الرئيسية الأولى

الثلاثاء,17 مايو, 2016
واشنطن بوست: هل يريد تنظيم الدولة توسيع نفوذه إلى تونس؟

الشاهد _كتب مراسل صحيفة “واشنطن بوست” سودرسان راغفان، تقريرا من بلدة بنقردان التونسية القريبة من الحدود الليبية، تحدث فيه عن خطط تنظيم الدولة، الذي أقام مركزا له في ليبيا، التوسع في تونس، والتأثير في ديمقراطيتها الهشة.

 

ويقول الكاتب: “وصلت العائلات إلى المقبرة، وكانت تحمل جثث أبنائها وإخوانها، التي خرقها الرصاص، بحسب ما تذكّر سكان في البلدة، حيث وضعت جثة بعد الأخرى في قبر غير محدد المعالم، فقد كانوا منبوذين في موتهم”.

 

ويضيف راغفان أن “القتلى كانوا من مقاتلي تنظيم الدولة، وكلهم تونسيون، حيث اجتازوا الحدود مع ليبيا للانضمام لفرع التنظيم، وعادوا في شهر  مارس مع المتشددين التونسيين الآخرين، في محاولة للسيطرة على بنقردان، التي تعد مركز التهريب الذي يبعد 20 ميلا عن الحدود، وقتل عشرات المتشددين في معارك حامية مع القوات الأمنية، وكان من ضمنهم عشرة على الأقل من الذين نشأوا هناك في هذه الزاوية الجنوبية الشرقية من البلاد”.

 

وينقل التقرير عن المسؤول البارز في الشرطة سمير نقي، قوله إنه لم يدفن سوى ثمانية منهم في المقبرة، حيث “رفضت بعض العائلات أخذ الجثث”.

ويعلق الكاتب بأن “عدم سيطرة المقاتلين على بنقردان، المعروفة بكونها مكانا لتفريخ الجهاديين، يعد انتصارا لتونس، لكن الهجوم وما بعده يكشفان عن هشاشة هذه الدولة في شمال أفريقيا، وكفاحها لاحتواء التداعيات المسمومة من الربيع العربي قبل خمسة أعوام، وتمثل تصعيدا من تنظيم الدولة وطموحاته”.

وتشير الصحيفة إلى أن “التونسيين يمثلون غالبية المقاتلين الأجانب في كل من العراق وسوريا، وبسبب الغارات الجوية الأمريكية والروسية والتشديدات الجديدة على السفر، فإن الكثير من الشبان التونسيين يختارون السفر إلى ليبيا، حيث إن النزاع في هذا البلد ينتقل، وبشكل متزايد، إلى تونس التي كانت البلد الوحيد الذي حافظ على مؤسساته العاملة بعد الثورة”.

ويلفت التقرير إلى أن تنظيم الدولة اعترف بمسؤوليته عن هجومين العام الماضي في تونس؛ الأول في منتجع سوسة، والثاني على متحف باردو، مشيرا إلى أنه قتل في الهجومين العشرات من السياح الأجانب على يد مسلحين تونسيين، يعتقد أنهم من مقاتلي تنظيم الدولة.

ويعلق راغفان قائلا إن “الطريقة المحكمة التي هاجم فيها المقاتلون بنقردان، التي اشتملت على خطة متعددة الوجوه ضد أهداف لقوات الأمن، أثارت المخاوف من محاولة الجهاديين حول طموح الجهاديين في بناء جيب آمن لهم في تونس”.

وتنقل الصحيفة عن مدير دائرة مكافحة الإرهاب في تونس محمد المعالي، قوله: “من الواضح أن ليبيا أصبحت تهديدا علينا”، وأضاف أن الضغوط التي يتعرض لها مقاتلو التنظيم في سوريا والعراق تجعل من ليبيا جنة لهم؛ بسبب الفوضى وغياب النظام والقانون.

ويرسم الكاتب صورة عن الفقر والإهمال الذي تعيشه بنقردان، مشيرا إلى أنه “لا توجد مصانع ولا جامعات أو مؤسسات اقتصادية مشابهة لما حصل عليه الشمال من اهتمام، ولا يجد الشبان العاطلون عن العمل مكانا لتمضية الوقت سوى المقاهي أو الشوارع، وتعتمد حياة الكثيرين على تهريب السلاح والنفط والبضائع من وإلى ليبيا، وهناك من يذهب للقتال”.

وينقل التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، عن رئيس بلدية بنقردان السابق شالم شوات (80 عاما)، قوله: “لا يجد الشبان خيارات للبقاء في بنقردان؛ بسبب الفقر والتهميش”، ويضيف: “في الوقت ذاته، فإنه عندما يلتقي الشباب بالناشطين في التجنيد لتنظيم الدولة، الذين يعدونهم بالمال والسيارات والحياة الجميلة، فماذا تتوقع أن يفعل الشباب؟ فإن خيارهم إما التهريب أو تنظيم الدولة”.

