مقالات مختارة

السبت,21 نوفمبر, 2015
الجمهوريون واليمين المتطرف والهوس المرضي بالإسلام

الشاهد _ مرة أخرى نَجِد أنفسنا محاصرين بين مطرقة الإرهاب وسندان اليمين الأوروبي المتطرف والمحافظيين الجمهوريين الجدد على الطرف الآخر من الأطلس، فكما أن لكل حرب دعاتها ومروجيها الذين يستفيدون من أحزانها وخرابها وشلال دمائها، فكذلك هو الحال بالنسبة للإرهاب. فإلى جانب ضحاياه ومنفذيه، للإرهاب تجاره الذين يستتثمرون أهواله وفوضاه ومناخات الخوف والتوتر التي يخلقها. بالنسبة لهؤلاء تمثل كل عملية تفجير وإزهاق للأرواح فرصة ذهبية لإحياء مفاهيم العنصرية المتغطرسة في قالب من الإسلاموفوبيا الجديدة. وهكذا يتسنى لهم تطبيع الرأي العام مع هذا الخطاب العنصري والانتقال به من الهامش إلى المركز، وكسب مزيد من أصوات الناخبين. المستهدفون اليوم من هذا الخطاب العنصري لم يعودوا يوصفون بالأفارقة والآسيويين أو السود و الملونين، بل بالمسلمين أوالعرب أوالشرق أوسطيين أو السوريين. عندما يتعلق الأمر بهؤلاء المنبوذين الجدد تخرق جميع الحدود، ويفصح عن اللامقول والمضمر ويغدو المحظور مباحا.

قبل انقشاع الغبار عن باريس، ترددت من جديد أصداء المعزوفة القديمة الممجوجة التي تقسم العالم إلى “نحن” و”هم”؛ وعادت مقولة إن “قيمنا الغربية المستنيرة” منخرطة في صراع وجودي ضد دينهم الغريب وهمجيتهم وثقافتهم المتوحشة. طبعا كلمة “هم” في هذا السياق لا تحيل إلى جماعات العنف المتعصبة والمتطرفة التابعة لتنظيم القاعدة أو داعش، بل إلى مئات الملايين من المسلمين المنتشرين في شتى أنحاء العالم وقاراته الخمس، هكذا يجد المسلم العادي في إندونيسيا أو ماليزيا أو بنغلادش أو السنغال نفسه فجأة مصنفا ضمن خانة العدو المتربص “بنا”، المهدد لحضارتنا الغربية وقيمنا السامية وأنماط حياتنا الراقية.

ما يستدعي القلق في هذا السياق هو أن هذا الخطاب الذي عادة ما ينحصر في أوروبا داخل أوساط اليمين المتطرف، أضحى يكتسب تأييدا واسعا ومطردا داخل تيار الجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية، والمفارقة العجيبة أنه في حين صرح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أمام مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية الفرنسية بعد الهجمات التي طالت عاصمة بلاده أننا (أي الفرنسيين) “لسنا منخطرين في حرب حضارات، لأن القتلة لا يمثلون أي حضارة”، فإنه على بعد آلاف الأميال، وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، انبرى الجمهوريون يدافعون بشراسة عن مقولات حرب الثقافات والحضارات.

احتلت مقولة الصراع الأزلي بين الإسلام والغرب موقع الصدارة في نقاشات الجمهوريين ومناظراتهم لاختيار مرشحهم الرئاسي؛ فماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ الكوبي الأصلي، ذهب إلى حد مقارنة الإسلام بالنازية، وذلك في سياق رده الغاضب على تصريحات هيلاري كلينتون بأنها لا تعتقد بأن الولايات المتحدة في حالة حرب مع الإسلام، قائلا: “هذا الأمر أشبه ما يكون بالقول إننا لم نكن في حالة حرب مع النازيين، لأننا كنا نخشى الإساءة لبعض الألمان الذين ربما كانوا أعضاء في الحزب النازي، ولكنهم لم يكونوا عنيفين”، وتابع روبيو قائلا: “إننا إزاء صراع حضارات. إنهم لا يكرهوننا لأننا نملك حضورا عسكريا في الشرق الأوسط، بل يكرهوننا بسبب قيمنا”.

وكشأن اليمين المتطرف في أوروبا، عمد الجمهوريون إلى إثارة قضية اللاجئين السوريين في سياق هجمات باريس الإرهابية؛ فكما سارعت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية المعادية للأجانب للمطالبة بـ”الوقف الفوري” لقبول اللاجئين السوريين في فرنسا، اصطف الجمهوريون في خندق واحد منادين بفرض حظر على أي مهاجرين من “الشرق الأوسط”، حيث تعهدت مجموعة من حكام الولايات الأمريكية، معظمهم من الجمهوريين، بعدم قبول أي سوري ضمن ولاياتهم والحيلولة دون تنفيذ خطط الحكومة الساعية لإعادة توطين ما لا يزيد عن 10.000 لاجئ سوري من الفارين من الحرب الطاحنة في سوريا داخل أراضي الولايات المتحدة.

