سياسة - وطني و عربي و سياسي

الأحد,13 سبتمبر, 2015
يُعارض إسرائيل والأغنياء؛ جيرمي كوربن رئيسًا لحزب العمال البريطاني

الشاهد_«حان الوقت ليقدّم حزب العُمَّال اعتذاراته إلى الشعب البريطاني لجرِّه إلى الحرب في العراق على أساس كذبة وإلى الشَّعب العراقي على المعاناة التي ساهمنا في التسبّب بها» *كوربن في مقابلة له مع الغارديان.

أعلن اليوم حزب العُمَّال – ثاني أكبر حزب في بريطانيا – عن رئيسه الجديد؛ الرجلِ ذي الـ 66 عامًا، الذي يركب درَّاجة نارية ويزرع الورود في حديقته بنفسه، صاحب الملابس الكلاسيكية واللحية على وجهه؛ جيرمي كوربن. ورغم أنّ الانتخابات تخص الدَّاخل البريطاني وحدَهُ، لكنّ الإعلام العالمي سلَّطَ الضوء منذ فترة بعيدة على الرجل، عملت الحملات الإعلامية لتشوييهِه منذ أعلَنَ عن ترشُّحه لرئاسة الحزب. خرجت مراكز استطلاع الرأي بنتائجها التي توقعت فوزه لكنها لم تتوقع نسبة فوزه التي وصلت 59.5% رغم وجود ثلاثة مرشحين أقوياء منافسين له. لماذا كل هذه الأهمية التي ينالها الرجل من وسائل الإعلام ومن السياسيين البريطانيين، الذين وإن دلت انتقاداتهم للرجل الكثير الصمت والغامض على شيء؛ فإنما تدل على بعض القلق والخوف من وصوله لرئاسة الوزراء.

أولًا: ما هي أهميَّة حزب العُمَّال في بريطانيا؟

جاءت الانتخابات للحزب بعد استقالة رئيسه إد ميليباند بسبب فشله في الفوز بعدد المقاعد المتوقع من الحزب في الانتخابات البرلمانية مايو الماضي، كما مُني الحزب بخسارة لم تكن متوقعة أبدًا في معقله بأسكتلندا. خسارة الحزب جاءت خبرًا طيبًا للحزب الحاكم، حزب المحافظين. فقد فاز المحافظون بإجمالي 330 مقعدًا من أصل 650، الأمر الذي جعله يشكل الحكومة منفردًا دون أيَّة تحالفات.

يعتبر حزب العمال ثاني أكبر حزب في بريطانيا، حيث كان الحزب يتقاسم تشكيل الحكومات بينه وبين حزب المحافظين الحاكم حاليًا. يصنَّف الحزب ضمن يسار الوسط، ويرجع تاريخ تأسيسه للعام 1900 حين تم تكوين لجنة للعمال في البرلمان. بالجملة اتخذ الحزب خطًا يساريًا، تقلَّبت ميوله ومواقفه بناءً على القيادة والفترات الهامة في تاريخه؛ فمثلًا بينما كان توني بلير رئيسًا للحزب ووصل لرئاسة الحكومة، كان اليسار داخل الحزب معارضًا لسياسات بلير وخاصة لموقف بريطانيا المشارك في غزو العراق (2003) ومواقفها التعاونية مع إسرائيل.

تولَّى الحزب الحكومة مرارًا، وكان التنافُس يرتفع في بعض اللحظات مثل فترات الثمانينيات والتسعينيات من بعدها أثناء صعود حزب المحافظين بقيادة مارجريت تاتشر. جيرمي كوربن هو الزعيم الرابع والعشرون للحزب، بينما صعد 6 رؤساء للحزب إلى قمة هرم السلطة في بريطانيا برئاستهم للوزراء، فهل يفعلها جيرمي أيضًا؟

ثانيًا: أعطني نبذة عن جيرمي كوربن الرئيس الجديد للحزب؟

«إنَّه يريد إعادة تأميم شبكة القطارات وإعادة فتح مناجم الفحم. عالميًا، هو مسالم يدعو إلى نزع الأسلحة النووية بشكل أحادي الجانب ويعتبر داعمًا للفلسطينيين والعالم الثالث. للعثور على مرشح بهذه المواصفات، على المرء أن يعود إلى بداية سنوات السبعينيات إلى الأرستقراطي اليساري طوني بين الذي يعتبره معلمه الروحاني، أو مايكل فوت الذي خسر أمام مارغريت تاتشر في العام 1983، والذي اعتبر خصومه برنامجه السياسي “أطول كتيب تعليمات للانتحار في التاريخ”». *إيلي بارنافي المؤرخ والمحلل الإسرائيلي.

