مقالات مختارة

الأربعاء,1 يوليو, 2015
30 يونيو في ذكراها الثانية!

الشاهد_لم أكن على وفاق مع الإخوان المسلمين، جماعة وحكما، عندما دعا الداعي للانقلاب العسكري، إذ كان العام قد اختلط بالخاص، فلم أكن أميز، وأنا أهاجم كثيرا من سياسات الحكم الجديد، بين الموضوعي والشخصي، فلست بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟!

فإذا كان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فقد كان نصيبي أن ألدغ من ذات الجحر المرة تلو المرة، على نحو انتقل باللدغ، من المصادفة إلى الاستهداف، وبشكل أوغر صدري، وقد فعلوا معي ما فعلوه مع آخرين، لم يستطيعوا أن يرتفعوا عن الذاتي، وهم يتصرفون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وقد تملكتهم شهوة الانتقام فساهموا في تمكين الثورة المضادة، من ثورتنا المجيدة!

عقب الثورة، وعندما بدأ الحديث عن الانتخابات البرلمانية، ورفع الإخوان شعار “مشاركة لا مغالبة”، لم نكن نعلم أنه ليس أكثر من شعار يستهدف خديعة المجلس العسكري الحاكم، فيفتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية، بادعاء أن الجماعة زاهدة في الأغلبية. وكان أمام حزب “الأحرار” الذي أتولى رئاسة تحرير صحيفته، الانضمام إلى تحالف من اثنين: الأول يضم أحزاب الكتلة، وفي القلب منها الأحزاب التي تشكل الشركة القابضة للأحزاب، بحسب وصف صديقنا الدكتور محمد الجوادي، برئاسة وتمويل رجل الأعمال نجيب ساويرس..

و”التحالف الوطني” الذي يضم حزبي “الحرية والعدالة”، و”الوفد” قبل انسحابه، وحزب “الكرامة” بزعامة حمدين صباحي، و”غد الثورة” برئاسة الدكتور أيمن نور، ضمن 44 حزبا تم الإعلان عن أنهم يشكلون هذا التحالف، تقلص العدد بعد ذلك عندما كشف القوم عن نواياهم وأنها “مغالبة لا مشاركة”!

كنت، رغم خلافي القديم مع الإخوان المسلمين، أرى أن مكاننا الطبيعي في “التحالف الوطني”، لأن هناك تحديا يواجه الثورة، يتمثل في “الفلول” والخوف من استغلالهم الانتخابات والعودة للبرلمان، فلابد من تكتل قوي، لا يكون إلا في وجود الجماعة الأكبر في مصر وهي الإخوان.

فضلا عن أنني استشعرت خوفا على هوية المحروسة، ورأيت أن هذا التحالف هو المعبر عنها، في مواجهة أحزاب “الكتلة” بمرجعيتها السياسية والثقافية المعادية لهذه الهوية!

وأعترف أنني قدت الاتجاه داخل “الأحرار” للانخراط في “التحالف الوطني”، ودعمت وجهة نظري بمبرر عاطفي يتمثل في أن “الأحرار” كان له سابقة في التحالف مع الإخوان المسلمين وحزب “العمل” في انتخابات 1987، وأنه وفاء لعظم التربة، ولمؤسس الحزب الراحل مصطفى كامل مراد، ينبغي أن ننضم لهذا التحالف!

ولم يكن معظم الذين شاركوا في اجتماع تحديد المصير، يعلم بأنه تم اتهامي صراحة من قبل مرشد عام الجماعة الأسبق “حامد أبو النصر” بتهديد استمرار هذا التحالف بكتابتي في جريدة “الأحرار” وذلك في زيارة له لمكتب مصطفى مراد!

بدت اجتماعات اللجنة التي تعد قوائم التحالف، محاطة بالسرية ومفتقدة للشفافية، وأقرب ما تكون إلى “كنترول الثانوية” العامة، لكن ما كان يصلني من داخل هذا “الكنترول” من رسائل تبعث على الطمأنينة، سواء تلك المنقولة لي عبر آخرين أم عبر رئاسة التحالف مباشرة، وكلها تدور حول أن اعتزازهم بشخصي “الكريم”، يتجاوز فكرة أنني مرشح “حزب الأحرار”، فهم يعتبرونني من الشخصيات العامة والثورية، التي ينبغي أن تتصدر المشهد.

