كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الخميس,25 يونيو, 2015
يؤيدون السيسي بتزييف الواقع

الشاهد_مرّ عام على حكم عبد الفتاح السيسي ، احتفت به وسائل الإعلام المصرية، وربما يكون التطبيل والتهليل الذي ناله يفوق ما كان يصدر منها لنظام الرئيس المخلوع، حسني مبارك.

لم تعرف الحقبة الناصرية ذات المشهد الاحتفالي، على الرغم من الفارق الكبير بين قيمة جمال عبد الناصر وأدائه ومواقفه الاجتماعية والسياسية الوطنية.

اختلفت الصحف ما بين الانتماء إلى قومية أو خاصة، إلا أنها تبارت كلها في تقديم القرابين لنيل رضا الرئيس.

هم يعلمون جيداً أننا في أزهى عصور التملق، وأن دولة الفرد التي تتأسس الآن في مصر، من دون أي مؤسسات، تحتاج إلى دعاية مكثفة لتبقى وليبقى نظام الحكم، بعدما ظهر تململ قطاعات شعبية من سياسات النظام.

تخصص صحيفة الأهرام ملفاً دعائياً من 30 صفحة، تحت عنوان “البداية”، لم يختلف محتوى ملف “الأخبار” بعنوان “رجل الأقدار”.

بينما جاءت الصحف الخاصة بملفات أكثر ابتكاراً ،حيث اختارت “الوطن” أن تضع في ملفّها سبع صور، لتصف الحاكم ذا الوجوه المتعددة. في السابق، لم يكن مقبولاً أن يكون الإنسان “بوجهين”، لكن عبقرية السيسي الذي يتعلم منه الفلاسفة وزعماء العالم، ويرى نفسه طبيب الأطباء، على حد قوله، لا يمكن أن يفهم ويدرك مقامه وقدراته إلّا من خلال سبع صور للحاكم.

اتخذت الدعاية والاحتفاء بعام السيسي الأول في الحكم منطلقات عدة، أبرزها أن “السيسي ثوري حرّر الشعب وخلّص الوطن من حكم الإخوان”، تلك العبارة التي لا يجد أنصاره غيرها لتمجيده. ينسى هؤلاء، ومعهم بعض النخب، أن الشعوب هي من تقرّر مصيرها، وهي من تنزل إلى الشوارع، لتقرر مصيرها، حتى تحقق التغيير الذي تريده، وينسى هؤلاء، أيضاً، أن تفاهمات كانت قائمة بين الإخوان والمجلس العسكري منذ بداية الثورة.

أمّا ثاني تلك المنطلقات الدعائية فهو الركون إلى مقولة أن السيسي يمتلك شعبية كاسحة منذ 30 يونيو/حزيران، وهي ولدت لتبقى، وأثبتت نفسها عندما فاز السيسي بنسبة أصوات عالية.

ما زالت أغنية “الشعبية” تغنّى، وكأن مصر وأهلها نسوا كيف تم مدّ فترة الانتخابات، وكيف كانت لجان الاقتراع تبحث عن المصوتين، في ظل نسب تصويت منخفضة في أوساط الشباب.

وينسى هؤلاء أن مشهد تلك الانتخابات كان صادماً، واستدعى أداء هستيرياً من مؤيدي النظام، في وسائل الإعلام، وراحوا يرجون الشعب للتصويت وإنقاذ مصر، فقد تصوّر هؤلاء المؤيدون من النخب وبقايا نظام حسني مبارك أن من خرجوا ضدّ “الإخوان” سوف يشاركون بالضرورة في زحف مقدّس لتأييد السيسي.

ينسى هؤلاء، أو يتناسون، حين يدعون أن السيسي يحقق استقلالاً وطنياً، ويتحرر من التبعية، أن التحرر من التبعية وتحقيق استقلال وطني لا ينفصلان عن قضية مركزية، هي تشجيع استثمارات الدولة، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وكذلك التخلي عن المعونات والقروض، ومنها المعونة الأميركية التي ما زالت مستمرة.

يدعم هؤلاء سعي النظام إلى الاستقلال الوطني، على الرغم من أن منطلقاته والخطاب الرسمي يؤكد على العلاقات الاستراتيجية مع مسؤولي صندوق النقد والبنك الدوليين.

