الرئيسية الأولى

الأحد,15 مايو, 2016
في مصر السيسي انتهت الدولة وعاد المماليك

الشاهد_ تساءلت الصحافية المعروفة جانين دي جيوفاني عن سبب حديث المصريين المتكرر عن الوضع في بلادهم وأنه «أسوأ مما كان عليه في عهد مبارك»، وهي عبارة سمعتها تتردد أكثر من مرة في يوم واحد، ومن عدد مختلف من الناس: سائق تاكسي، محامي حقوق إنسان، وناشط سياسي. وكلهم تحدثوا عن المرحلة الصعبة التي تمر بها مصر بعد عامين من تولي الجنرال عبد الفتاح السيسي الحكم عقب إنقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

وتعيش مصر أصعب الأوقات وتواجه أزمة اقتصادية حادة وقمعا لم يمر عليها منذ عقود حسبما وصفت منظمات حقوق الإنسان. ويقدر عدد المعتقلين السياسيين بـ 60.000 معتقل مات العشرات منهم تحت التعذيب فيما اختفى آخرون بدون آثر. وتنقل جيوفاني في تقريرها المطول المنشور في مجلة «نيوزويك» (5/5/2016) عن ناشط حقوقي قوله إن «مصر هي نصف ديكتاتورية عسكرية» وأضاف «سيشعر الديكتاتور (التشيلي أوغستو) بينوشيه بالخجل لان الديكتاتوريات عادة ما تنجز تقدما اقتصاديا. ويتنازل الناس عن الحرية مقابل الأمن، أما هنا فلا يحصل الناس على شيء، ينهار الاقتصاد ويلاحقون الناشطين والصحافيين والمنظمات غير الحكومية».

وقالت ناشطة أخرى «لا يوجد حكم للقانون فهم يضربون الأطباء ويقتلون الأجانب ويسجنون الكتاب» و «لا أحد يشعر بالأمان وهناك دم كثير».

صحافيون خائفون

وأشارت جيوفاني للقلق الذي يعيشه الصحافيون الأجانب ومنهم من يقيم ويعمل في القاهرة منذ عشرين عاما وقال أحدهم «لم أشعر بالأمان منذ عام 2014». فلا أحد يستطيع الكتابة بحرية خاصة بعد اعتقال ومحاكمة صحافيي الجزيرة الثلاثة وإدانتهم بناء على أدلة واهية.

ويواجه السيسي الذي حظي بشعبية بعد الإطاحة بمرسي أزمة ثقة، فرغم عدم وجود استطلاعات دقيقة إلا أن شعبيته تراجعت.

ويقول الناشط الحقوقي إن الثقة بالحكومة ضعيفة وعاد الناس للحنين إلى أيام مبارك الذي كان ديكتاتورا، لكن كانت لديه أهدافا لتطوير الاقتصاد والمنطقة. واهتزت صورة السيسي كثيرا في مواجهته مع نقابة الصحافيين وانهيار قطاع السياحة بعد سقوط الطائرة الروسية في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 وهجوم الغردقة بداية هذا العام.

ورغم تعهدات السيسي وإعلاناته المتكررة إلا أنه لم يجلب الأمن ولا الإزدهار، ولم يتحسن الاقتصاد حتى بعد إنجاز تفريعة قناة السويس الجديدة، أما مشاريعه «الميغا» فلم ير الشعب المصري أي أثر لها. وتقول جيوفاني إن الهجمات الإرهابية التي ينفذها متشددون تابعون لولاية سيناء وحالات الإختفاء القسري وزيادة معدلات البطالة وغلاء الأسعار وغياب الحريات المدنية أدت لحالة من اليأس بين المصريين. ومن هنا تبدو تظاهرات ميدان التحرير واحتفالاته قبل خمسة أعوام وكأنها قصة من زمن سحيق. ويواجه السيسي أزمة علاقات مع إيطاليا حيث اختفى في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير 2011 طالب دكتوراه إيطالي كان يعد دراسة حول النقابات العمالية في مصر، وعثر على جثته مشوهة في الطريق الصحراوي.

اهتزاز الصورة

ولعل أسوأ ما واجهه نظام السيسي كانت التظاهرات الشعبية في 15 نيسان (إبريل) والتي خرجت وسط القاهرة وفي عدد من المدن الأخرى احتجاجا على تسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. وهذه أول مرة منذ تسلمه السلطة يتحدى فيها متظاهرون قانون منع الإحتجاجات الذي أقره عام 2013. وكما علق ديكلان وولش مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (7/5/2016) فقد الرئيس المصري أعصابه ورد بزيادة قمع المعارضة المتزايدة في صفوف المحامين والصحافيين والناشطين السياسيين.