وعندما نشر أن اللجنة قررت فرض مائة ألف جنيه على أعضاء كل قائمة من الأول إلى الخامس، ليتم الإنفاق منها على الدعاية الانتخابية، اتصلت برئاسة اللجنة التي كان كلامها حاسما: هذا المبلغ مطلوب من المرشحين الحزبين، أما أنت فمن الشخصيات العامة!

قبل غلق باب الانتخابات بيومين، كان الخبر الفاجعة، باستبعادي من الترشح على قوائم “التحالف الوطني”، بدون إبداء أسباب، فلا يوجد تلميذ بإمكانه أن يسأل رئاسة كنترول الامتحانات، عن سبب سقوطه!

الاستبعاد في اللحظة الأخيرة، استهدف في الواقع توجيه الاهانة والتلاعب بي، فلا يكون أمامي البحث عن تحالف آخر، كما أن النائب السابق عن العائلة كان قد ترشح على المقعد الفردي، استجابة لإلحاح بعض رموز العائلة بألا يترشح على قوائم “الوفد”، ولا ينافسني بذلك وأنا المرشح على قوائم “التحالف”.

ولم أكن الوحيد الذين تلاعبوا به، فقد تلاعبوا بالدكتور محمد الصغير، الذي تجمعنا دائرة واحدة، والذي وجد ترحيبا وموقعا في انتظاره على قوائم تحالف الأحزاب السلفية “النور”، ليكون ترتيبه الأول على القائمة. شيء قريب من هذا جرى مع الدكتور حسن نافعة، وقد رواه بمرارة في زاويته بجريدة “المصري اليوم”.

وقد وجد قادة أحزاب أخرى، مكانا لهم في قوائم الإخوان، رغم أن صلتهم بالنظام القديم معروفة للكافة، وأن علاقاتهم بأجهزة الأمن كانوا يتفاخرون بها قبل الثورة!

“المقلب الثاني” جرى عندما قرر الرئيس محمد مرسي تشكيل المجلس الأعلى للصحافة، وهو أمر يتم عبر مجلس الشورى برئاسته متواضعة الكفاءة، ممثلة في الدكتور أحمد فهمي، الذي لا توجد له قيمة تزكي اختياره، فكل قيمته يستمدها من كونه صهر الرئيس، وقد أدار الملف الصحفي إدارة سيئة، ولم يكن من قاما بإعانته في هذا الملف، سواء نقيب الصحفيين ممدوح الولي أم وزير الإعلام صلاح عبد المقصود، قد تم اختيارهما على قواعد الثورة، أو على قواعد المهنة، فجاءوا برؤساء تحرير للصحف القومية، باعوا من اختارهم عند أول منعطف، وأيدوا الثورة المضادة في 30 يونيو!

كان المجلس العسكري في فترة حكمه، قد عدل قانون الأعلى للصحافة، في مادته التي تنص على أن رؤساء تحرير الصحف الحزبية هم أعضاء في المجلس بحكم مواقعهم، ليضع حدا أقصى بألا يزيدوا عن خمسة أعضاء.

في اجتماع مجلس الشورى كان القرار هو اختيار خمسة، فإذا بهم يختارون أربعة فقط، فقد كان كل ما يشغلهم هو استبعاد “فريدة النقاش” رئيسة تحرير جريدة “الأهالي”، فاعتبروا ما دون ذلك لا يهمهم ولا يستحق التركيز، ووجد “فاعل خير” من بين الأعضاء غير الإسلاميين، ما يسيطر على القوم فتقرب إليهم باقتراح قاعدة، وافق عليها المجلس، باختيار رؤساء أقدم صحيفتين حزبيتين، وذكرهما: “الأحرار” و”الوفد”، وأحدث صحيفتين: “الحرية والعدالة” و”النور”.

