية . منذ مطلع الثمانينات لم يخف الرجل ولعه بالحرية ككاسحة لكل المشاريع السياسية الجادة التي لديها الخصائص المخولة و تملك القدرة على اقناع الجماهير، ذلك الاقناع المتروي النابع من رغبات وحاجيات وتطلعات الناس الضاربة وليست تلك التطلعات العابرة ، وأيضا بعيدا عن الاقناع الخاطف الذي يعتمد المباغتة الاعلامية او السطوة المالية او حتى الاستحواذ الامني المنمق.

بعد ثورة الحرية والكرامة ، حددت النهضة تحت قيادة الغنوشي المراحل التي ستخوضها و المساحات التي ستتحرك ضمنها ، وقسمت المراحل وفق الاولويات ، ووضعت خطوط حمراء لا يمكن النزول تحتها ، اولها حتمية استمرار الانتقال الديمقراطي وثانيها محطة سبعطاش اربعطاش كثورة مشرفة لا تخضع للمزايدات وغير قابلة لإعادة انتاجها لتصبح غضبة او هزة او قلاقل او فوضى او أي من العبارات التي تسعى المنظومة القديمة الى تثبيتها بقوة المال والنفوذ مكان كلمة “ثورة ” .

انطلق الغنوشي بفكرة تساوي الفرص والاحتكام الى الشارع والتنافس على اساس البرامج والتدافع من خلال طريق مجابهة الفكرة بالفكرة ، واستعد لنزال الافكار كما استعدت حركته للتنازل لنظرائها على قاعدة الطرح الاقوى اذا تبين صوابه والأصلح للوطن اذا ثبت صلاحه ، وتقرر ان تدور العملية السياسية تحت شعار الكلمة للجماهير والحجة للفكرة السليمة والقوامة للمصلحة الوطنية العليا ، لكن شركاء الساحة رفضوا ادارة المنافسة على هذا المنوال وبتلك الشروط ، واقحموا تقاليد اخرى لا علاقة لها بالديمقراطية ولا بالمنشود الشعبي ، فكان ان انتقلت النهضة من المنافسة على حقها الحزبي الذي كفله القانون واقرته الديمقراطية الى حماية قلب المشروع الوطني ونواته الصلبة ، لقد فرطت في جني ثمار الموسم والقت سلة التفاح ليتناثر ، وهرعت الى الشجرة تحميها من الاقتلاع. رغم التباين بين مكونات النهضة الا ان التعريف الذي قدمه العنوشي والذي اكد ان كل المعارك هامشية أمام معركة الحرية ، تمكن هذا التعريف من التموقع وأصبح المحور العصب الذي تدور حوله كل اجتهادات الحركة ومنتوجها السياسي ، ولاح جليا ان جميع الخطوات التي قطعتها النهضة الى الخلف لم تكن الا خطوات تقطعها الحرية الى الامام ، وكأنّ الغنوشي يسحب من ارصدة الحركة الانية ومكاسبها الموسمية العابرة لصالح حرية نشدتها وتنشدها وستنشدها تونس الامس واليوم والغد ..

رغم انعدام تجربته وتجربة حركته في السلطة ، ورغم التعذيب والسجون والقتل والتشريد الذي تعرضت له النهضة على يد الدولة القمعية ، رغم ذلك لاح الغنوشي عشية الثورة متصالحا مع مصطلح الدولة بل ومن الساعين الى تثبيته بقوة ، ايضا ورغم حرمان حركته من الحرية ونشأة اجيالها تحت القمع والملاحقات يلفظها السجن الى السجن وتدسها الزنزانة في الزنزانة ، رغم ذلك تبين ان الغنوشي بنى حصالة افكاره على الحرية ، وحتى الامن الذي لم ينعم به مناضلو الاتجاه الاسلامي ولاحقا النهضة اعتمدته الحركة كأولوية قصوى لا تستقيم الدولة إلا باستتبابه ، وعلى مدى اربع سنوات اقتطعت النهضة من ريعها الخاص لصالح الدولة والحرية والأمن ، واكد رئيسها في اكثر من محطة انه اذا فُقدت الحرية تصبح كل الارباح مهما تعاظمت سرابا وان صمام الامان الوحيد لحركته ولبقية الاحزاب ولتونس وشعبها هي الحرية وان الدولة المتماسكة والقانون العادل وثقافة التعايش هي الضامن الاساسي للارتقاء بتونس الى مكانة كانت احق بها من غيرها وكان يمكن ان تكون فيها منذ عقود خلت، لو غلّب اسلافنا “الحو على اللّو” .

انه وبالنظر الى خميرتنا الحضارية العميقة وتجاربنا الثرية وتلاقح الحضارات العملاقة فوق ارضنا يصبح من العبث بل من الفضيحة ان تبقى تونس فينيقية ، تونس افريقية تناقش احقية شعبها بالحرية واحقية نخبه بالتداول السلمي على السلطة ، ومن العار ان تبقى شامة افريقيا وحلتها الثقافية تترقب جنرالا او فريقا لواء او مجموعة عسكرية تتحرك فجرا نحو القصور السيادية وتعلن بيانها الاول من الثكنات ، يلقيه المشير او الغفير من بين فوهة المدافع ومن تحت صناديق الكرطوش ، بينما النخب السياسية والفكرية والدكاترة والأساتذة والسادة والسيدات يتابعون المشهد عبر التلفاز ، ويتمتمون “غدا نبدا جولة اخرى من النضال” ، جولة قد يمضي العمر ولا تثمر .

نصرالدين السويلمي

أخبار تونس



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.