وطني و عربي و سياسي

الإثنين,30 نوفمبر, 2015
التوتّر الروسي التركي: الهزائم الروسية منذ قرن و أوراق الضغط التركيّة

الشاهد_بعد إسقاط سلاح الجو التركي لطائرة “سوخوي” الروسية التي انتهكت الأجواء التركية، لوحظ قدر عال من القوة والثقة بالنفس في الخطاب الرسمي التركي، وظهر القادة الأتراك وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان و أحمد داوود أغلو والناطقون الرسميون والوزراء والنواب مفعمون بالقوة والرزانة والهدوء، رغم توجه الإعلام والرأي العام العالمي نحو التهويل والتضخيم مما حدث، ورغم التصريحات الروسية الساخنة والمتوترةّ، حتى أن داوود أغلو لم يتطرق لحادثة إسقاط الطائرة الروسية على الإطلاق في أول خطاب ألقاه بعد ساعات من إسقاط الطائرة، وكأنه أراد إيصال رسالة للروس مفادها “أن تركيا غير مرتبكة ولا قلقة بعد هذه الحادثة لأنها لم تقم بسلوك خاطئ، بل قامت بواجبها فقط في حماية أرضها، وأن هذه الحادثة لا تحتل الأولوية في جدول الأعمال الرسمي..”

كما أن الرئيس التركي أردوغان رفض أمام كل وسائل الإعلام العالمية الاعتذار الذي أصرت عليه روسيا، وحذر موسكو مما أسماه اللعب بالنار ومن دعم نظام مجرم قتل نحو 400 ألف من شعبه.

 

8 أوراق ضغط تركية على روسيا:

 

هناك الكثير من أوراق القوة بيد تركيا تجعل من روسيا تفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية ضد تركيا وهذه أبرز الأسلحة الاستراتيجية بيد تركيا التي يمكن استخدامها في الزمان الذي تشاء:

الممرات المائية الدولية: يعتبر مضيقا البسفور والدردنيل اللذان تمتلكهما وتتحكم بهما تركيا أحد أهم الأسلحة الاستراتيجية التي تمتلكها تركيا والتي تستطيع أن تحجب أي من الدول المطلة على البحر الأسود، بما فيها روسيا من التواصل مع العالم بحريا، حيث أن أي سفينة ترغب بالإبحار من وإلى البحر الأسود لا بد أن تحصل على إذن مسبق من تركيا، وأن تدفع الرسوم التي تفرضها أنقرة.

صنع السلاح الذاتي: تختلف تركيا عن باقي الدول النامية في أنها ليست مجرد مستورد للسلاح من الخارج، بل قطعت تركيا شوطا طويلا على صعيد الصناعات العسكرية، بل أنها تعتبر من المصدّرين الأساسيين للسلاح للعالم العربي والخليجي، فتمكنت تركيا من صناعة طائراتها ودباباتها وبنادقها وصواريخها بنفسها، حتى وإن استوردت بعض السلاح من الخارج، لذلك لا يمكن ابتزاز تركيا بورقة السلاح كما هو الحال عند من لا ينتج حتى رغيف خبزه.

عضوية الناتو: عند الحديث عن الناتو فإن غصة مؤلمة تختلج صدر موسكو لأنها تدرك جيدا ما فعل بها الناتو خلال الحرب الباردة، حيث جعل الاتحاد السوفييتي يلهث طويلا وراء سراب التسلح وبقي كذلك حتى انهار، وحلف الناتو هو الحلف العسكري الوحيد الذي يلعب بالساحة الدولية اليوم، والذي لا قبل لروسيا به، وتستطيع تركيا استثمار عضويتها بالناتو لحماية نفسها من أي عدوان خارجي، لأن القانون الداخلي للناتو يفرض ذلك على الأعضاء.

استيراد الغاز من روسيا: تتكسب روسيا مليارات الدولارات من تركيا كل عام نتيجة شراء الأخيرة للغاز منها، وهذه ورقة ضغط بيد تركيا وليس روسيا، لأن تركيا تستطيع استيراد الغاز الطبيعي من دول كثيرة كالجزائر وايران وكردستان العراق وقطر وغيرها، وبذلك تكون روسيا قد ضحت بالسوق التركي وخسرت المليارات، لأن روسيا ليست المصدر الوحيد للطاقة.
الموقع الاستراتيجي: مركز تركيا المحوري والاستراتيجي الذي يتوسط العالم يمنح تركيا قدرة للتأثير ولعب دور في كثير من الملفات الدولية والشرق الأوسطية.

