كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,1 يوليو, 2015
كانت باينة من أولها

الشاهد_“العدالة لن تحققها الاغتيالات، والاستقرار لن تجلبه الإعدامات”، إذا أعجبتك هذه العبارة، لا تتردد في كتابتها بخط جيد، وقم بلفِّ الورقة التي كتبتها فيها بإحكام، وضَعْها في أقرب سلة مهملات، أما إذا كنت تقدر قيمة الكلمة، وتعتقد بأثرها في تغيير الواقع، فاحتفظ بالورقة في ملف يضم عبارات مثل “إرهاب الدولة ليس السبب الوحيد للإرهاب الديني، لكنه حتماً يزيد قوته وانتشاره ـ لا أمل في إيقاف الإرهاب في ظل استمرار قتل السياسة ـ الذين يجعلون التغيير السلمي مستحيلاً يجعلون العنف بديلاً حتمياً”، لأن الطلب الآن ليس على هذه العبارات التي يراها كثيرون رخوة وخبيثة، مفضلين عليها عبارات يرونها تحمل حلولاً واضحة وبسيطة، مثل تنفيذ المزيد من أحكام الإعدام وتكميم المزيد من الأفواه، بغض النظر عن آثار تلك الحلول على المواطن المصري الذي أصبح مطلوباً منه أن يظل في وضع تفويض دائم للسيسي من أجل مكافحة الإرهاب، ووضع تصفيق ممتزج بالتبرير للسيسي، حين يفشل في مكافحة الإرهاب، وحالة عداء دائم مع معارضي السيسي، ليتهمهم بدعم الإرهاب، إن سألوا عن أسباب فشل السيسي في مكافحة الإرهاب، وعليه، فوق كل ذلك، وبجهوده الذاتية أن ينجو بنفسه وعياله ورزقه من آثار الإرهاب.

بعد مذبحة المنصة التي سبقت مذبحة رابعة، والتي سقط فيها عشرات القتلى، وسط تواطؤ وصمت مخجلين، نشرت مقالاً في صحيفة الشروق بتاريخ 28 يوليو 2011 بعنوان (دائرة الدم)، جاء فيه ما يلي: “دعني أسألك: هل تتصور أن الإخواني الذي تم قتل أخيه أو والده أو جاره أو صديقه في المنصة أو أمام الحرس الجمهوري أو المنصورة، لن يتحول من متعاطف مع الإرهاب، أو حامل أفكار متشددة، إلى إرهابي يرغب في الانتقام بكل ما أوتي من قوة، تماماً كما سيصبح المواطن الذي قتلت مليشيات الإخوان أباه أو أخاه أو جاره أو صديقه، في المنيل وبين السرايات والجيزة، راغباً في الانتقام ممن قتلوا أحبابه، على يد الدولة التي منحها تفويضاً بذلك، ولو لم تشفِ غليله ربما لجأ لأخذ ثأره بيديه لو استطاع إلى ذلك سبيلاً.

إذا كنت لا تريد أن تسمع، الآن، أي صوت يرفض كل هذا العبث، ويطالب بتعامل أكثر احترافاً وذكاء، ويطلب على الأقل محاسبة سريعة علنية الإجراءات، للمسؤولين الميدانيين عن سفك هذا الدم، إذا كنا في مرحلة حرجة لا نملك فيها رفاهية محاسبة القادة الكبار، الذين ستظل هذه الدماء تلوث أيديهم، حتى يلقوا الله، فصدقني أنت تساعد بموقفك هذا على دخولنا دائرة الدم الجهنمية، حيث يأتي الدم بدم، وينتج كل قتيل إرهابياً جديداً من ذويه ومحبيه، ويُسقط الإرهابي بإرهابه قتلى يخلفون خلفهم راغبين في انتقام يأتي بانتقام جديد، وفي يوم من الأيام سيكتشف كل من كانوا فرحين بأصواتهم الزاعقة وانعدام إنسانيتهم أن العقل كان الخيار الأفضل برغم بواخته، وأن الفتن الأهلية الكل فيها مهزوم، وأن النَفَس الطويل كان فعلاً مفتاح الفرج، وأن السياسة ستظل وحدها السلاح الأقوى الذي اخترعه البشر، لأن الإجراءات البوليسية ومكافحة الإرهاب ليسا إلا أداتين من أدوات السياسة، ومن يرَ كل تجارب العالم المريرة يدركْ أن محاربة الإرهاب بدون ممارسة السياسة في نفس الوقت لن تأتي إلا بإرهاب أعنف وألعن.

كلنا سنموت، لكن الأشرف والأكرم لنا أن نلقى الله، وقد قلنا كلمة الحق، وطالبنا بوقف هذا الجنون فوراً، لأننا نحن الذين سنحاسَب أمام الله فرادى، ولن تنفعنا مناصرتنا السيسي ولا مرسي ولا غيرهما، بل ستشفع لنا إنسانيتنا التي تبكي على كل قطرة دم مصرية تسيل عبثاً، وإذا كان الفريق السيسي قد حصل على ثقة كل هذه الملايين التي نزلت لكي تفوضه لمحاربة الإرهاب، فيجب أن يعلم، هو وكل مسؤول في هذا البلد، أن ذلك لم يكن تفويضاً بالقتل على المشاع، وأن كل قطرة دم سالت بدون وجه حق ستظل تطارده، وتطارد كل من تسبب فيها أو برر سفكها أو صمت عليه، وحاشا لله العادل أن يأذن ببناء وطن متقدم على الظلم وبحور الدم”.

لم يجد هذا الكلام وقتها آذاناً صاغية، ولن يجدها الآن، ولا أظنه سيجدها في الغد القريب، لأن الآذان تطرب في أوقات كهذه، لأصوات الزعيق والنواح والمطالبة بالثأر، حتى تفقد تلك الأصوات معناها وأثرها. حينها فقط ستبحث الآذان عن صوت العقل، لكنها حين تجده وتستمع إليه، سيكون عليها قبل ذلك أن تدفع ثمن رفضها الاستماع إلى صوت العقل، وجريها وراء الزاعقين والنصابين والمتاجرين بخوف الشعوب ورغبتها المشروعة في الأمن والاستقرار.

بلال فضل