وتذكر الصحيفة أن المئات من أبناء بنقردان غادروا في العقود الثلاثة الماضية؛ للمشاركة في القتال في العراق وأفغانستان والبوسنة، فيما تحول آخرون لطريق التشدد؛ بسبب القمع الذي مارسه النظام السابق ضد الإسلاميين، مشيرة إلى أن المقاتلين التونسيين في صفوف الجهاديين تميزوا بقدراتهم الجهادية بشكل دفع زعيم تنظيم الدولة السابق أبا مصعب الزرقاوي للقول: “لو كانت بنقردان قريبة من الفلوجة لحررنا العراق”.

ويورد راغفان أنه بعد ثورة 2011، التي أطاحت بالديكتاتور زين العابدين بن علي، استفاد المتشددون الإسلاميون من الحريات الجديدة، والفراغ الأمني، ودفعوا باتجاه جيل جديد للتشدد، حيث ذهب أكثر من أربعة آلاف متطوع إلى سوريا والعراق، وانضموا لتنظيم الدولة وجماعات أخرى، لافتا إلى أن الأمم المتحدة ذكرت أن ما بين ألف إلى 1500 تونسي، معظمهم من بنقردان، سافروا إلى ليبيا.

وينقل التقرير عن مسؤولين غربيين، قولهم إن التنظيم بدأ يرسل المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، خاصة بعد سيطرته على سرت، حيث يتعامل التنظيم مع هذه المدينة الساحلية بصفتها بديلا عن الرقة، عاصمة ما يطلق عليها “الخلافة”، وذلك بحسب مسؤولين أمنيين أمريكيين.

 

وتنوه الصحيفة إلى أن وزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني أعلن في أكتوبر 2015 عن مغادرة 250 مقاتلا تونسيا سوريا، مع بداية التدخل الروسي لحماية نظام بشار الأسد، لافتة إلى أن قياديا ظهر وهو يقف على ما يبدو على سواحل ليبيا، دعا في شريط دعائي، بث العام الماضي، المقاتلين إلى الانضمام للقوات التي تقاتل الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، حيث قال: “لكل الإخوة في الخليج العربي ومصر وتونس والسودان، ولكل حماة دين الله، تعالوا وانضموا إلى القتال”.

 

ويقول الكاتب: “لو كانت هناك حاجة لإثبات أن العديد من التونسيين لبوا النداء، فإنه فيما بعد الغارة التي شنتها الولايات المتحدة، التي شنت في 19فيفري على معسكر تدريب في سبراطة، وقتل في الهجوم 41 شخصا معظمهم تونسيون، وتعتقد الولايات المتحدة أن من بين القتلى نور الدين شوشان، القيادي الذي قام بتجنيد وتدريب التونسيين لتنفيذ هجمات في بلادهم، ورد التنظيم بهجوم مارس على بنقردان، حيث يتذكر أبناء المدينة المهاجمين الذين دخلوا بسيارات (تويوتا)، وكانوا يلبسون الأقنعة، وتحركوا بطريقة من يعرف المنطقة، والأهداف التي كانوا يريدون ضربها، بل والأشخاص أيضا”.

ويفيد التقرير بأن “حسين عبد الكبير يتذكر الرجال المقنعين الأربعة الذين داهموا بيت عائلته، وكانوا على متن سيارة “تويوتا”، في الساعة السادسة صباحا، وكان شقيقه عبد العاطي، مسؤول وحدة مكافحة الإرهاب في بنقردان، يمشي في طريقه لخارج البيت، ولاحق مهاجمان عبد العاطي، وكان أحدهما يتحدث باللهجة التونسية، قائلا: (الكافر، عبد العاطي)، فيما خرج اثنان من داخل البيت وحاصرا عبد العاطي، ويقول عبد الكبير إن (القتلة كانوا يعرفون الحي جيدا)، ولا تزال آثار الدم واضحة مكان مقتل شقيقه، حيث (تعرفت على واحد منهم، وهو من بنقردان)”.

وتذكر الصحيفة أن مناطق في المدينة شهدت معارك شوارع، فيما استهدف المهاجمون ثكنات للجيش، حيث يقول شهود عيان إن خمسة من المهاجمين أقاموا حاجز تفتيش، وكأنهم سيطروا على المدينة، وكانوا يحملون الكلاشينكوفات وقاذفات القنابل الصاروخية، وبدأوا بوقف السيارات، والتأكد من الهويات، مشيرة إلى أنه أثناء المعركة اختبأ سليم الضوي في محله لبيع الهواتف النقالة، وقريبا منه قرفص أحد المقاتلين في موقع إطلاق النار، وقال له: “لا تخش نحن الدولة الإسلامية”، وأضاف: “نحن هنا لحمايتكم من هذه الحكومة الكافرة”.

ويورد راغفان نقلا عن شهود عيان قولهم إن خمسة مسلحين نصبوا حاجزا أمام مقهى “ميدوي”، وتصرفوا كأنهم أسياد المدينة، كانت في أيديهم الكلاشينكوفات والقنابل اليدوية، وكان بعضهم يرتدي الزي العسكري، وأخذوا يفتشون السيارات، ويفحصون الهويات، وجروا مسؤولا يعمل في الجمارك من سيارته، وأطلقوا عليه النار، بحسب صاحب المقهى محمد علي، وقال إن أحد المهاجمين صرخ بلهجة تونسية قائلا: “غدا سنحكمكم”.

