عالمي دولي

الأحد,14 فبراير, 2016
اليسار الجديد في الغرب يتقوى مع ساندرز وكوربين فاروفاكيس بإعلانه الحرب على المؤسسات المالية الدولية

الشاهد_60٪ من الأصوات حصل عليها بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي الأمريكي التي جرت الثلاثاء الماضي في نيوهامشر، وحقق هذه النتيجة على حساب المرشحة البارزة هيلاري كلينتون المدعومة مؤسساتيا وماليا التي لم تتجاوز 39٪ من الأصوات. تقدم ساندرز بخطابه الاشتراكي الواضح في معقل الليبرالية، تطور لا ينفصل عن عودة الخطاب اليساري في الغرب وخاصة في العالم الأنكلوسكسوني بعدما بدأ في أمريكا اللاتينية، قطار سياسي لم يصل بعد إلى العالم العربي.

في اليوم نفسه، الثلاثاء الذي كان فيه بيرني ساندرز يؤكد متانة خطابه عبر نتيجة الاقتراع المشار إليها، ساعات قبله كانت أوروبا تشهد ميلاد حركة يسارية عابرة للدول وهي «حركة 2025 من أجل دمقرطة أوروبا» التي أسسها وزير الاقتصاد اليوناني الشهير جانيس فاروفاكيس بدعم من مفكرين اقتصاديين كبار ووزراء اقتصاد سابقين في دول الاتحاد الأوروبي منهم وزير الاقتصاد الفرنسي السابق أرنولد موتنبورغ ووزير الاقتصاد الألماني السابق أوسكار لافونتين ووزير الاقتصاد الإيطالي السابق ستيفانو فاسينا والمفكرة التقدمية الشهيرة سوزان جورج وعشرات من أعضاء البرلمان الأوروبي المحسوبين على اليسار.
وهذه الدينامية لا تنفصل عن حركات سبقتها وهي وصول جيرمي كوربين السنة الماضية إلى الأمانة العامة لحزب العمال البريطاني الذي مال كثيرا إلى اليمين مع فترتي توني بلير وغوردون براون، ووصول أحزاب يسارية وبقوة إلى البرلمانات مثل حركة بوديموس في اسبانيا وحزب سيريزا في اليونان الذي يتولى الحكم وظهور قوة خمسة نجوم في إيطاليا.

 

وتبقى فرنسا هي الحالة الشاذة حاليا، لكنها قد تشهد انتفاضة يسارية بعدما تراجع الحزب الاشتراكي بزعامة فرانسوا أولاند نتيحة تبنيه سياسة ليبرالية وأمنية قريبة من الدولة البوليسية بعد الاعتداءات الإرهابية 13 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي التي خلفت مقتل 130 شخصا. ومن المنتظر أن تسجل حركة يسارية جديدة أو تقوية اليسار الراديكالي.

 

والبحث عن عودة اليسار إلى الساحة السياسية بعد عقدين من هيمنة اليمين المحافظ في أعقاب نجاح سيطرة العولمة على العالم لا تعتبر حركة غربية المنبع، وإنما هي امتداد للفكر اليساري الذي تطور في مجموع دول أمريكا اللاتينية منذ أواخر التسعينيات وحتى وقتنا الراهن. وتجلى في وصول اليسار غير الكلاسيكي إلى السلطة في دول مثل فنزويلا مع الراحل هوغو تشافيز وإيفور موراليس في بوليفيا وموخيكا في الأوروغواي وأساسا مع حزب العمال في البرازيل بزعامة الرئيس السابق لولا دا سيلفا.

 

ويبقى التساؤل الجوهري: ما هي الأسباب التي تجعل الفكر اليساري يعود إلى الواجهة الدولية في وقت كان الاعتقاد السائد هو هيمنة الليبرالية ولعقود لاحقة؟
في البدء لا يتعلق الأمر بعودة اليسار الكلاسيكي بشقيه الاشتراكي والشيوعي بقدر ما يتعلق بيسار جديد على مستوى التنظيم، أو بفكر يساري جديد في طرح الملفات الاجتماعية. وعمليا، في أمريكا اللاتينية، تراجعت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية وظهرت أحزاب يسارية من صلب النسيج الاجتماعي والمجتمع المدني واستفادت من يساريين سابقين انضموا إليها ومنحوها زخما كبيرا. مثلا، إيفو موراليس قدم من المجتمع المدني الذي كان نشيطا في قضية الإثنيات، ورئيس الإكوادور إيفو موراليس قدم من المجتمع المدني في نشاطه ضد المؤسسات المالية الدولية.

 

ورغم انتماءه تاريخيا إلى حزب العمال البريطاني، فجيرمي كوربين كان ينغمس في مبادرات المجتمع المدني التي في غالب الأحيان كانت تعارض حتى سياسة حزب العمال عندما كان في السلطة. ولما نجح في قيادة حزب العمال، فقد فعل ذلك بفضل برنامج اعتبره الكثيرون وحتى من بارونات حزب العمال مغايرا للتاريخ السياسي للحزب، أي أنه نقــل تجربة المجتمع المدني إلى حزب العمال.

