سياسة - فيديو - وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,15 سبتمبر, 2015

الجزائر تتساءل: كيف استطاع بوتفليقة المريض إبعاد جنرال الاستخبارات الأسطوري؟

الشاهد_أفاقت الجزائر أمس الاثنين من دون وجود الجنرال توفيق في مكتبه لأول مرة منذ 25 عاما، فمن كان يوصف بصاحب «السيجار» أو «رب الدزاير (الجزائر) بدأ أول يوم له في التقاعد، ورغم أن كثيرين لم يستفيقوا بعد من هول الصدمة، الا أن تساؤلات كثيرة بدأت تطرح عن «ما بعد الجنرال توفيق»، وعن خلفيات الإقالة الأكثر شهرة في تاريخ الجزائر الحديث.

قرار إقالة، أو استقالة، توفيق ليس مجرد قرار عادي، والأكيد أن مرحلة جديدة قد بدأت أمس، وأنه عندما سيكتب تاريخ هذه المرحلة سيُتكلم عما قبل وعما بعد الجنرال توفيق، واسمه الحقيقي محمد مدين. الجنرال توفيق يعتبر الشخصية الأكثر غموضا في تاريخ النظام الجزائري، استطاع أن ينسج حول نفسه أسطورة حقيقية، إلى درجة أن الكثير من الجزائريين ظلوا إلى غاية أمس الأول مقتنعين بأن الجنرال توفيق شخصية خيالية، والبعض الآخر كانوا يعتقدون أنه توفي منذ سنوات، والقلة فقط من كانت تؤمن بأن الرجل موجود فعلا، ويمارس مهامه بشكل عادي، وأقلية الأقلية فقط من رأته وجها لوجه وتعاملت معه، هذا الغموض الذي فرضه الجنرال توفيق على نفسه وحوله جعل الناس منقسمين بشأنه، فبعضهم يرى أنه مسؤول عن كل الكوارث التي وقعت في البلاد منذ وصوله إلى قيادة جهاز المخابرات، بدليل أنه كان يسمى «صانع الرؤساء»، والبعض الآخر مقتنع بأن الفريق مدين رجل وطني ومخلص ومجاهد، وأنه على خلاف الكثيرين نظيف اليد، وأنه كان يحارب الفساد ما استطاع.

وبما أن وقت الحساب لم يحن بعد، فإن تساؤلات ملحة بدأت تطرح نفسها، أولها وأهمها كيف استطاع الرئيس بوتفليقة إبعاد الجنرال القوي الذي بقي لربع قرن في منصبه، كيف نجح وهو مريض، فيما عجز عنه وهو بكامل قواه الجسدية؟ ومن هذا السؤال تتفرع أسئلة أخرى، مثل هل الجنرال توفيق أُقيل أم استقال أم استقيل (دفع إلى الاستقالة)؟ وهل هناك عوامل خارجية ساعدت على التخلص من قائد جهاز الاستخبارات القوي؟ ثم هل يأتي رحيل الفريق توفيق في إطار رحيل جماعي لم تكتمل جميع مراحله؟ أم أن الأمر يتعلق بانتصار فريق على فريق آخر؟ والسؤال الأهم هو ماذا بعد؟ ماذا سيكون مصير جهاز المخابرات؟ وما هي انعكاسات التخلص من تناقض كان يعطي متنفسات كثيرة في المجتمع؟ كما أن إبعاد توفيق يفتح الباب لإعادة تشكيل واجهة المؤسسة العسكرية.

الرواية الرسمية تقول إن إبعاد توفيق وإحالته على التقاعد تأتي في إطار التشبيب وأقلمة المؤسسة العسكرية مع التطورات والتحولات التي تعيشها الجزائر والعالم بأسره! لكن الإشكال هنا في خليفة الجنرال توفيق، لأن اللواء طرطاڤ متقاعد وبالتالي هو يعتبر مدنيا الآن، في حين أن منطق الاستعانة بالشباب كان يفرض الإتيان بضابط شاب (نسبيا) من داخل جهاز المخابرات نفسه.

الاعتقاد أن ما حدث أمر طبيعي فيه الكثير من التجاهل لمؤشرات صراع في الكواليس لم يتمكن أصحابه من الحفاظ عليه من دون صوت وصورة، بل خرج إلى العلن منذ 2013، فإخراج توفيق من الكواليس إلى النور أفقده الكثير من قوته، بالإضافة إلى عوامل أخرى بعضها معلوم وبعضها لم يتضح بعد.

الأكيد وسط كل هذه التساؤلات أن الجنرال توفيق خرج من الباب الكبير، فهو يدفع (ولو ظاهريا فقط) ثمن رفضه الولاية الرابعة وللفساد المستشري في البلاد وفي أجهزة الدولة، وهذا الخروج من الباب الكبير يجعل البعض يتساءل إن لم يكن كل هذا «ضربة معلم». في المقابل يتحمل الفريق مدين، بالنسبة للكثيرين، مسؤولية كبيرة في الوضع الذي آلت اليه البلاد، بل إن البعض يحمله مسؤولية المصير الذي آل اليه، وعدم قيامه بأي مبادرة في الوقت الذي كان ذلك متاحا، والأكيد أيضا (إلا إذا حدثت معجزة) فإن توفيق لن يتكلم ولن يدافع عن نفسه أو حصيلة تسييره لجهاز المخابرات وللبلاد لسنوات طويلة.

واللافت للانتباه في تعاطي وسائل الاعلام الجزائرية مع منطق «مات توفيق يحيا طرطاڤ»، فمباشرة بعد تنحيته بدأت صور الجنرال توفيق تنشر وتنتشر وبغزارة، ففي ساعات نشرت له صور وفيديوهات لم تنشر طوال ربع قرن، في المقابل اكتشف الرأي العام أمس أن الصور المتداولة منذ سنوات للواء عثمان (بشير) طرطاڤ ليست له وأن شكله مختلف عن الصورة المتداولة، وهذا من دون ان تنتبه أو تُنبه الصحافة لخطئها في الشخص، وهذا دليل آخر على سياسة لا أُريكم إلا ما أريد!



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.