ولم ينتبه القوم إلى مخالفة القاعدة، لأنهم حديثو عهد بالوضع السياسي، وإن شئت الدقة فقل إنه الغرض الذي هو مرض، فـ “الأهالي” كانت الأقدم وليست “الوفد”. لأن “الأهالي” هي ثاني صحيفة حزبية في مصر بعد “الأحرار”، حيث صدر العدد الأول منها في سنة 1978، في حين صدر العدد الأول من “الوفد” في عام 1984!.

ما علينا، فقد صدر القرار من مجلس الشورى واعتمده الرئيس، ونشر في الجريدة الرسمية، وكان من بين الشخصيات العامة التي اختارها الرئيس صحفيين اختارتهما الكنيسة، وخالد صلاح رئيس تحرير “اليوم السابع”، وإبراهيم حجازي الصديق لمبارك وأسرته، وآخرين من أصحاب القامات المنخفضة، فوقع الاختيار على محررة بجريدة “المساء”، عن الشخصيات العامة، ولم يعين رئيس التحرير “مؤمن الهباء”، مع أن من الذين كان لهم حق الاختيار من عملوا تحت رئاسته إبان توليه رئاسة تحرير جريدة “النور الإسلامية” في نهاية الثمانينيات!

وقد فوجئت بتجميد عضويتي بدون قرار مكتوب، وبدون إبداء أسباب، وبدون قدرة من رئيس المجلس على تبرير قراره، فكان يرد على من يناقشه في الأمر بكلمة صارت من المحفوظات يكررها وهي: “بعدين.. بعدين”!

لم تأت “بعدين”، وكانت الدعوة لإسقاط الرئيس محمد مرسي، وأيقنت على الفور بأنها الثورة المضادة، التي تستغل بعض المنتمين للثورة، الذين غُرر بهم، ولم أكن حتى مع الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، إذ كنت مؤمنا وما زلت بأن الرئيس ينبغي أن يستكمل دورته كاملة غير منقوصة!

تصدرت المشهد أحزاب الأقلية، التي صنعها مبارك على عينه، ولم أعلم أن هؤلاء لم يكونوا أكثر من أدوات شأنهم شأن من ظننت أنه مغرر بهم، ويتصرفون على قاعدة: الذي أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه، فالكفيل الحقيقي في الخليج، والكل يعمل لدي الكفيل العام في البيت الأبيض.

لقد ثبت أن “العريس” الحقيقي، الذي نصبت له الأفراح، ليس هو “حمدين صباحي”، أو “البرادعي”، فهما كانا عريسا غفلة، فالعريس هو عبد الفتاح السيسي، ولم تكن 30 يونيو إلا تمهيداً لانقلابه العسكري في 3 يوليو، وما أنتجه من عودة مظفرة لدولة مبارك، وخطابها الإعلامي الذي أدان الثورة من أول يوم، ورمى الثوار بالخيانة، وها هي الترسانة الإعلامية المباركية تمارس رسالتها على أكمل وجه فقد مهدت لها 30 يونيو الأجواء المناسبة لذلك!

بعد عامين، لم يعد أحد يماري في أنه انقلاب عسكري، فمن المزاح الثقيل أن يقال أن الجيش هو من حمى الثورة، أو أن يونيو مكملة ليناير، أو أن السيسي هو اختيار الثورة المصرية. كما أنه لم يعد أحد يصف السيسي بأنه عبد الناصر العائد من تربته، أو أنه أعظم قائد بعد آيزنهاور، أو أنه الوسيم معشوق النساء، فلم تعد نساؤهم حبلى بنجمه كما كتب أحد شعراء الغبراء ونشرت جريدة “المصري اليوم” ما كتب، ربما لأن نساءهم تعرضن لعملية إجهاض!

تأتى الذكرى الثانية لـ”30 يونيو” فإذا بالأمور أكثر وضوحا، وأحمد الله أن ما هو شخصي لم (يدفعني) للتأمر على ثورتنا، كما أنه لم (يدفعني) لأن أخونها بالغيب.

سليم عزوز