كتّاب

الإثنين,7 ديسمبر, 2015
الشعب لا يريد إعادة إنتاج التاريخ

الشاهد _ من اهم ما فهمته المنهجية الماركسية في توظيفها لفلسفة التاريخ الهيجلية هو ان التاريخ قد يأتي مرة على شكل مأساة ويكون الاشخاص الذين يصنعونه ابطالا وان كان بالمعنى الشكسبيري للكلمة . ولكنه اذا تكرر فانه يأتي على شكل مهزلة ويكون الاشخاص الذين يعيدون انتاجه مجرد مهرجين سخفاء أي بالعامة اراجوزات . السؤال هو كيف يقع بطل الامس في فخ التهريج اليوم ؟ خاصة وان الامس الذي يعاد انتاجه ليس ببعيد؟

الجواب لا يحتاج لا الى حفريات ميشيل فوكو ولا الى تفكيكية جاك دريدا , الجواب تأتي به جملة قالها مؤرخ الفلسفة الفرنسي الان دو ليبيرا في محاضرته الافتتاحية في كوليج دو فرانس سنة 2014 ˝ وراء كل حدث يتخفى مسار كبير ˝. هل ان المهزلة التي نعيشها اليوم والمهرجون غير المضحكين الذي يتزاحمون على الساحة هم حدث ام مسار ؟ هم في واقع الامر مهرجو الا حدث بامتياز. بروزهم في هذه المرحلة التاريخية هو الحدث الذي يتخفى وراءه مسار كبير. الحدث هو عندما ياتي المهرج بانف البهلوان وسرواله وحذائه الخشبي الكبير ليس لحفلة عيد ميلاد قصد تسلية الاطفال وانما ياتي عنوة ودون ان يخطئ العنوان الى خيمة عزاء قصد وعظ الحاضرين ومواساتهم بحركات بهلوانية سخيفة ورديئة ظنا منه انه بصدد الوعظ الكبير .والمأساوي في الامر هو عندما يتجاوب معه كثير من الحاضرين الذين سارعوا الى احضار منصة ومكبرات صوت له واوغلوا في الرقص السخيف والضحك المجنون. هم انفسهم الذين كانوا قبيل مجيئه قد اوغلوا في البكاء والعويل.

 

واما المسار الذي يتخفى وراء هذا الحدث فهو مدرسة عنترة الورقي للعبودية والتطبيل التي تحطمت اسوارها في المدن وتحولت في المقابل الى بيداغوجيا وجدت سبيلها الى كل المدارس الاعلامية الاخرى ان وجدت .

 

لم يستمر عنترة الورقي لأنه كان ديكتاتورا فحسب بل استمر لانه عزل السياسة عن خطابها . أي ان سياسته لم يكن لها خطاب بالمعنى العلمي للسياسة . فالستالينية كان لها خطاب والنازية كان لها خطاب وحتى الناصرية كان لها خطاب يمكن تفكيكه وتحليله ونقده واعادة بنائه. وكان لاعلامهم البروباغندي البحت مادة معينة نختلف معها بل وندينها لكن لا يمكن ان ننكر انه كان لهم في ذلك فنون. وبما ان سياسة عنترة الورقي لا تمتلك خطابا فان اعلامه لا يمتلك مادة. المعادلة سهلة اعلام من دون مادة كنتيجة مباشرة لسياسة من دون خطاب حيث يصح هنا قول ماركس بان كل شيئ في ترابط وبان تلك هي مبادئ الجدلية الاولى .

 

اعلام عنترة الورقي الذي تاسس على بيداغوجيا ملئ الفراغ بالفراغ حيث كان المهرج يصور الماسي التي انتجها عنترة الورقي على انها منجزات ضخمة وحضارية وكان يصور العبودية على انها وطنية واحترام للمؤسسات والقانون وكان يصور مجرد التذمر وليس حتى المعارضة على انها خيانة وعمالة . بات مهرجو الامس واليوم يملؤون الفراغ المؤسساتي بفراغ اخر مافياوي راق لهم ان يسموه ارهابا في تجييش غير مسبوق لنشر الشيزوفرينيا الاجتماعية مثلما نشروا بالامس القريب الرعب من عنترة الورقي .

 

بالامس وصفوا من ارتدى ثوبا لا يروق لهم بالطائفي جاهلين تماما ما تعنيه هذه الكلمة وما لها من خطورة في علم الاجتماع المعاصر وها هم اليوم يطلقون على اشخاص سخروا حياتهم دفاعا عن الحرية وحقوق الانسان والذين كادت اجسادهم تتعفن في سجون عنترة الورقي ,يطلقون عليهم اما ارهابيين او رعاة للإرهاب.

 

هذا الاعلام هو العارض الطبيعي لمتلازمة التعنتر المزيف . هذا الاعلام الذي أوجد أساساً ليلعب دوره في نشر البروباغندا التي من المفروض أن تكون أمرا هينا على من امتهن الكذب ففشلوا فيها فشلا ذريعا . مثلهم كمثل السخيف الذي فشل في ان يرتقي الى السخافة . لا عجب في ذلك وهم من تربوا وتلقنوا ببداغوجية املأ الفراغ بالفراغ مثلما ملأ عنترتهم الفراغ بطائرة فارغة طارت في سماء فارغة وجابت في ليلة فارغة بلادا كثيرة بحثا عن فراغ بديل .

 

الخطير في الامر ليس المهرج السخيف وانما من سمح له بالتهريج والاستهزاء بالحد الادنى من الذكاء البشري بعد هروب عنترة الورقي . الخطير هو ان من خرج بالامس القريب ينادي برحيل عنترة الورقي وازلامه هو من استضاف الاراجوز الى خيمة عزائه وجاء له بالمنصة ومكبر الصوت ليرقص معه رقصة الاراجوزات في زمن يعيد فيه التاريخ نفسه فهل من بطل يصرخ فيقول الشعب لا يريد اعادة انتاج التاريخ

 

طــــــــــارق ســــــــــــويلمي