فن - كتّاب

الأحد,28 يونيو, 2015
انتصرت «الجزيرة».. وهُزم الجمع وولوا الدبر!

الشاهد_دنت «فيروز زياني» فتدلت، وانتقلت من الحياد الصارم، الذي هو من طبيعة عمل قارئ النشرة، إلى دور مقدم البرامج لتحاور زميلها أحمد منصور في برنامجه «بلا حدود»، فإذا ببساطة الأداء مع عبقريته تجعلها أقرب للمشاهد، وهي المذيعة المرموقة التي تربت في بيت إذاعي وتعرف الفرق بين طبيعة الدورين!

«فيروز» جزائرية، وابنة لإذاعي وبرلماني ومناضل، وزوجة لإذاعي أيضاً، وقد بدأت عملها في قناة «الجزيرة» قارئة نشرة، في الفترة التي صنعت «الجزيرة» نجومها، فصرنا أمام «المذيع النجم» و»المذيعة النجمة»، ليصبح «عثمان آي فرح» نجماً معروفاً لدى شعوب المنطقة، يعرفونه أكثر من معرفتهم لرؤساء حكوماتهم، وذلك في المرحلة التي نظر إلى مبناها حسني مبارك، فقال وهو في دهشة: «كل هذا يطلع من علبة الكبريت هذه»؟!

«علبة الكبريت» تحولت من قناة إلى شبكة، لكنها لا تزال تهدد عروشاً، وتربك أنظمة، ولدرجة أن تقيم بلدا بحجم مصر فيها «فرح العمدة»، لأنه جرى احتجاز مذيع بها في ألمانيا، فتكون ليلة عظيمة، تعامل فيها النظام الانقلابي في المحروسة، على أنه انتصر في الحرب العالمية الثانية، ورقص إعلامه الموجه «عشرة بلدي» ابتهاجاً بهذا الحدث الكبير، في ليلة سهر فيها عبد الفتاح السيسي وأذرعه الإعلامية للصباح، ليكون أول انتصار يحققه منذ انقلابه، وهو الكل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير، قبل أن يستيقظ على كابوس، فقد دخل أحمد منصور السجن رجلاً وخرج منه بطلاً، يكتم خصومه وأصدقاؤه أنفاسهم في انتظار خروجه من محبسه، في يوم ابيضت فيه وجوه واسودت فيه وجوه!

في هذه الليلة، وفي مداخلة مع جمال ريان، قال أحمد منصور إن تفاصيل اعتقاله سيرويها في برنامجه «بلا حدود»، فوجدها المشاهد العربي فرصة لمشاهدة حدث مثير بدلاً من إضاعة الوقت في دراما هذا العام، وهي الدراما الأسوأ في شهر رمضان، وعلى كثرة المسلسلات فلا يوجد مسلسل واحد إلى الآن يستحق المشاهدة باهتمام، فقد غاب النجوم الكبار، كتاباً وممثلين، ومن حضر منهم، كالفنان عادل إمام كان فقط للتذكير بأنه لا يزال على قيد الحياة، ويبدو أن هذا الزمان لا يعرف فضيلة الاعتزال، فلم يعتزل المذكور، كما لم يعتزل محمد حسنين هيكل، رغم طلبه قبل سنوات «إذنا للانصراف»، وقالت له الجماهير إذنك معك، لكنه لا يزال حياً يسعى ويتآمر ولم ينصرف.

قرأت أن فيروز زياني حاورت هيكل من قبل، لكني لا أتذكر هذه المقابلة ربما لم أشاهدها، وربما يرجع عدم تذكري «للزهايمر المبكر» الذي داهمني يا زلمة!

ومع الأهمية التي كان يمثلها هيكل، إلا أنني اعتقد أن عدد المشاهدين لحوارها مع أحمد منصور أضعاف من شاهدوا حوارها مع المأسوف على شبابه الضالع في المؤامرة على إرادة الشعب المصري، والإطاحة بأول رئيس منتخب، ليكون هذا العمل هو سوء الخاتمة التي سيُذكر به.

كرسي القادة والرؤساء
جلس أحمد منصور على كرسي الضيف، الذي قال من قبل وهو يلقن أحد ضيوفه درساً بأنه يجلس على كرسي جلس عليه زعماء وقادة دول. فبما جرى له في ألمانيا ارتقى زعيماً، وتبين أنه مصدر إزعاج لقادة، يجلسون على كراس «واسعة عليهم»، وأحدث عدم تصديقهم لحالهم خللاً في قواهم العقلية، نتج عنه أنهم اعتبروا اعتقاله انتصاراً ضخماً لبلادهم، ليغني الانقلاب: «الليلة عيد»!

كما جلست فيروز زياني على مقعد المحاور، بشخصية لم يعرفها المشاهد وتظهر ابتسامتها الخجولة، المسموح بها في المقابلة وقد لا يسمح بها في «نشرة الأخبار»، وإن لاحظت في الآونة الأخيرة أن مذيعي «الجزيرة» ينهون النشرة بابتسامة.