هذا فضلاً عن ذهاب مسؤولي النظام بعيداً في تطبيق وصفات الإصلاح التي يقترحانها، من دون تفاوض، على الرغم من دعوتها إلى تعزيز التقشف في بلد ينضح فقراً وبؤساً.

فعن أي استقلال يتحدثون، وبأي منهج يفصلون بين السياسات الاقتصادية المطبّقة في مصر وقضية التحرّر من التبعية التي أبرز وجوهها التبعية الاقتصادية؟ وعن أي استقلال يتحدث هؤلاء في ظل وجود مصر ضمن تحالفات عسكرية خارجية، ترهن مساعدات دول الخليج بتسهيل فرص الاستثمار.

ليس ذلك فحسب، بل إن بعض القوانين الاقتصادية التي يصكّها السيسي لا يقرّها إلا بموافقة بعض دول الخليج. عن أي استقلال يتحدث هؤلاء، هل مصر العظيمة التي تهان اليوم، وتمرر فيها القوانين، عن أي استقلال وطني يتحدثون، ومصر تستخدم لمصالح المانحين؟

يتحدث هؤلاء أيضاً عن نشاط الرئيس وزياراته لروسيا والصين وألمانيا، وكأن تلك الزيارات إفلات من التبعية، وكأن مصر لم تعرف قبل السيسي علاقات مع تلك الدول، وكأن تلك الزيارات تعبّر عن تطور نوعي في العلاقات الخارجية، وتطور سيحقّق الاستقلال الوطني المنشود! ينسون هؤلاء أن السيسي يكرس وجوده في الحكم بتلك الزيارات.

يقيم بعض المنتمين إلى النخبة التعيسة أداء السيسي، على أساس أن هناك “تناقضاً أساسياً” مع جماعة الإخوان المسلمين و”تناقضاً فرعياً” مع النظام، وبالتالي، لا يعود السيسي، بما يمثله نظامه من مصالح اقتصادية وممارسات سياسية، في تناقض معهم، بل لا بد من مساندته في مواجهة “الإخوان”.

ينطلقون في خيارهم هذا من مساندة السلطة، لا مطالب الشعب، والفارق كبير والقياس خاطئ، فليس كل من يعارض السيسي إخوانياً، وليس كل من يعارض السيسي أيضا ثورياً.

لكن، بالتأكيد كل من يؤيد السيسي يؤيد خيار دولة الفرد المستبدة، ودولة التقشف والنمط الاقتصادي المتوحش، يختار هؤلاء تأييد النظام، لا الضغط عليه، لكسب مساحات من الحرية وتحقيق مطالب العدالة الاجتماعية، ولكن فشلا في إيجاد البدائل، ورعباً من المستقبل الذي لن يكونوا فيه.

لذا، قضايا الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مؤجلة، أو قل ليست مهمة، ولا تعنيهم حتى يتم القضاء على الإرهاب.

وإذا كان ما سبق يندرج ضمن منطلقات بعض الأطراف السياسية، فإن منطلقات رجال النظام ومؤيديه في تقييمهم حكم السيسي تعبّر عن مصالحهم المباشرة.

وهؤلاء هم الأكثر اتساقاً مع أنفسهم، لأنهم بتأييدهم النظام الحاكم يدافعون عن طبقتهم ومصالحهم الاقتصادية التي يساندها النظام ويرعاها، تلك المساندة التي عبرت عنها مجمل القوانين الاقتصادية التي صدرت في العام الماضي.

هؤلاء مستعدون للدفاع عن النظام بكل ما لديهم، ومستعدون للانخراط في مواجهة عنيفة ضد من لم يرضخ، ويمارس فعلاً احتجاجياً.

يغيب عن التقييمات الدعائية، على تنوع مصادرها، سؤال الاقتصاد: ماذا جنى المصريّون في العام الأول من حكم السيسي؟ هل تحققت مشاريع تستوعب العمالة؟ هل تم تشغيل المصانع المتوقفة؟ هل فرضت ضرائب على الأغنياء؟ هل حوسب أباطرة الفساد؟ جواباً عن هذه الأسئلة، لا يجد بعض من كانوا محسوبين على صفوف الثورة وصفاً لإنجازات السيسي سوى أنه “منقذ مصر”، أو أنه “أعاد مصر إلى خريطة العلاقات الخارجية مرة أخرى”، متحاشين الإجابة عن أسئلةٍ لا ينفك الواقع يقذفها في وجوههم.

عصام شعبان