وكتب وولش قائلا «كان السيد السيسي قبل عام فقط عصيا على التحدي»، ومن هنا سارع بلوم قوى لم يسمها «قوى الشر» وطلب من المصريين عدم تصديقها والإستماع إليه فقط. وهو كلام بات السيسي يردده في كل مناسبة كان آخرها احتفال بموسم الحصاد الذي جاء وسط أزمة النظام مع الصحافيين ومداهمة مقر النقابة واعتقال صحافيين مما أدى لمطالبات بتنحية وزير الداخلية، اللواء مجدي عبدالغفار. وطالبت النقابة الصحف عدم ذكر اسمه واتشحت صفحاتها الأولى بالسواد احتجاجا على قمع حرية التعبير.

لا أحد آمن

ويبدو المشهد من بر مصر قاتما، فلم يفلت من قمع النظام لا الإسلاميين الذي يشكلون غالبية السجناء السياسيين ولا الليبراليين أو جماعات العمل المدني ومنظمات حقوق الإنسان وحتى المثليين الذين قالت صحيفة «واشنطن بوست» (6/5/2016) أن القمع طالهم مع أن لا علاقة لهم بالتطرف الإسلامي ولا الإرهاب.

في إشارة للمبررات التي يسوقها الإعتذاريون عن قمع السيسي وأنه «ضرورة» لمواجهة الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية في مصر.

ونقلت الصحيفة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قولها إنه تم اعتقال 200 شخص بتهم الإباحية وحكم على عدد منهم بأحكام مشددة ما بين 3- 12 عاما وبتهم تتراوح من «التشجيع على الفجور» إلى «إساءة استخدام الوسائط الإعلامية» أي الإنترنت. وقال المتهمون أنهم لم يعلنوا عن مثليتهم بل كانوا ضحية لتصيد الأمن المصري الذي راقب هواتفهم المحمولة.

وتعتقد الصحيفة أن ملاحقة المثليين قد تكون محاولة من نظام السيسي لحرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية بعد فشله في تحسين الأوضاع الاقتصادية والقضاء على العدو الحقيقي في سيناء. وختمت الصحيفة بالقول «ما هو واضح أن الحملة ضد المثليين هي واحدة من عدة حملات في مصر تفوقت فيها على أي نظام قمعي في العصر الحديث، ولا علاقة لها بالإرهاب أو مواجهة الإسلاميين وستترك آثارا سلبية».

إلى الجحيم

ويقود عبد الفتاح السيسي نظاما يسير بمصر نحو الكارثة وسيترك حسب مجلة «إيكونوميست» (14/5/2016) آثاره على مصر والمنطقة. وفي تقرير لها أشارت لمناخ الخوف الذي يعيشه المصريون والخوف من الملاحقة، فقد تحولت الهواتف المحمولة والذكية التي كانت وسيلة للحشد والتعبئة لثورة عام 2011 إلى أداة خوف لدى الناشطين الذين يخبئونها في قوارير زجاجية.

وقالت ناشطة إنها تضع هاتفها في الثلاجة حتى لا تتنصت المخابرات على مكالماتها. ولا يقتصر الخوف على مصر بل وغالب الدول العربية التي عادت فيها الدولة العميقة وبانتقام. وتقول إن مصر التي يحكمها الجنرال السيسي الذي يزعم انه «إبن الثورة» أكثر قمعا مما كانت عليه في عهد مبارك. وتضيف أن الكثيرين يقارنون الوضع الآن بالقمع في عهد جمال عبد الناصر ولكن بدون خطابته ودعوته القومية العروبية. فمثل السيسي حاول ناصر سحق الإخوان المسلمين. وكما حدث في العهد الناصري فهناك مخاوف أن يندفع هؤلاء نحو العنف الجهادي بسبب القمع الحالي. وتقول المجلة إن كل القادة العرب الذين أطاح بهم ثوار عام 2011 كانوا رؤوساء جمهوريات ولم يكونوا ملوكا، فرغم قسوة أنظمتهم إلا أنها كانت هشة.

ويصور الباحث الفرنسي جين بيير فيلو نظام ناصر بأنه كان نسخة تامة عن «الدولة المملوكية» التي حكمت مصر ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر.