ويلفت التقرير إلى أنه مع نهاية المعركة، قتل 52 مهاجما، كلهم من تونس، ومنهم ثلاث قيادات جاءوا من بنقردان، وقتل 12 من الأمن وثمانية من المدنيين.

وتتساءل الصحيفة: “هل كان الهجوم امتحانا لقوات الأمن وقدراتها، أم كان انتقاما للغارة الأمريكية على سبراطة، أم محاولة لبناء موطئ قدم للتنظيم في تونس، خاصة أن الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها تخطط لعمل عسكري قريب في ليبيا؟ قد تكون هذه الأسباب كلها”.

 

ويلاحظ الكاتب أنه رغم صد الهجوم، إلا أن هناك حالة من الضيق، خاصة أن المنفذين استطاعوا اختراق الحدود مع ليبيا، البالغ طولها 285 ميلا، بعد إكمال بناء سياج على معظم الحدود مع ليبيا في فيفري، بالإضافة إلى حفر خنادق ملئت بالماء، مشيرا إلى أن قوات الأمن التونسية قامت قبل الهجوم بخمسة أيام بقتل عدد من المتشددين في بيت آمن في بنقردان، ومع ذلك استطاعت المجموعة تجميع نفسها، والقيام بهجوم منسق.

وينقل التقرير عن قوات الأمن قولها إنها عثرت على بيوت آمنة تم تخزين السلاح المهرب فيها، ما يشير إلى علاقة بين المهربين والإرهابيين، لافتا إلى أن بعض أفراد عائلة عبدالعاطي يشبته بعلاقتهم بتنظيم الدولة، وتم تجنيدهم كي يكونوا قريبين من الرجل الذي كان يعرف الكثير عن شبكة المتشددين، ويشير إلى أن البيت الذي خرج منه المسلحان يعود إلى قريب، حيث قاتلت الزوجة وابنيها في سوريا، بحسب قول أحد المسؤولين الأمنيين.

وتورد الصحيفة نقلا عن والده محمد عبد الكبير، قوله إن تنظيم الدولة “استهدفه؛ لأنه كان يعرف الأشخاص المتعاطفين مع تنظيم الدولة كلهم”، ويضيف: “كان يعرف الأشخاص الذين قاتلوا في ليبيا كلهم”.

ويبين راغفان أنه منذ هجوم بنقردان تحركت قوات الأمن، واعتقلت العشرات من المشتبه بعلاقتهم بالهجوم، خاصة أن بعض الذين استهدفهم المهاجمون كانوا من عناصر مكافحة الإرهاب، وعرفوا عن تحركاتهم من أقارب لهم جندهم تنظيم الدولة، منوها إلى أن السلطات قامت بإغلاق ثلاث مساجد يتهم خطباؤها بالترويج للتشدد، ومنعت سفر الشبان تحت سن الـ35 عاما إلى ليبيا، إلا إذا أبرزوا رسالة من والديهم، حيث تقوم السلطات الأمنية بمراقبة عائلات المقاتلين الذين انضموا للتنظيم.

ويكشف التقرير عن أن من بين هؤلاء حمزة الجري، الذي وضع اسمه على قائمة المراقبة، وعدته السلطات التونسية واحدا من أخطر الإرهابيين في تونس، قبضت عليه مليشيا ليبية في سبراطة بعد الهجوم الجوي الأمريكي في فيفري، مشيرا إلى أن قريبا للجري اعترف في شريط فيديو بث على الإنترنت بالعمل في إذاعية دعائية لتنظيم الدولة، حيث يقول أقاربه في بنقردان إنه اعتقل وعذب، وحقق الأمن معه، وتعرض بيته لمداهمات متكررة في ساعات الفجر الأولى، ولا يسمح له بالسفر خارج تونس، ويتعرض للتفتيش كلما حاول الخروج من المدينة، وبسبب قرابته مع المقاتل فإنه لا يستطيع العثور على وظيفة، ويعلق بأنه يدفع ثمن ذنب لم يقترفه، وأن القمع الذي تمارسه الدولة يؤدي إلى حالة خيبة تقود إلى الإرهاب.

وتختم “واشنطن بوست” تقريرها بالإشارة إلى أن مسؤولين أمنيين تونسيين يقولون إن أساليب قاسية كهذه مطلوبة لوقف العمليات الإرهابية، ويشتكون من مظاهر القلق حول حقوق الإنسان، التي يقولون إنها تعرقل جهدهم، ويقول مسؤول مكافحة الإرهاب التونسي المعالي: “لا نزال نتعلم الديمقراطية، وشخصيا لا أعتقد أن الإرهابيين لهم حقوق إنسان؛ لأنهم يريدون قتلنا”.

عربي 21