كتّاب

الخميس,13 أكتوبر, 2016
يوم خدع العراق الأمم المتحدة من أجل تونس

عشرات القصص تمر عليّ يومياً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو قراءة مقتطفات من بعض الكتب أو أثناء مجالستي كبار السن والمثقفين المخضرمين الذين أستمتع بالحديث معهم ولكن هذا الأسبوع أبهرتني قصة سمعتها من أحد المخضرمين فبحثت عنها وأحببت مشاركتكم معرفة تفاصيلها.

عام 1954 كانت تونس أسيرة تحت الانتداب الفرنسي حتى عام 1956 وهو عام استقلالها، كانت فرنسا تسيطر بصورة مطلقة على كافة شؤون تونس وكانت تتحدث عن تونس نيابة عنها في المحافل الدولية والأمم المتحدة، وفي تلك الفترة ذهب الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الدستوري الجديد في تونس والذي يحارب الاستعمار الفرنسي من أجل الاستقلال إلى نيويورك وكان الدكتور فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق في ذلك الوقت، كان يتمنى الحبيب بورقيبة عسى أن يفلح في عرض قضية تونس أمام المجتمع الدولي واستقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وحاول الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة إلا أن حراس المبنى منعوه كونه رئيس حزب ولا يحمل صفة رسمية لحضور اجتماعات الأمم المتحدة، وحاول بورقيبة إقناع الحراس جاهداً عسى أن يدخل إلى مبنى الأمم المتحدة إلا أنهم لم يسمحوا له بالدخول، وفي هذه الأثناء مر الدكتور فاضل الجمالي والوفد العراقي فتساءل عن سبب الضجيج قرب مدخل الأمم المتحدة وأخبروه أن رئيس الحزب الدستوري التونسي الحبيب بو رقيبة يحاول الدخول إلى قاعة اجتماعات الأمم المتحدة إلا أنه مُنع كونه لا يحمل صفة رسمية.

بعد انتهاء خطابه توجه بورقيبة إلى الدكتور فاضل الجمالي وقال له “لا أنا ولا بلدي تونس سننسى لك صنيعك هذا”.

استدعى الدكتور فاضل الجمالي الحبيب بورقيبة وقال له “أنت ستدخل إلى مبنى الأمم المتحدة بصفتك عضوا في الوفد العراقي” والتفت إلى أحد اعضاء الوفد ورفع شارة كتب عليها وفد العراق من أحد الأعضاء ووضعها على صدر الحبيب بورقيبة وقال له أنت الآن أحد أعضاء الوفد العراقي ولن يستطيع أحد أن يمنعك من الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة، فدخل بورقيبة مع الوفد العراقي وتحدث الجمالي أمام الأمم المتحدة بصفته رئيس الوفد العراقي وبعد فترة قليلة قال: سأحيل الميكرفون إلى أخي الحبيب بورقيبة للتحدث باسم دولة تونس الحرة، وهنا ساد الصمت في القاعة وغادر الوفد الفرنسي قاعة الاجتماعات إثر إعلان الجمالي بهذا التصريح الخطير معبراً عن معارضته لهذا التصرف، استلم بو رقيبة الميكرفون وألقى خطاباً حماسياً بطولياً نال استحسان الحاضرين وإعجابهم ووقف الجميع يصفق ويحيي هذا البطل القومي، وبعد انتهاء خطابه توجه بورقيبة إلى الدكتور فاضل الجمالي وقال له “لا أنا ولا بلدي تونس سننسى لك صنيعك هذا”.

وبعد سنتين من هذه الحادثة أي في العام 1956 حصلت تونس على استقلالها من الاستعمار الفرنسي بفضل المبادرة الجريئة والشجاعة من الدكتور محمد فاضل الجمالي رحمه الله وأصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس لها.

فاضل الجمالي.. أحد الموقعين على تأسيس الأمم المتحدة، في عام 1995 وبمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة تم إرسال له دعوة حضور خاصة بالمؤسسين فقط، كتب لهم رسالة قال فيها أن الأمم التي تحاصر بلدي وتقتل الأطفال والعجزة وتصنع الموت لن أحضر احتفالها رغم أن الرجل كان مقيم خارج العراق وليس له علاقة بالحكومة وقتها.

وبعد سقوط الحكم الملكي في العراق عقب أحداث تموز عام 1958 تم إحالة الدكتور محمد فاضل الجمالي إلى محكمة الثورة في زمن عبد الكريم قاسم وسجن الجمالي حتى عام 1961 فلما أفرج عنه بعد مناشدات دولية وإقليمية توجه الجمالي إلى تونس حيث رحب به الرئيس بورقيبة وفاءا لموقف الجمالي المذكور أعلاه وأراد بورقيبة أن يمنحه راتبا فرفض الجمالي وأراد أن يحصل على راتبه من عرق جبينه فعمل أستاذا في إحدى الجامعات التونسية وأطلق بورقيبة اسم فاضل الجمالي على أحد شوارع العاصمة التونسية وعمل هناك بكل احترام وتقدير حتى توفي فيها.

هذه المواقف العروبية التاريخية يجب أن لا تُنسى أو نسمح للسنين تهميشها ويجب أن نستذكرها ونتداولها باستمرار، فتاريخنا مشرف، وحاضرنا وللأسف محزن ولا يوجد فيه حسنات تُذكر، فالعراق ينزف يومياً بصمت منذ سنين عجاف وسوريا تُقتل منذ سنوات بموافقة الجميع واليمن تعيش حرباً وانقساما مجتمعياً خطير وليبيا لا تعلم أين بوصلة الصواب ومصر تعيش ليومها لا لغدها، فوطننا العربي على شفى حفرة من جحيم ومستقبلنا أوشك الوصول إلى المجهول.