ويرى فيلو أن هذا الوصف يصدق على دول عربية أخرى مثل الجزائر واليمن وسوريا، وهي دول ذات تاريخ طويل في هيمنة العسكر على نظام الحكم فيها. وتقول المجلة إن الجمهوريات «المملوكية» كانت ذات ميول يسارية في الأعم الأغلب وميل نحو السيطرة على الاقتصاد.
وفي البداية أقامت دعائم الحكم على النموذج الأتاتوركي في تركيا مع أنها لم تشترك معه في علمانيته المتشددة.

وعليه فقد كانت الأجهزة الأمنية أقرب في تشكيلها وعملها من النظام السوفييتي الذي تحالفت معه هذه الأنظمة. كما وأخفى خطابها القومي رؤية طائفية ضيقة، ولهذا تميزت بالعنف، كما في العراق وسوريا والجزائر. وخاض كل نظام من هذه حربه القذرة.

وبخلاف هذه الأنظمة فقد عاشت مصر في ظل مبارك نسخة مخففة من الحكم الشمولي، ربما لأنه كان يريد الحفاظ على دعم الحلفاء الغربيين له. أما السيسي فليس لديه أي وازع يمنعه عن سفك الدماء، فقد قتل الآلاف في حملته لقمع الإخوان المسلمين وسجن منهم عشرات الألوف.

نظرية مؤامرة

وتشير المجلة هنا لبعض نظريات المؤامرة التي تقول إن ثورة 2011 تلاعب بها الجنرالات منذ البداية واستخدموا المتظاهرين للتخلص من حسني مبارك أولا ومن ثم استخدموا الإخوان المسلمين لتهميش الليبراليين. وقاموا فيما بعد باستغلال المتظاهرين الليبراليين للتخلص من الإخوان.

وفي الواقع كان رد الجيش على الإنتفاضة إرتجاليا، إلا أن النظرية تشير للنظرة التي تعمل فيها الدولة العميقة.

ومن هنا فالقمع قاس وعشوائي في مصر، والمحاكم تمارس قانونها الخاص. وتنقل عن يزيد صايغ الباحث في مركز كارنيغي- الشرق الأوسط قوله «لا توجد دولة في مصر اليوم»، بل «هناك تحالف بين أصحاب المصالح والمؤسسات وكل واحد منهم يتصرف وكأنه فوق الدولة، ويعمل بشكل متناقض ويحاول إضعاف السيسي».

وتشير المجلة إلى أن شرعية الجمهوريات العربية قامت على هدفين وهما: الوحدة العربية وتحرير فلسطين. ولم تنجز أي منهما. ويضاف إلى هذا ملمح آخر يتعلق برغبة الأنظمة لإقامة سلالات رئاسية كما فعل حافظ الأسد مع ابنه بشار في سوريا، فيما حاول مبارك تحضير ابنه جمال للخلافة.

وكان زين العابدين بن علي يخطط لتعيين صهره صخر الماطري. وهو ما دعا البعض لوصف الحكم الجمهوري الوراثي بأنه «جملوكيات». وتنقل عن البروفيسور غسان سلامة من جامعة «بو ساينسيس» في باريس «لقد وصلت الأمور إلى حالة من العبث حيث تحولت الدولة إلى سيارة أو شقة يعطونها لأولادهم»، وكان هذا بالتأكيد المحفز الذي أشعل الثورات.

ومع أن الملكيات ثبتت أمام موجة التغيير الأخيرة إلا أن الملكية في مصر أطاح بها الضباط الأحرار عام 1952 وفي ليبيا إنقلاب القذافي عام 1969.

ويرى سلامة أن مصادر الشرعية: التمثيل والإنجاز والمنشأ ليس موجودا منها سوى الأخير. «أنا أحكم لأنني خلقتكم» وهذا صحيح بالنسبة للملكيات العربية التي تستند في شرعيتها على النفط أو المنحدر والنضال- في المغرب نفى الفرنسيون محمد الخامس إلى مدغشقر، فيما رفع الهاشميون راية الثورة ضد الأتراك. وقد تكيفت ملكيات مع الظروف إلا أن مسألة الحكم على الأقل في سياقها الجمهوري تعبر عن أزمة العالم العربي.

وتحتاج لإصلاح نفسها قبل أن يفوتها القطار. فقد انهار النظام الريعي وفشل النظام الديكتاتوري بدمج اقتصاد مركزي مع نظام العولمة وهذا يصدق على مصر. وإن لم تظهر ميول السيسي بعد للتوريث إلا أنه قاد مصر في العامين الأخيرين من أزمة إلى أخرى.

القدس العربي