بل إن جيب بوش ذهب أبعد من ذلك، مطالبا بألا تقبل الولايات المتحدة من اللاجئين السوريين إلا من ثبت بأنه يدين بالمسيحية، وذلك بعد تمحيص واختبارات دقيقة للتأكد من كونه مسيحيا فعلا، حيث صرح قائلا: “يجب علينا أن نركز جهودنا على اللاجئين المسيحيين الذين يذبحون” دون غيرهم. ولم تقتصر الدعوة لاعتماد نهج تمييزي تجاه قضية اللاجئين السوريين على بوش، بل تبناها عدد من كبار الجمهوريين مثل تيد كروز، الذي قال مصرحا: “إذا كان يوجد سوريون مسلمون يتعرضون للاضطهاد حقا، فيجب أن يتم إرسالهم للبلدان ذات الأغلبية المسلمة”، وأردف موضحا: “من ناحية أخرى، يجب علينا توفير الملاذ الآمن للمسيحيين الذين يتعرضون لإبادة جماعية وصلب واضطهاد”.

إنه لأمر مخز للغاية أن تستخدم هذه اللغة المتعصبة والإقصائية من سياسيين في القرن الـ21، فالفارون من جحيم القتل والدمار لا ينظر إليهم هنا كبشر ضحايا يستحقون الملجأ والأمن، بل كمسيحين ومسلمين، كضحايا جيدين وآخرين سيئين، وكأن السوريين لم يكفهم أن فقدوا كل شيء: ممتلكاتهم وبيوتهم وأرضهم وذويهم، كي يسلبهم هذا التفكير المريض حتى من صفة الضحية.

من يستمع إلى الجمهوريين وهو يوبخون أوباما وإدارته حول استراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط، يحسب أننا لا نزال نعيش في بواكير تسعينيات القرن المنصرم، في أعقاب الحرب الباردة، وكأن الولايات المتحدة لم تغز العراق، ولم تتعرض إلى هزيمة مؤلمة اضطرتها لانسحاب فوضوي على عجل، وقد وقع إنهاكها وإذلالها، وكأن هؤلاء الذين يطلقون اليوم هذه التصريحات غافلون عن الفوضى والدمار الذي جلبوه على المنطقة بأسرها بحروبهم العبثية، وغير مدركين للضرر الكبير الذي تسببوا به للولايات المتحدة قبل غيرها. ولعل من أكبر مفارقات التاريخ الحديث أنه لا أحد بدد أحلام المحافظين الجدد بسيطرة أمريكا على العالم وقيام مشروع القرن الأمريكي الجديد، أكثر من إدارة المحافظين الجدد نفسها.

ما يزيد من خطورة خطاب الجمهوريين حول الإسلام والعالم الإسلامي، هو أن يتم نشره من خلال شبكة واسعة ونافذة من وسائل الإعلام ومراكز الفكر اليميني ليستهلكه جمهور يفتقد إمكانيات الاحتكاك المباشر بالمسلمين، ويجهل أحوال العالم الإسلامي، وهكذا يمتلك الخطاب المتطرف الاستبعادي الذي يميز اليمين المتطرف الأوروبي القدرة على السيطرة على تيار عريض من الرأي العام الأمريكي وتشكيل رؤيته للإسلام والمسلمين، بحكم البعد الجغرافي عن العالم العربي والإسلامي وعدم الألفة مع ثقافة المسلمين والروح المثالية الدينية الطاغية على الثقافة الأمريكية.

الحقيقة إن الثقافات والحضارات وأنماط الحياة لا تتصادم وتتصارع، بل إن البشر هم من يتصارعون، بمصالحهم وطموحاتهم وأهوائهم وأوهامهم. بدلا عن الركون إلى هذا المنطق المانوي الذي يقسم العالم إلى “نحن” و”هم”، يجدر بأن يدفعنا التحدي الإرهابي لأن ندرك حجم الترابط في عالمنا ووجودنا المشترك والمخاطر التي تتهددنا جميعا؛ فالإرهابيون في نهاية المطاف لا يستفسرون عن هوية ضحاياهم قبل تمزيق أجسادهم في باريس او بيروت أو تونس. إن تلمس طريق الحل للخروج من هذه الفوضى الجنونية التي أُقحمنا فيها جميعا منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر، يبدأ بنبذ هذه الثنائيات الحادة الكريهة التي تقسم البشر إلى “نحن” و”هم”، ورفض عالم داعش المحكوم بالصراع بين المؤمنين والكافرين، وكذلك عالم اليمين المتطرف المهووس بالنقاء الأوروبي-الغربي والبغض للآخر المسلم.

We are trapped. Once again, we find ourselves wedged between the hammer of terrorism and the anvil of the European far right and of Republican neocons across the Atlantic. Every war has its mongers who profit from its sorrows, rubble and spilt blood. So too does terrorism. Along with its victims and perpetrators, it has its merchants who capitalize on its horrors, chaos and climates of fear and tension. To these, every terrorist bombing and shooting is a golden opportunity to revive arrogant racist notions in a new Islamophobic format, thus enabling them to penetrate further into the mainstream, gaining new territory and more votes. The target is no longer “Africans”, “Asians”, “blacks”, or “browns”, but “Muslims”, “Arabs”, “Middle Easterners”, or “Syrians”. Against these, all limits may be dispensed with, the unspeakable may be spoken, the unacceptable becomes acceptable.