الجيش التركي المليوني: تمتلك تركيا جيشا عرمرما جرارا يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، ويزيد تعداده عن مليون عنصر، وهو جيش مجهز بأحدث أنواع الأسلحة، ويتلقى تدريبا قاسيا مما يجعله من أشرس الجيوش عند المواجهة.

السياحة والتجارة: إن كانت روسيا تلوح بورقة منع سفر السياح الروس الى تركيا فإن هذه الورقة ليست حكرا على روسيا، فتركيا أيضا تستطيع منع سياحها من التوجه لروسيا، كما أن هناك الكثير من الصادرات التركية التي تذهب لروسيا والتي بإمكان أنقرة إيقافها، حيث يبلغ التبادل التجاري بين البلدين 31 مليار دولار سنويا.

الملفين السوري والشيشاني: تستطيع تركيا أن توجه ضربات قاسية ومؤلمة الى روسيا في الساحتين السورية والشيشانية، فلو أرادت تركيا دعم المعارضة السورية بمضادات للطائرات وأسلحة نوعية لباتت القواعد العسكرية الروسية في خطر داهم، ولتساقطت الطائرات الروسية كالذباب، كما بإمكان تركيا تقديم الدعم للثوار الشيشانيين لتنفيذ عمليات ضد روسيا إن فكرت الأخيرة في دعم أي من المنظمات الإرهابية المعادية لتركيا.

 

8 أسباب للثقة العالية بالنفس لدى الأتراك:

 

وفي مقابلة مع موقع TRT العربية التركي حاول الباحث الاستراتيجي ماجد عزام تلخيص مصادر الثقة بالنفس عند أنقرة في التعاطي مع أزمة الطائرة الروسية كما يلي:

أن الطائرات التركية اسقطت الروسية بعد تحذيرها عشر مرات خلال خمس دقائق وهذا وقت طويل بالقياس الى سرعة الطائرة وأداؤها.

تم قبل شهرين تحذير موسكو من اختراق طائراتها للأجواء، وقدمت الأخيرة اعتذارا ووعدا بعدم تكرار الحادثة.
أن القيادة التركية منتخبة وتتمتع بدعم كبير في الشارع التركي على اختلاف توجهاته، أي أن مصدر شرعيتها الاساس هو ثقة الناس ودعمهم.

سياسيا، كون تركيا في الجانب الصحيح في الثورة السورية، أي أنها تقف الى جانب الشعب السوري المظلوم، بينما تقف روسيا الى جانب الجلاد والقاتل.

ويتوقع مراقبون أن روسيا في موقف الضعيف، وستضطر لامتصاص ضربتها والابتعاد عن اتخاذ أي إجراء، كرد على إسقاط طائرتها.

 

روسيا لم تنتصر بحرب منذ قرن:

 

تاريخ روسيا تاريخ حافل بالهزائم والخسائر، لدرجة أن روسيا والاتحاد السوفييتي سابقا تلقيا عشرات الضربات، ومنيا بسلسلة من الهزائم قديما وحديثا، ولم تحقق روسيا أي نصر حقيقي خلال القرن الأخير إطلاقا، نتيجة لأطماعها غير المشروعة ودخولها بحروب غير محسوبة النتيجة، ومحاولتها إخضاع شعوب الغير بالقوة والعدوان، وقد كانت أكبر هزيمة تلقاها الاتحاد السوفييتي هي تفككه إلى دويلات وقوميات، ليصبح خلال عشية أو ضحاها أثرا بعد عين، حيث انتهزت الدول التي كان يتألف منها أقرب فرصة ضعف لينفضوا عن الاتحاد الذي تتحكم فيه موسكو، وهذا التقرير يرصد أبرز 5 هزائم منيت بها روسيا والاتحاد السوفييتي خلال القرن الماضي كما يلي:

الهزيمة الروسية في الشيشان: وهي حرب تحطم فيها كبرياء الروس بعدما تمكن الثوار الشيشانيون من صد العدوان الروسي على أراضيهم وجبالهم التي حاول الروس ضمها. ودارت الحرب بين عامي 1994 و 1996، وأدت إلى استقلال فعلي للشيشان عن روسيا. ورغم القوة العسكرية الروسية المذهلة، ورغم المجازر والممارسات الوحشية بحق المدنيين الشيشانيين إلا أن حرب العصابات التي اتبعها الثوار والهجمات على الأرض، ألحقت خسائر فادحة في صفوف الروس، ودحرتهم عن أرض الشيشان وأجبرت حكومة “بوريس يلتسين” على إعلان وقف إطلاق النار في 1996 وتوقيع معاهدة سلام بعدها بسنة.

