الرئيسية الأولى

الثلاثاء,22 مارس, 2016
لنحتفي بتونس ونترك بقيتهم لقدرهم السلطوي المحتوم.. تشريح النفاق الغربي

الشاهد _ ما أن بدأت محاولات الانتقال الديمقراطي تتعثر في بلدان الانتفاضات العربية، حتى شرعت بعض الدوائر الرسمية والأكاديمية في الغرب في استدعاء حديث «الاستثناء العربي» مجددا.

تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تونس ومصر بين 2011 و2013، ففسر العديد من الرسميين والأكاديميين الغربيين ذلك بعدم أهلية البلدين لتجاوز الحكومات السلطوية. أما كون السنوات الأولى للانتقال الديمقراطي عادة ما يصحبها تراجعات وأزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة كما دللت خبرات بلدان أوروبا الشرقية والوسطى وأمريكا اللاتينية منذ تسعينيات القرن العشرين فتم تجاهله، تماما كما تناسى الأوروبيون والأمريكيون حقيقة احتياج تونس ومصر لدعم دولي فعال للتغلب على الأزمات التي كانت تهدد ثقة الناس في ترتيبات ما بعد رحيل الرئيسين بن علي ومبارك.

طفت على السطح في تونس ومصر صراعات النفوذ والمصالح بين المؤسسات الرسمية القوية وبين المجموعات الاقتصادية والمالية المحسوبة مع «النظام القديم» وبين المجموعات المناوئة التي كانت تبحث عن الاستحواذ على «النظام الجديد»، وصراعات كهذه تكررت دون استثناء في جميع البلدان التي حاولت الانتقال من السلطوية إلى الحكم الديمقراطي؛ فاعتبر الغربيون ذلك «دليلا بينا» على الفشل الحتمي للتجربتين التونسية والمصرية وربطوا بين «توقعاتهم» وبين الخصوصيات المتوهمة لدور الإسلام أو الثقافة السياسية سلطوية الطابع أو سطوة المؤسسات العسكرية والأمنية أو صراعات «الإسلاميين والعلمانيين» المستمرة في إعاقة الديمقراطية.

وعندما حملت الفترة الممتدة بين عامين 2012 و2013 انهيار تجربة الانتقال الديمقراطي في مصر، لم يبحث الكثير من الغربيين في الأسباب المحددة لإخفاق الإسلاميين والعلمانيين في بناء توافق عريض حول «خطة محددة» لإدارة الانتقال الديمقراطي والتفاوض بشأنها مع المؤسسات العسكرية والأمنية والمصالح المرتبطة «بالنظام القديم» والتي كان طبيعيا أن تقاوم بناء الديمقراطية. لم يبحثوا في تفاصيل ذلك أبدا، بل تعاملوا مع الأمر «كقدر محتم» ما كان للشعب المصري أن يتجاوزه وزعموا أن «الأفضل» لنا هو «العودة الآمنة» إلى الحكم السلطوي المتسق مع «خصوصياتنا»، المتوهمة طبعا.

وعندما تجاوزت تونس خطر انهيار مشابه للانهيار المصري وتمكنت (مبدئيا) الأطراف المشاركة في الحياة السياسية بمساعدة المجتمع المدني في صياغة رؤية توافقية لإدارة الانتقال الديمقراطي وإدارة تفاوض هادئ مع قوى «النظام القديم»، صنف الغربيون الحالة التونسية «كاستثناء على الاستثناء» العربي. ولم ينظر بموضوعية في دلالات عدم انهيار تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس بالنسبة لجوارها المباشر في شمال إفريقيا ولعموم بلاد العرب. فالأصل لديهم هو استحالة بناء الديمقراطية في بلادنا، الأصل لديهم هو الاستثناء العربي الذي يجعل من السلطوية قدرنا المحتوم، أما تونس «فحالة خاصة» يمكن أن يحتفى بها بجائزة نوبل للسلام وبإشادات عالمية متكررة ثم تلقى جانبا دون نظر في مدلولاتها أو اعتبار لإمكانية استنساخها عربيا.

فخانات «الظواهر القابلة للاستنساخ» عربيا غلقت على الاستمرارية الحتمية للحكم السلطوي، على الأزمات المجتمعية الخانقة التي تدفع بالدول والمجتمعات إلى مصائر الانهيار إن تخلينا نحن العرب عن تأييد الحكومات السلطوية، على الحروب الأهلية وحروب الكل ضد الكل في بلدان كالعراق وسوريا وليبيا واليمن إن حاولنا نحن العرب تغيير حكام مستبدين، على الإرهاب المتجاوز لحدود الدول الوطنية ومآسي النزوح والتهجير واللجوء الحلم بحاضر عربي تصان به الحقوق والحريات وسيادة القانون والحكومات المنتخبة شعبيا. تلك هي قائمة «المستنسخات العربية» المتوقعة لدى الكثير من الرسميين والأكاديميين الغربيين، تلك هي الخانات التي يصيغون بداخلها حديثهم عن الاستثناء العربي المزعوم وخصوصياتنا المتوهمة.

ولأن نفرا محدودا منهم تناسى تلك القائمة وتلك الخانات واندفع لدعم الانتقال الديمقراطي في بلاد العرب، أصبح لزاما على الغربيين اليوم إبداء آيات الاعتذار والندم على «تهورهم» باسم الديمقراطية، وممارسة طقس الجلد الجماعي للذات في المؤتمرات وورش العمل والحوارات المعنية بشؤون العرب لكون بعضهم توهموا «أهلية العرب» للديمقراطية. ومن ثم «العودة المظفرة»، حكومات ومؤسسات دولية، إلى دعم الحكومات السلطوية بين البحرين والمغرب والتركيز على قضايا السلام والحرب على الإرهاب والتنمية الاقتصادية وتطوير القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات، أي قائمة المرغوب غربيا من حكام العرب قبل 2011، ونسيان ما كان من أمر حقوق الإنسان والحريات والانتخابات الحرة والسياسة التعددية. ولا بأس بين الحين والآخر من إصدار «بيانات القلق» بشأن تدهور أوضاع حقوق الإنسان والحريات. ولا بأس دائما من الاحتفاء بتونس، الاستثناء على الاستثناء.

عمرو حمزاوي