مقالات مختارة

الخميس,3 سبتمبر, 2015
الفضيحة الصحافية الفرنسية

الشاهد_«ما الذي تريده»؟ سأل المحامي.
ـ أريد ثلاثة.
ـ ثلاثة ماذا، ثلاثة آلاف؟، تساءل المحامي.
لا، ثلاثة ملايين.
ـ ثلاثة ملايين درهم؟
ـ لا ثلاثة ملايين يورو».
هذا ما نشرته صحيفة «جورنال دي ديمانش» الفرنسية استنادا إلى تسجيل صوتي عما جرى بين هشام نصيري المحامي المغربي الذي يمثل القصر الملكي والصحافي الفرنسي إيريك لوران وزميلته كاترين قراسيي اللذين كانا بصدد إعداد كتاب مزعج للغاية عن ملك المغرب. ووفق الرواية المعلنة في باريس فإن هذا المبلغ طلبه الصحافي من المحامي لقاء التعهد بعدم نشر هذا الكتاب، فيما يقول هو وزميلته بأن العرض جاء من المغرب أصلا.

ومهما يكن من أمر سيتضح غموضه لاحقا عند بت القضاء الفرنسي فيما إذا كان «إبتزازا» من الصحافيين، كما هو الاتهام حاليا، أم «عرض إفساد» من البلاط الملكي المغربي لذمة الصحافيين الشهيرين، فإن الأكيد أن «ترتيبا ماليا» ما جرى بحثه بين الطرفين، و أن كل صحافي قبض مبلغ أربعين ألف دولار كدفعة على الحساب مقابل ورقة موقعة من الثلاثة بــ»عدم نشر أي شيء عن المغرب» وهو ما تم ضبطه عند الصحافيين عند إلقاء القبض عليهما متلبسين، قبل أن يطلق سراحهما بكفالة مع منعهم من السفر وإخضاعهما لرقابة قضائية في انتظار الإحالة على المحكمة.

صدمة حقيقية سادت الأوساط الإعلامية و الثقافية الفرنسية، مع تصريحات اتسمت بالحذر الشديد في الحكم على ما فعله الصحافيان، أما في المغرب فالتعليقات على الحدث تفوقت في أهميتها، حسب «لوموند» على أجواء الانتخابات البلدية و المحلية الحالية مع مسحة تشهيرية شامتة بهذين الصحافيين الذين سبق لهما عام 2012 نشر كتاب قاس عن الملك محمد السادس. لكن إذا ما نحينا كل ذلك جانبا، فإن أبرز ما وجب التوقف عنده هو ما قاله الصحافيان في الدفاع عن نفسيهما و إلى أي مدى يمكن أن يستقيم، من وجهة نظرهما، سواء من الناحية القانونية أو من زاوية أخلاقيات المهنة.

«لوموند» أجرت لقاء مع إيريك لوران لم ينف فيه وجود ترتيب مالي لكنه قال إنه كان «مقترح» الرباط وليس مقترحه وإنه قبل به لاعتبارات شخصية ولعدم «زعزعة استقرار المغرب». هذه الاعتبارات قد تكون الأرجح مرض زوجته الذي لم يتردد في التصريح به في نفس المقابلة بالقول إن زوجته «تعاني سرطانا تمكن من كامل جسدها و أن وضعيتها تزداد سوءا رغم كل العمليات والعلاجات المختلفة». ويضيف أنه رغم قبوله العرض المالي إلا أنه رفض تزويد المحامي ممثل القصر بقائمة بأسماء مصادره في المعلومات الواردة في الكتاب كما طالب هذا الأخير.

اللافت أن لوران لم ير فيما قام به إساءة إلى المهنة واصفا ما فعله بأنه «غواية و ليس ابتزازا» و بأنه رأى أن كتابا إضافيا أو ناقصا لن ينتقص شيئا من مسيرته، معتبرا أن ما يمكن أن يكون فعلا إساءة للمهنة هو مساومته بالكتاب بالقول «إما أن تدفعوا لي كذا أو أنشره»و «هذا ما لم يكن عليه الحال أبدا».

أما كاترين قارسيي فقد تحدثت إلى صحيفة «لوباريسيان» مقرّة أنها «وقعت في فخ» و أن زميلها أعلمها بأن المبلغ المعروض هو مقترح مغربي وأن هذا المقترح جعلها ممزقة بين «الملاك فيها و الشيطان و لم أكن أدري ماذا أفعل» و أنها «لم تفكر في ترك الكتاب لكنها قالت لنفسها إذا قبلت هذا المبلغ فإن حياتي ستتغير». وانفجرت الصحافية باكية وهي تعترف بأنها «تركت نفسها عرضة للإغواء فالضعف إنساني.. أليس كذلك؟

كل إمرىء يتساءل ما الذي يمكن أن يفعله بحياته بمليوني يورو. تخيل ذلك… و كل هذا من أجل التنازل عن كتاب و ليس من أجل قتل إنسان..». و في مقابلة أخرى مع إذاعة «آر تي أل» وصفت قارسيي ما جرى بأنه «اتفاق خاص» فالكتاب « كتابي، عملي، من حقي نشره أو عدم نشره» معترفة في النهاية بأنها « لم تكن حذرة بما يكفي» و أنها «لم تتخيل أبدا أنهم (المغاربة) كانوا يريدون الإطاحة بنا إلى هذا الحد».

و في انتظار جلاء الحقيقة كاملة يمكن القول إن «غلطة الشاطر بألف» مهما كان درجة هذه الغلطة التي سيكشفها القضاء لكن اللافت أن كلا الصحافيين أعلنا أنهما باتا مقري العزم الآن على نشر هذا الكتاب بعد كل ما حصل. لا أحد يدري الآن ما إذا كان هذا الكتاب الزوبعة حتى قبل نشره، سيرى النور وهما وراء القضبان.. أم خارجها.

 

 

محمد كريشان



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.