Before the dust had settled in Paris, the old symphony of “we” and “they” reverberated once more. “Our” enlightened values, we were again told, were locked in existential struggle against “their” barbaric religion and savage culture. “They” here, of course, does not refer to extreme fanatical violent groups affiliated to al-Qaeda, or Isis, but to hundreds of millions of Muslims around the world. Thus suddenly, ordinary working men and women going about their daily lives in Indonesia or Malaysia, Bangladesh or Senegal, find themselves cast as the enemy vying to destroy “our” western civilization, “our” sublime ideals and way of life.

What is worrying is that this rhetoric, which in Europe is more characteristic of the far right, is increasingly endorsed by mainstream Republicans in the US. It is ironic that, while Francois Hollande had declared in his address to the French Senate and National Assembly after the Paris attacks that “We’re not engaged in a war of civilizations, because the assassins do not represent any”, thousands of miles away, on the other side of the globe, US Republicans furiously insisted on the reverse.

The theme of civilizational clash between the West and Islam has been a favorite in the Republican debates. Marco Rubio, the Cuban-American senator and Republican presidential hopeful, went as far as to draw analogies between Islam and Nazism as he angrily reacted to Hillary Clinton’s statement that she did not believe the United States was at war with Islam. “That would be like saying we weren’t at war with Nazis, because we were afraid to offend some Germans who may have been members of the Nazi Party but weren’t violent themselves”, he suggested. “This is a clash of civilizations. For they do not hate us because we have military assets in the Middle East. They hate us because of our values.”

And just like the far-right in Europe, Republicans have swiftly moved to raise the question of Syrian refugees’ settlement in connection with the Paris attacks. While Marine Le Pen, leader of the xenophobic Front National demanded an “immediate halt” to the intake of Syrian refugees into France, Republicans lined up to urge a ban on any “middle Eastern” migrants in the US. A succession of governors, mostly Republicans, announced that they would not allow any Syrian applicants to be placed in their states, vowing to block the government’s plans to resettle a mere 10.000 of those fleeing the war in Syrian into the US.

Jeb Bush went further, demanding that the US only accept those applicants proven to be Christian, after thorough vetting and checks to ensure that they are indeed Christian. “We should focus our efforts as it relates to refugees on the Christians that are being slaughtered” he declared. Bush is not alone in calling for a discriminatory approach to the Syrian refugee question. The position has been endorsed by a number of senior Republicans such as Ted Cruz. “If there are Syrian Muslims who are really being persecuted”, he objected, they should be sent to “majority-Muslim countries.” “on the other hand, Christians who are being targeted for genocide, for persecution.. we should be providing safe haven to them”.

That such bigoted, exclusionist language could be used by mainstream politicians in the 21st century is scandalous. Those fleeing brutality, death and destruction are no longer to be seen as human victims who deserve shelter and safety, but as Christians and Muslims, good victims and bad victims. As if it weren’t enough for Syrians to lose everything, their possessions, homes and loved ones, this sick narrative would have them stripped of their victimhood too.

Listening to Republicans chastise Obama and his administration over its Middle East strategy, one gets the impression that we are still in the early 1990s, in the aftermath of the Cold War. It is as if the US had never invaded Iraq, had never been defeated there and forced to withdraw in a hurry, exhausted and humiliated. They seem unaware of the chaos and destruction their absurd wars had unleashed on the whole region and the great damage they had caused to the United States itself. One of modern history’s greatest ironies is that no one has done more to dissipate the neoconservative dream of American world supremacy and bury the New American Century Project than the former Republican neocon administration itself.

What makes the Republicans’ discourse on Islam and the Muslim world dangerous is that it is disseminated through a wide and powerful network of media outlets and rightwing think tanks then consumed by a public with no direct contact or firsthand knowledge of the Muslim world. What gets generally confined to the shadowy margins of the far right in Europe, has in the United States, with its geographic remoteness from the Muslim hemisphere, lack of familiarity with Islam and the American tradition of religious based idealism, the potential of dominating mainstream public opinion of Islam and Muslims.

The truth is that cultures, civilizations and lifestyles do not clash. It is humans who clash, with their interests, ambitions, illusions and fantasies. Instead of the twisted binary logic of ‘us’ vs. ‘them’, terrorism should render us more keenly aware of the interconnectedness of our world, of our shared existence and the dangers that threaten us all. Terrorists do not ask for their victims IDs before mutilating their bodies in Paris, Beirut, or Tunis. The solution to the insane chaos into which we have been dragged since 9/11 begins with an active rejection of the ugly dualisms of “us” and “them”, of believers vs infidels and of Westerners/Europeans vs the Muslim other.

سمية الغنوشي