عمر كوربن 66 عامًا، من مواليد 1949 في تشيبنهام، منذ عام 1983 وهو نائب برلماني عن دائرة إيلنغتن نورث اللندنية. من المعروف عن كوربن أنه لا يتعاطى الكحول، كما يتنقل على دراجة هوائية ويقوم بزرع حديقته بنفسه، كل هذه الصفات الشخصية تخفي وراءها يساريًّا شرسًا من الطراز القديم. حتى أنّ بعض مهاجميه ظلوا يكررون أنَّهُ ينتمي لحقبة الثمانينيات، تعريضًا بالحقبة التي وقع الحزب خلالها في فترة من الصِّراع على الأيديولوجية الحاكمة للحزب.

كما يُعرَف كوربن بعدة مواقف تُخيف السياسيين في بريطانيا كما تُخيف غيرهم من السياسيين الأوروبيين؛ كونه يسعى لإلغاء سياسات التقشف وزيادة الضرائب على الأغنياء والشركات كما يريد أن يعيد تأميم قطاعي الطاقة والسكة الحديد. المعارضة لكوربن ليست فقط من اليمينيين والمحافظين في بريطانيا، وإنَّما من قادة تاريخيين لحزب العمال مثل توني بلير الذي حشد ضدّ كوربن. مع المعروف عن كوربن معارضته لبلير نفسه عندما كان رئيسًا للوزراء.

بصُعُود كوربن يخشى معارضوه من حزب العمال أن يظلّ الحزب الكبير على مقاعد المعارضة وأنه لن يقوم بتشكيل الحكومة القادمة، لأنّ رئيس الحزب الحالي ينتهج سياسات يسارية وصفُوها بالمتطرِّفة. الجدير بالذِّكر أن الحملات الإعلامية على كوربن بدأت حين أعلن ترشحه لرئاسة الحزب، الرجل لا يجيد الحديث الكثير أمام وسائل الإعلام كما لا يمتلك كاريزما الزعماء والقادة. هذه أبرز صفات الرجل التي تناولتها وسائل الإعلام.

ثالثاً: ما هو موقفه من العرب؟ والمسلمين؟ وقضايا الشرق الأوسط؟

«إن المملكة المتحدة لديها علاقة وثيقة جدًا مع إسرائيل، بما في ذلك بيع وشراء الأسلحة، وحان الوقت أن نغير هذه العلاقة ونضع حدًا لإسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب خلال قصف غزة. وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني من الدكتور مادس جيلبرت، التي تعمل في مستشفى الشفاء، وقد جلبت الدُّموع لعينيّ عندما كانت تصف بركًا من الدماء، وقطعًا للتيار الكهربائي ونقص المياه النظيفة وزيادة مستمرة من القتلى والجرحى والمصابين في المستشفى.» * جيريمي كوربن في الرسالة التي وقع عليها سياسيون بريطانيون لرئيس الوزراء لحثه على حظر التعامل العسكري مع إسرائيل احتجاجًا على اعتدائها على غزة.

كوربن يتحدَّث عن حماس، كما يعتبر أنَّه من الهام جدًا أن تدخل طرفًا في أي اتفاقيات سلام.

من المعروف عن جيرمي كوربن اتخاذه مواقفَ مغايرة للسائد في بريطانيا وللنخبة الحاكمة هناك من عدة قضايا متعلقة بالشرق الأوسط. فقد صوَّت كوربن سابقًا في البرلمان البريطاني لصالح الاعتراف بدولة فلسطين. كما صرَّح بأن حماس قد وصلت للسلطة وفقًا لانتخابات شرعيَّة ولا يمكن الحديث عن أي عمليَّات سلام مرتقبة دون الحديث مع حماس وجعلها طرفًا في المفاوضات. نفس الموقف بالنسبة لحزب الله. الجدير بالذكر أن حماس وحزب الله أدرجا كحركتين إرهابيتين في بريطانيا. كما أن لدى كوربن أصدقاء في اليسار الإسرائيلي المتبني لعملية السلام وفقًا لتصريحاته. كانت هذه أبرز الانتقادات التي وجهتها له بعض وسائل الإعلام اليمينية والصحافة الإسرائيلية.

