الرئيسية الثانية

الخميس,18 يونيو, 2015
وذكّر… شهر الصيام والقيام والطاعات

الشاهد_الصيام فريضة أوجبها الإسلام كما أوجبتها الأديان السماوية السابقة والتي جاء ليكملها، قال تعالى : (يٰاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الآية 183 من سورة البقرة.)

نزلت هذه الآية في السنة الثانية من الهجرة في المدينة المنورة، حيث كانت الأمة الإسلامية آنذاك في طور التشكل في إطار مجتمعي منظم.

وكما أنّه من الواضح تمام الوضوح للمسلمين أن الامتثال للأمر الإلاهي الوارد في هذه الآية يلزمهم بصورة شخصية -نساء ورجالا- بهذه الفريضة، فإن الإمساك عن الطعام والشراب في هذا الشهر المعظم يجب أن يكون مقترنا بالالتزام بشكل كامل بأعمال الخير والتكافل الاجتماعي.

يسعى المسلمون في هذا الشهر الكريم إلى التقرب من الله تعالى بعيدًا عن المأكل والمشرب وبعيدا عن عادات الحياة اليومية وملذاتها ، فهذه القطيعة لمدة شهر كامل مع الحياة الطبيعية تعتبر أمرا بالغ الأهمية في التزكية والتطلع إلى الربانية وحياة القلوب . معا، ينبغي لهم أن يفطروا بعد صيامهم ثم يتوجهوا لصلاة التراويح، والتي هي سُنَّة إضافية للعبادة اليومية في هذا الشهر.

إلى جانب ذلك، فقد رغّب الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين في مضاعفة جهودهم للتقرب في قيام الليل وقراءة القرآن والاعتكاف والإكثار من الصدقات، حيث قال :

«أفضل الصدقة صدقة في رمضان » رواه الترمذي.

لذلك ينبغي أن يكون رمضان شهر التدبر والتراجع عن المشاغل الدنيوية .

في هذا الصدد، لا حاجة لأن نسرد الكثير من سلوكيات بعض المسلمين الذين يسيئون إلى هذا الشهر ويتجاهلون أجواءه الروحانية فيمزجون الليل بالنهار وينامون معظم النهار ويبالغون في وجبات الفطور كأنهم في يوم عيد كل يوم.

و واقع الحال أنّ جوهر الصيام يتطلب سلوكا معاكسا لذلك تماما، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الصيام هو صيام القلوب، وهو المعنى المكتمل لهذا العمل التعبدي.

كما يجب أن يتوحد المسلمون خلال هذا الشهر من أجل العدالة الاجتماعية؛ لأن الصيام ينبغي أن يعين كل مؤمن على أن يجرب الحرمان والجوع والعطش.

وبهذا يذكر الجميع بحقوق الإنسان الأساسية، ويتحرك الجميع ضد آفة الفقر وسوء التغذية. فهذا البعد التضامني يعتبر جزءًا أساسيا من هذه العبادة ومظهرا من مظاهر قدسيتها، فهي تجمع بين إيمان الإنسان بالله تعالى وبين نظره في واقعه وسلوكه مع الناس.

لقد سعى الرسول عليه الصلاة والسلام دائما إلى توعية المؤمنين بأبعاد هذا التضامن الضروري والحتمي، والذي من أجله قد فُرِضت زكاة الفطر على المسلمين والتي يجب دفعها في المقام الأول للفقراء قبل العيد في أواخر شهر رمضان، فقد قال عليه الصلاة والسلام:  “أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم” فهذا حقهم، وستحفظ لهم هذه الزكاة كرامتهم على الأقل في هذا اليوم. وعلى هذا النهج يجب أن يسير المسلمون لتتحقق العدالة ويواجهوا في بقية السنة تحديات العصر حيث يموت جوعا أربعون ألف شخص كل يوم.

فهذا أمر غير منطقي ولا يمكن أن نقبل به. فالمؤمنون كجميع الناس مسؤولون أمام الله عن هذه الحماقة. فأداء الصيام والسعي إلى التقرب إلى الله تعالى لا ينبغي أن ينسينا الحديث الشريف : « ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به » (رواه الطبراني).

طارق رمضان