الرئيسية الأولى - كتّاب

الجمعة,11 مارس, 2016
وقف الاحتراب الحزبي انتصار على الارهاب

12208820_10205330484130169_8044238986968625131_n
الحبيب بوعجيلة
لم يكن التعاطي مع  الأحداث الارهابية منذ انطلاقها في خضم الصراع السياسي  أثناء حكم الترويكا محل اتفاق وطني . و يمكن القول الآن  بمفعول رجعي  أن كل التقديرات السابقة  لكل الأطراف المتصارعة  كانت منقوصة و مرتبكة و محكومة  بالصراعات الحزبوية   “الصغيرة” التي فوتت على البلاد فرصة سد الثغرات التي تسرب من بعضها الارهاب  مستثمرا المناخ السياسي الداخلي اضافة الى ما توفر له من ظروف اقليمية و دولية .
الارهاب و الصراع الحزبي ..علاقة أم وهم ؟
لاشك أن الأحداث الارهابية في تونس  اقترنت في الغالب على امتداد سنوات الثورة بأحداث سياسية توحي بإمكانية الربط بين هذه  الأحداث و صراع الانتقال الديمقراطي  بين الأطراف الحزبية  . كان اغتيال الشهيدين بلعيد و البراهمي  و استهداف قواتنا الحاملة للسلاح  في أوج  الصراع على “تحصين الثورة” و “فصول الدستور” و ملفات المحاسبة و قوانين العدالة الانتقالية.
 و قد كان لهذا الاقتران “المُفترض”  بين الارهاب و “الحدث السياسي” تأثيره في   تشكل جبهتي “الترويكا” و “الشرعية” و  “حماية الثورة ” من ناحية و “الانقاذ” و “المعارضة”  و “النمط المجتمعي ” من ناحية أخرى.
  “الاستثمار” المتبادل للارهاب أدى الى  اساءة فهم حقيقته    فاكتفى البعض  باعتباره “فزاعة”  ثم مجرد  “مؤامرة مصطنعة” من “الثورة المضادة”  و  سارع  البعض الآخر  باعتباره نتيجة طبيعية لفكر و ممارسات القوى التي أفرزتها انتخابات 2011 من النهضة الى المرزوقي .
 في حين انتهى آخرون  الى اعتبار الارهاب مجرد افراز لمؤامرة “الربيع العربي” كما سماها عدد من رموز  المنظومة القديمة الذين عادوا كمنقذين  لتتم انتخابات 2014 في هذا السياق المسيء لفهم الظاهرة الارهابية في تعقيداتها و أسبابها و اعداد شروط المواجهة الوطنية الشاملة لها .
الترويكا و أخطاؤها …
كانت الاستفاقة المتأخرة  للترويكا مع حكومة علي العريض ضرورية لتصنيف ما سُمي بأنصار الشريعة تنظيما ارهابيا للقطع مع  الهواجس الثقافية  و السياسية في مواجهة خصومها  و ما رافق هذه الهواجس من استهانة  في  التعاطي  مع  النزوعات السلفية  التكفيرية التي تصاعدت في زوايا المجتمع  بمساجده  و أحيائه  الشعبية و مناطقه المهمشة مستفيدة من  التجاذبات السياسية و الاحتقان الاجتماعي و  تعطل  تحقيق أهداف الثورة في التنمية و مقاومة البطالة  و انطلاق  المشاريع  في مجال الهامش .
مثل الانخراط الاعمى في التمترس الهووي و الاستقطابات الايديولوجية  و الخوف المبالغ فيه من فزاعة ما سُمي بالثورة المضادة   حجابا سميكا  منع التفطن  للحاضنة “المزاجية” التي تحرك في سياقها التآمر الارهابي  مستثمرا في  فخ  التوتر الهووي  الذي وقع فيه البعض .
في السياق نفسه لم يكن تقدير الترويكا صائبا لمجريات الأحداث في سوريا أولا ثم في ليبيا لاحقا  مما جعل  التمترس المتسرع  الى جانب أطراف دون أخرى في النزاع الدائر بهذين البلدين  سببا مباشرا في  أخطاء استراتيجية   في استعداء أطراف و الالتقاء الموضوعي مع أخرى  دون تقدير تداعيات ذلك على الداخل التونسي  و العجز عن فهم   الظاهرة الارهابية التي كانت تزحف مثل كرة نار على بلدنا العزيز .
