مقالات مختارة

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
عن البراءة من الإسلاميين والبراءة من الإسلام

الشاهد_لفترة طويلة ظللت في حيرة من أمري وأنا أتأمل كثرة ما يرتكب من أخطاء وخطايا باسم الإسلام، من كثير ممن يسمون أنفسهم الإسلاميين أو الدعاة أو المجاهدين، أو نحو ذلك من تسميات. ذلك أن ما ينبغي أن يميز من يدعون خدمة الإسلام عن غيرهم هو الالتزام المعلن، والمتشدد أحياناً، بما يرونه تعاليم الدين. ولهذا السبب، ينتقدون مخالفيهم، بل يحاربونهم، بحجة ضعف تمسك المخالفين بالدين أو إعراضهم عنه. وهذا يعني بالضرورة أن يكونوا أكثر تمسكاً بهذه المبادئ والقيم، لا أن يكونوا أقل التزاماً بمبادئ الرحمة والصدق والكرم ممن لا يدينون دين الحق.

والسؤال المحوري لا يتركز فقط على هذا التناقض، بل كذلك لتواتره من جماعات عديدة، تختلف فيما بينها، ولكنها تتفق على أولوية تعاليم الدين، حتى لتوشك دعوى الالتزام بالدين أن تتلازم مع الممارسات المستنكرة، مما قد يعطي الحجة بأن العلة في الدين نفسه. ولا عبرة هنا بالاحتجاج بأن غالبية من يأتون المنكرات غير صادقين في دعواهم، لأن كثيرين منهم متمسكون بمعتقداتهم لدرجة الهوس والتطرف، ولحد التضحية بالحياة كلها من أجل تلك المعتقدات.

وهذا يطرح سؤالاً لا يقل محورية: ألا يكون هؤلاء، إن صدقوا في دعواهم، مستحقين للهداية بحسب الوعد السماوي: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا؛ وإن الله لمع المحسنين»؟ فلماذا إذن يظهر أدعياء الإيمان والجهاد في صورة أبشع من كثير من غير المؤمنين؟ أليس من يعمر غالب منظمات البر والإحسان وإغاثة الملهوف من غير المتدينين، بل من غير المؤمنين أصلاً، بينما شهرة أدعياء الجهاد هي القسوة والفساد في الأرض؟
ثم لماذا يقتتل أدعياء الهداية فيما بينهم حتى يكادوا يتفانون، وتتقد بينهم العداوة البغضاء، بينما كل طرف يدعي وصلاً بليلى التقوى والتدين؟ أليس هذا دليلاً على أن جميعهم في ضلال مبين؟

كل هذه أسئلة وتساؤلات تذر الحليم حيرانا، ويرى فيها البعض تبريراً لإدانة شاملة وقاطعة لكل الحركات والتيارات التي تسعى لترجمة تعاليم الإسلام إلى واقع، بل ربما إدانة الإسلام نفسه. فما لم يقدم المعارضون للحركات الإسلامية ترجمة ذات مصداقية لهذه التعاليم، فإن إدانة بقية «المترجمين» لا تكفي، إلا إذا كان رأينا أن النص المزمع ترجمته هو مصدر الخلل. وقد بدأت قطاعات متزايدة من أهل الرأي تذهب هذا المذهب، وتجهر بقولها إن العلة في الإسلام نفسه. وهذا أيضاً موقف ضمني من عديد من الحكومات التي تحظر كل الحركات الإسلامية، فكأنها تقول إن كل محاولة لإيجاد صيغة إسلامية تجديدية قابلة للتطبيق سيكون ضررها أكثر من نفعها.

ويجب أن نتذكر بداية أن هذه الإدانات للإسلام ليست جديدة، منذ صدور فتوى من يهود يثرب تقول بأن كفار قريش أهدى سبيلاً من محمد وصحبه، بحجة أن المسلمين خالفوا القيم الإنسانية المتعارف عليها، وقطعوا الرحم وهددوا الاستقرار. ولا يعني هذا مقارنة الإسلاميين بسلف المسلمين الصالح، خاصة وأن جرائم كثير من هؤلاء ومنكراتهم مثبتة وظاهرة للعيان. ولسنا هنا في مقام الدفاع عنهم، بل تفسير حالهم في ظل التوقعات بأن يكونوا حراس الخير والفضيلة.

والمبتدأ والمنتهى في أي تفسير من هذا النوع هو القرآن نفسه، حيث نجد استبق مثل هذه الإشكالات بالتحذير المستمر من علل التدين الفاسد والضال. فمن خاطبهم القرآن، لم يكونوا في الغالب الأعم من الملحدين المنكرين للدين، بل كانوا متمسكين بدياناتهم، سواء أكانوا مشركين أو أهل كتاب. ولهذا كانت الانتقادات القرآنية موجهة في غالبها لانحرافات التدين، بما في ذلك انحرافات وأخطاء الجيل الأول من المسلمين.

وفي الرواية القرآنية، نجد أن التاريخ الديني للبشرية مر بحقبتين، حقبة ما قبل موسى وما بعده. في الحقبة الأولى بداية من عهد نوح، نجد الرسل يرسلون إلى طائفة من بني آدم انحرفوا عن دين أبيهم، فيعاند أغلبهم، مما يؤدي إلى هلاكهم ونجاة المؤمنين. وما تلبث الأجيال اللاحقة أن تعود إلى الضلالة، ثم ترفض دعوة الرسل، فتهلك بدورها. في حقبة ما بعد موسى، تجسدت الدعوة في أمة واحدة حملتها، ولكنها نهجت نهج أسلافها، فعوقبت بعقوبات دون الإهلاك الكامل. فقد عبد بنو إسرائيل العجل وهم على مشارف الطور لموعد الله، وبعد أن شهدوا من المعجزات ما فيه عبرة لمن اعتبر. وعلى مدار التاريخ الديني، تواترت الانحرافات وتنوعت، وكثرت معاندة الرسل، بل قتلهم، حتى جاء عيسى فأخرج الرسالة إلى العالمية. وأخيراً جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة، ومن معجزاتها أنها ختمت الرسالات واقعاً لا نبوءة، حيث لم يأت رسول مصدق بعد محمد، ولم يعد أحد يتوقع مثل هذه الرسالة أو ينتظرها.

هذا الملخص يذكرنا بأن أمراض التدين قديمة، بينها الدين الإسلامي وكرر إداناتها بما يكفي لمن اعتبر. ولكن القرآن لم يوص باليأس من نجاح تجارب التدين مع تكرار فشلها وانحرافها، وإنما قدم بالمقابل نماذج فردية وجماعية للتدين الصحيح والخلاق، وأوصى: «أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده.» وهذه هي المهمة الأبدية على من يطلب رضا الله. فلا يعني أن كل أدعياء الهدى من المتنطعين من لدن الفريسين إلى الداعشيين قد ضلوا ضلالاً مبيناً التوقف عن المحاولة أو اليأس منها. فليس هناك طريق آخر. وعندما يتوقف الناس عن مساعي أحياء الدين، تكون تلك إشارة قيام الساعة.

 

عبد الوهاب الافندي

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.