ابتسامة فيروز ذكرتنا بتلك التي كانت تميز مذيعات الربط في التلفزيون المصري، وتذكرنا بابتسامة فريدة الزمر، ونجوى إبراهيم وسهير شلبي. وقد جاء بعدهن جيل لا يعرف كيف يبتسم أو يتكلم قبل إلغاء وظيفة مذيعة الربط، وكانت رئيسة للتلفزيون المصري قد أبعدت إحدى المذيعات، فحصلت على حكم قضائي يلغي قرار الإبعاد، فتفتق ذهن الرئيسة عن فكرة جهنمية بمقتضاها يمكنها أن تبعدها بقرار محايد، وأعلنت أنها ستشكل لجنة لإعادة اختيار المذيعات، ودفعت ومعها رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون في اتجاه أن أقبل الانضمام للجنة التي سيصدر بها قرار رسمي، لكي تتخلص من المذيعة بشكل ديمقراطي!

لقد رفضت ذلك، وكان رأيي أن اللجنة كفكرة هي حق يراد به باطل، وأنها ستكون أداة في يد رئيسة التلفزيون للتخلص من مذيعة تحدتها ولجأت للقضاء، ولن أكون أنا أكثر من صوت، ثم أن المذيعة وبالمعايير الموضوعية لا تصلح للوظيفة! وبعد فشل موضوع اللجنة بسببي، أصدرت رئيسة التلفزيون قراراً بإلغاء منصب مذيعة الربط كلية، لتتخلص من الكل وهي تستهدف واحدة.

هزيمة الانقلاب
احتشد ملايين المشاهدين، ليستمعوا لتفاصيل الحكاية من أحمد منصور، لكن لم يشغلني سوى مشاهد واحد هو عبد الفتاح السيسي، وكان منصور يعلم أن الأمر يمثل هزيمة لقائد الانقلاب، فكانت رسائله المباشرة وغير المباشرة إليه، وكأنه يخرج له لسانه!

قبل ساعات من الإفراج عن الإعلامي أحمد منصور كانت الأذرع الإعلامية قد وضعت في البطون «شادراً» من البطيخ الصيفي.. كناية عن الاطمئنان الشديد، وصدرت صحف الانقلاب بعنوان واحد تقريباً، مع تغيير في الصياغة إلى حد ما، وكان واضحاً أن مكتب السيسي عبر سكرتيره عباس كامل هو من يدير المشهد الإعلامي، ليوحي للمواطنين أن صاحبه حقق انجازاً وانتصاراً يفوق الضربة الجوية للمخلوع مبارك!

جريدة «الوفد»: الانتربول المصري يتابع تسليم أحمد منصور من ألمانيا.
«الوطن»: الانتربول المصري ينسق مع الدولي لبحث إجراءات تسلم أحمد منصور.
«المصري اليوم»: الانتربول المصري يتابع إجراءات تسلم أحمد منصور.
«الشروق»: مصادر أمنية: السلطات المصرية تتسلم أحمد منصور خلال ساعات.
«اليوم السابع»: ضربة قوية من الانتربول المصري للإخوان الهاربين. الانتربول المصري ينسق مع نظيره في ألمانيا لاستلام أحمد منصور.

حتى وكالة رويترز تخلت عن وقارها التاريخي وشاركت في «الزفة» فقد دقت خبراً بعنوان: السلطة الألمانية تبحث تسليم الإعلامي أحمد منصور لمصر. النائب العام يكلف مكتب التعاون الدولي بمتابعة إجراءات تسلم أحمد منصور!

أما صحيفة المجلس العسكري «الأخبار» فقد كان أداؤها مسخرة من العيار الثقيل فقد كان عنوانها الرئيس «المانشيت» :قاضي المعارضات الألماني للنائب العام المصري: حجزنا أحمد منصور استجابة لطلبكم وإيداعه السجن تمهيداً لتسليمه إليكم.»!
أما رجل الأعمال نجيب ساويرس، فكان محدداً عندما وصف عبر تعليق له على «تويتر» المعركة بأنها بين قطر – ومصر السيسي إذ كتب شامتاً: «لما نشوف يا عم قطر هتعملك إيه»!

حلقة ذكر
أداء الصحف، وبرامج «التوك شو» التي مثل عمرو أديب بفجاجة عنوانها المهم، كان يؤكد أن ألمانيا ستسلم منصور للقاهرة، ولم تكن هناك خيارات أخرى، ومن ثم تم نصب «حلقة ذكر» احتفالاً بهذا الانتصار التاريخي، ليكشف هذا عن جدية المؤامرة!

بعد مرور الساعات التي حددها «المصدر الأمني» لجريدة «الشروق» لتسلم السلطات المصرية لأحمد منصور، كان منصور يخرج من محبسه بدون توجيه اتهام له، ويعود في اليوم التالي إلى الدوحة، لتلتقيه فيروز زياني في برنامج «بلا حدود»!

ما جرى هو هزيمة لإنقلاب السيسي، والمنتصر هو قناة «الجزيرة»، ولا ضير فمصر بعد عامين من الانقلاب لم تصبح «أد الدنيا» كما بشر السيسي، ولكن صارت في حجم «عقلة الإصبع»، فتنتصر عليها قناة تلفزيونية ومذيع.

إكبروا، فإن لم تكونوا تمتلكون المقومات اللازمة لتكونوا «كباراً»، فمثلوا «دور الكبير»، فيمكن للسيسي أن يحصل على دورة عند أي شخص من وجهاء الريف المصري، في كيف يكون «كبيراً» بدلاً من الفضائح التي يتغنى بها الركبان والصفعات المتتالية على الأٌقفية، جمع قفا!

سليم عزوز



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.