كما أن كوربن عضو في حملة التضامن مع فلسطين وعدة منظمات أخرى تدعو للتسامح العالمي ونزع السلاح النووي، وحتى من طرف واحد. كما يمتلك كوربن موقفًا متسامحًا تجاه المسلمين واليهود ويعتبر أن العنصرية تجاههم قد خفتت بعض الشيء في أوروبا عمومًا. ما يسعى إليه كوربن هو بناء بريطانيا متعددة الثقافات تدعم الجميع.

أثناء حرب العراق عارض كوربن بشدة رئيس حزبه توني بلير، كما توعَّد أنه سيعتذر لمواطنيه عن حرب العراق التي دخلتها بريطانيا بناءً على كذبة أن هناك أسلحة دمار شامل بالعراق، كما قال أنه سيقدم اعتذاره للشَّعب العراقي على المعاناة التي أسهمت بريطانيا فيها. موقفه الأخير متعلق بموقفه من نظام الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، الذي يمارس عمله بطريقة معادية لحقوق الشعب المصري وفقًا لكوربن، كما يعترض على وضع الرئيس السابق المنتخب محمد مرسي في السجن، وفقًا لتعبيره.

رابعًا: السؤال الحاسم؛ هل سيفوز برئاسة الوزراء؟

«نحن نغير السياسة في بريطانيا، ونتحدى الفكرة القائمة على أنَّ المسائل الفردية وحدها هي المهمَّة، ونقول في المقابل أنَّ المصلحة المشتركة هي مطلبنا». *جيرمي كوربن

لا يمكن توقُّع أن يفوز كوربن برئاسة الوزراء القادمة، وأغلب تحليلات المحللين تذهب ناحية هذا الرأي، كما أن أحد أكبر انتقادات معارضيه من داخل الحزب أنهُ بهذا سيجعل حزب العمال على مقاعد المعارضة طيلة فترة وجوده رئيسًا للحزب. السبب الرئيسي في رأي منتقديه؛ أنَّهُ يحمل برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا راديكاليًّا للغاية لا يتماشى مع السياسات البريطانية، ولا حتى مع أيديولوجيا الحزب الذي تبنى الديمقراطية الاجتماعية منذ وصول توني بلير لرئاسته وحتى هذه اللحظة. لكنّ السؤال سيكونُ متاحًا لكوربن: هل يستطيع أن يفاجئ الجميع برئاسة الوزراء القادمة كما فاجأ الجميع برئاسته للحزب؟ الرجل الصامت لديه الكثير ليخوضه.

خامسًا: هل سيكون هناك تأثير في أوروبا بفوز اليسار؟

«لا يمكنكم الفوز من خلال اعتماد برنامج على يسار اليسار». *توني بلير

بشكلٍ عام يشهد اليسار في أوروبا صعودًا مشهودًا خلال السنتين الماضيتين؛ فخلال الشهور الماضية استطاع حزب سيريزا اليوناني الراديكالي الوصول لرئاسة الوزراء رغم التحديات التي واجهته، بوديموس في إسبانيا حصد قرابة الـ 20% من الأصوات في الانتخابات البلدية في مايو الماضي. كان المحكّ الأوَّل لبوديموس؛ في الانتخابات الأوروبية التي دخلها وفاز بخمسة مقاعد من أصل 54 مقعدًا، كان حينها لم يمر على تشكيل الحزب خمسة أشهر فقط.

القائمة لا تنتهي هنا؛ فقد فاز التيَّار اليساري في أيرلندا بنسبة 20%، وفي البرتغال حصل التيار اليساري على 17%. لا يمكن الحديث عن إطار يجمع حركات اليسار في أوروبا جميعًا، لكنّ الصعود المشهود لليسار في أوروبا يعني الكثير، ربما يتناوله الباحثون والمحللون بالتشريح والتحليل، وربما ستشهد أوروبا تغيرًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، فإذا وصل كوربن لرئاسة الوزراء، ستعتبر مفاجأة من النوع الثقيل للنخب الحاكمة في بريطانيا وأوروبا!



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.