الهزيمة الروسية في أفغانستان: بعد عشر سنوات عجاف من الحرب السوفييتية المنهكة في أفغانستان، خرج الجيش السوفييتي بهزيمة نكراء بقي يعاني من آثارها حتى انهيار الامبراطورية السوفيتية عام 1990. وقد حصل الثوار المعارضين للسوفييت في أفغانستان على دعم من مجموعة من الدول، منها الولايات المتحدة، السعودية، باكستان والصين، وقد كانت أول خطوة للتورط السوفييتي بالمستنقع الأفغاني عام 1979، استمرت حتى 1988، وكان الدافع الأساسي للحرب السيطرة على الموارد الطبيعية في البلاد ونهبها والوصول للمياه الدافئة.

خسارة الحرب الباردة: وهي حرب رعب غير عسكرية، دارت رحاها بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى عام 1985 تقريبا، وقد تمكنت الولايات المتحدة خلالها من خداع الخصم السوفييتي وجعله في حالة تسلّح دائم، بل وصل السوفييت لحالة هستيريا التسلح، ونتيجة لذلك فقد أهمل السوفييت الجانب الاقتصادي والجوانب الأخرى الأمر الذي نتج عنه في نهاية المطاف سقوط مدو للاتحاد، وتفكك غير متوقع.

الحرب العالمية الثانية مذبحة الروس العظمى: كلف انخراط روسيا في الحرب العالمية الثانية نحو 20 مليون قتيلا بين عسكري ومدني، وقد استبيحت الأرض السوفييتية من قبل الألمان، وسُوي عدد منها بالأرض نتيجة للقصف النازي المدمر، منها “ستالين غراد” و”لينين غراد”، ورغم أن دول المحور خسرت نهاية الحرب إلا أن الخسائر الروسية الفادحة على شتى الأصعدة كانت أكبر من أن تحتمل أو تؤرخ كحدث عادي، بل تعد أقسى ضربة تلقاها الروس في تاريخهم على الإطلاق.

الحرب الأهلية الروسية: التي تعتبر الفصل الأخير من الثورة الروسية، تميزت بالشراسة والوحشية الشديدة خصوصا ضد المدنيين مما أودي بحياة ما يقرب من ثلاثة عشر مليون نسمة وتهجير ما يقرب من مليون نسمة هجرة شبه دائمة. استمرت تقليديا في كتابة التاريخ السوفياتي فترة 1918-1921، ولكن الحرب كمناوشات امتدت فعلا بين 1917-1923 مما جعل الموعد المحدد لها من الأمور المثيرة للجدل بين المؤرخيين. كانت بين الجيش الأحمر ومجموعات غير متجانسة من المحافظين الديموقراطيين والشيوعيين المعتدلين والقوميين والروس البيض.

وقد خاضت الامبراطورية العثمانية حروبا طاحنة مع روسيا، كبدتها خسائر مذهلة، وكانت الدولة العثمانية تخرج منتصرة من معظم تلك الحروب التي عادة ما يشعلها الروس.

وتتخبط موسكو في سياستها الخارجية منذ اشتعال موجة الثورات العربية عام 2010، وذلك بوقوفها الى جانب الأنظمة الديكتاتورية وضد الشعوب التواقة للحرية، فهي وقفت الى جانب العقيد المقتول معمر القذافي الذي قتل عشرات الآلاف من شعبه، وها هي تقف إلى جانب نظام الأسد الذي ذبح نحو 400 ألف إنسان من شعبه، وشرد الملايين، وأحرق سوريا.
ويرى مراقبون أن وقوف روسيا الى جانب نظام الأسد في حربه ومذابحه اليومية ضد شعبه يعتبر مغامرة، ومشاركة في حرب خاسرة لا محال، حيث لا مستقبل للأسد في سوريا وإن طال مسلسل مجازره بحق شعبه، فهل تكون المغامرة الروسية في سوريا سببا لهزيمة سادسة تضاف الى الهزائم الخمس السابقة عما قريب؟

من الجدير بالذكر في هذا السياق أن أحد أهم أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوطه الضعف الاقتصادي، حيث قال مفكرون غربيون في وصف الاتحاد السوفييتي زمن الانهيار إن “روسيا التي تصنع صاروخا يمكن أن يدمر بلدا بأكمله يعجز عن انتاج رغيف خبز تأكله”. فهل ستغامر بعلاقاتها الاقتصادية مع تركيا الصاعدة كصاروخ لا ينفذ وقوده؟