 ذهاب  الحزب الأكبر في الترويكا السابقة  مُكرها  الى خيار الحوار الوطني  و التسوية السياسية  مع الخصوم السياسيين في الداخل كان يقتضي مراجعات واضحة  لهذه الأخطاء في فهم الصراعات في ليبيا و سوريا واليمن و تنسيب الموقف من مجريات الأحداث في مصر و كامل المنطقة و اعادة ترتيب  علاقاتنا العربية و الدولية بعيدا عن التمترس المتسرع في صراع  المحاور بمجرد تحليل متسرع  على قاعدة الثورة و الثورة المضادة أو على قاعدة الصراع الاسلامي العلماني أو صراع “المعارضة” مع “الانظمة القديمة” هكذا في المطلق .
   ان غياب الشجاعة في هذه المراجعات في قراءة المشهد العربي وصراع  المحاور في المنطقة  لدى بعض  القيادات و القواعد  العميقة  لما يُسمى بقوى الثورة مازال الى الآن  يمنع شجاعة الذهاب الى  “توافق” تونسي تونسي على مفردات مشتركة في استراتيجية الحرب على الارهاب تضع تونس في المكان الصحيح اقليميا و دوليا الى جانب القوى الوطنية و التقدمية المتصدية للمؤامرة الدولية على وطننا العربي .
 لقد كشفت معركة رفض تصنيف حزب الله تنظيما ارهابيا أن ضغط التمترس الخاطئ في النزاع السوري و المنطقة مازال يضغط على تحليل عدد من انصار ما يسمى سابقا بأنصار الثورة و الشرعية في تونس .
جبهة الانقاذ في المزاج الغلط ..
في الضفة المقابلة أصرت  “المعارضة السابقة ”  للترويكا السابقة و خصوم حركة النهضة أساسا على  محورة  مواجهة الارهاب  في سياق معركة حزبية انتخابوية ذهبت بالصراع الى استقطابات حادة كادت تتحول الى مناخ احتراب ملائم ليستكمله الارهابيون في اقرار وضعية ادارة التوحش التي يتمنونها .
 الحرب على الارهاب كما فهمتها و مارستها   أطراف جبهة الانقاذ سابقا   ظهرت  لخصومهم  و كأنها فرصة لتصفية الحساب مع الهوية العربية الاسلامية للبلاد و مع المقدسات و المساجد و الكتاتيب  كما ذهبت استراتيجية جبهة الانقاذ بوعي أو بدون قصد بالحرب على الارهاب الى  ما يشبه  الحرب على الثورة و جميع مخرجاتها من قرار  الارادة الشعبية الانتخابية  و  مكاسب الحقوق و الحريات و انصاف ضحايا الاستبداد  بل تحولت في أبشع لحظاتها  الى ما يشبه المحاكمة السياسية و الأخلاقية  للترويكا و من ساندها بتهمة الارهاب  .
كما تواصل الاشتغال على الاستهداف  التقليدي للاسلاميين من خلال الربط الآلي بين السلفية العنيفة و الاسلام السياسي مما وسع من دائرة “المتضررين” من كل حرب مفترضة على الارهاب  و وسع من  خطر توسيع حاضنة القتلة و الارهابيين .
 في سياق متصل بدت جبهة الانقاذ التونسية وهي تعلن “حربها الحزبية” على الارهاب أميل الى الدفع بتونس في  تحالفات “دولية” بررت الانقلاب الدموي في مصر أو انتصرت الى الجنرال حفتر في ليبيا  لكن ذلك لا ينفي  صحة تقديرات جبهة الانقاذ  للصراع في سوريا  بقطع النظر عن المبررات الحقيقية لهذه التقديرات  حين ربطت ما يجري هناك بالمؤامرة الدولية الصهيوأمريكية المتقاطعة مع  نزوات الرجعية العربية  و طموحات القوى الكبرى الجديدة في الهيمنة على المنطقة .
أخيرا …..
لا تبدو الخطابات الأخيرة و اشكال التعاطي الاعلامي مع عملية بن قردان مشجعة على الاحساس  بأننا قد تجاوزنا هذه  المقاربات المغلوطة .
 
الظاهرة الارهابية التي عصفت و تعصف الآن بوطننا العربي و تونس و تبدأ الآن معركتها الاخيرة  في مغربنا العربي  لعبة و مؤامرة أكبر من التجاذبات السياسوية الصغيرة ما يقتضي ارتقاء  في التحليل و التقدير بعيدا عن  المماحكات و العناد المتقابل لصياغة مفردات الاستراتيجية الوطنية الموحدة للحرب