 

وكان الحزب الديمقراطي ينعت تاريخيا بأنه يساري رغم وجود حزب اشتراكي في الولايات المتحدة، لكن هذا الأخير بالكاد حصل على سبعة آلاف صوت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وكما تكتب المجلة الأمريكية «ذي نايشن» أن انتعاشة الفكر اليساري في الولايات المتحدة تأتي عبر بيرني ساندرز الذي حافظ على استقلاليته ومسافة من الحزب الديمقراطي.

 

والأسباب التي تقف وراء عودة اليسار في أمريكا اللاتينية والغرب هي كالتالي:
-ارتفاع الفوارق الطبقية بشكل ملفت في هذه المجتمعات، حيث ارتفع الدخل الفردي للأغنياء وتراجع ليس فقط بالنسبة للفقراء بل كذلك للطبقة المتوسطة، وعندما تمس مصالح هذه الأخيرة، انتظر التغيير أو الثورة. وبالتالي، فخطاب الحركات السياسية الجديدة لا يركز على دكتاتورية البروليتاريا بل يركز وبذكاء على إبراز هذه الفوارق وكيفية معالجتها من داخل المؤسسات القائمة. ويلتقي خطاب بيرني ساندرز مع كوربين ومع بابلو إغلسياس في اسبانيا حول ضرورة توفير الأساسيات للمواطنين من تطبيب ودراسة، ولكن عبر البرلمان. ويتقدم ساندرز بخطابه حول ضرورة توفير الصحة والتعليم للجميع في أقوى دولة اقتصاديا.

 

-هيمنة المؤسسات المالية والعابرة للأوطان على القرارات الوطنية. وبدء خطاب حركات اليسار الاجتماعي الجديد في أمريكا اللاتينية ضد المؤسسات المالية الأمريكية والبنك العالمي. وتهدف حركات اليسار الأوروبي الحد من هيمنة المفوضية الأوروبية على قرارات الدول في المجال الاقتصادي مثل سياسة التقشف التي فرضتها على اسبانيا والبرتغال وايرلندا وإيطاليا واليونان وتؤدي إلى كوارث اجتماعية. وبالتالي ليس من الغريب أن «حركة 2025 من أجل دمقرطة أوروبا» تتهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالفساد وضرب سيادة الأوروبيين وتنادي بجعل الاتحاد الأوروبي فضاء للشعوب وللديمقراطية وليس للتكنوقراط الماليين. وعلاقة بالولايات المتحدة، يتحدى بيرني ساندرز أشرس معاقل التحكم في هذا البلد وهي مؤسسات وول ستريت المالية، ويتهمها بالفساد والتحكم في مسار البلاد. وشجاعته في الهجوم على معقل الليبرالية جعتله يكسب تعاطف الشباب الأمريكي الذي يصوت عليه بكثافة على حساب هيلاري كلينتون. ولعل أكبر إثم أو زلة ارتكبتها هذه المؤسسات عندما تطاولت وباتفاق مع مجموعة من الأحزاب السياسية المحافظة بل وحتى الاشتراكية الكلاسيكية على التحكم في أساسيات مثل الصحة والتعليم والماء والكهرباء والخدمات الاجتماعية وتحويلها إلى مجال للمضاربة في البورصة.

 

ووسائل الاتصال الجديدة التي تمهد للانفلات من سيطرة الإعلام الكلاسيكي المرتبط بالمؤسسات المالية والمحافظين عموما. ومن ضمن الأمثلة الأخيرة، لم تتردد جريدة من حجم وعراقة «نيويورك تايمز» بالدعوة إلى تصويت الديمقراطيين على هيلاري كلينتون مستغلة تأثيرها في الرأي العام الأمريكي. لكن السطوة والهيمنة المفترضة التي تعتقد «نيويورك تايمز» أنها ما زالت تتمتع بها لم تصمد أمام خطاب وسائل التواصل الجديدة مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب.

 

وظهر مفكرون اقتصاديون يعلنون مرحلة ما بعد الرأسمالية في شكلها الاقتصادي الكلاسيكي الحالي بعدما لم تعد تخدم حتى مواطني المجتمعات الغربية نفسها. ومن أبرز هذه الأسماء مفكرين حاصلين على نوبل في الاقتصاد مثل الأمريكي غوسيب استغليز والفرنسي توماس بيكيتي صاحب كتاب «الرأسمال في القرن 21» الذي يعتبر من أهم الكتب الاقتصادية خلال العقود الأخيرة. ويعمل هؤلاء المفكرون على توجيه اليسار الاجتماعي الجديد بمده بأطروحات عملية وواقعية ترمي إلى إعادة توزيع الثروات في الدول الغربية والعالم.

 

وبينما تجري هذه التطورات في العالم، يبدو أن القــطــار الســـياسي لليسار الاجتماعي الـجـــديد لم يصـــل بعد إلى العـــالم العربي رغـــم وجـــود مجتمعات مدنية نشيطة مثلما هو الحال في دول مثل المغرب والجزائر وتونس.
الآن هناك بابلو إغلسياس، وجيريمي كوربين وبيرني ساندرز ويانيس فاروفاكيس ورافائيل كوريا، فمتى سينضم اسم عربي للائحة؟

 

 

د.حسين مجدوبي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.