أهم المقالات في الشاهد - إخترنا لكم

الخميس,10 مارس, 2016
واشنطن بوست: كيف تغير الجيش التونسي خلال انتقاله إلى الديمقراطية

في تقرير مطول نشرته صحيفة الواشنطن بوست وترجمتة الشاهد الى اللغة العربية، بعد خمس سنوات من الربيع العربي، تبقى فقط تونس على الطريق نحو الديمقراطية. ولشرح قصة النجاح التونسية، كثيرا ما يشير العلماء إلى الجيش التونسي، الذي، على عكس الجيوش الأخرى في المنطقة، دعم ثورة بلاده والانتقال لاحقا إلى الديمقراطية. وبعد أن تم تهميشه في دولة بوليسية للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كان لدى الجيش حافز كبير للوقوف إلى جانب الثورة ضد العودة إلى الماضي الاستبدادي في تونس.

 

وبينما الكثير من الحبر أريق على الكيفية التي أثر بها الجيش التونسي على التحول الديمقراطي، كتب القليل حول كيفية تأثير الانتقال في الجيش. كما أن أحد الأبحاث الجديدة التي نشرت عن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تجد أن الجيش التونسي المهمش منذ فترة طويلة قد بدأ لمعرفة موقفه يتحسن بعد الثورة. وتشير هذه التغييرات إلى إعادة هيكلة تدريجية لنظام الحكم بعيدا عن دولة بن علي البوليسية ونحو واحد الذي تتم فيه الموازنة بين الأجهزة الأمنية المختلفة على نحو أكثر توازنا. وقد تكون لإعادة هذا التوازن انعكاسات هامة على قدرة تونس على مواجهة التهديدات الأمنية الخطيرة، لاحتمالات لإصلاح القطاع الأمني، واحتمال تعزيز الديمقراطية.

 

عندما جاء الرئيس التونسي الأول، الحبيب بورقيبة، إلى السلطة في عام 1956، والانقلابات التي رآها في مصر وسوريا والعراق شجعته على الحفاظ على جيشه الضعيف ووازنها بالمقابل بالشرطة والحرس الوطني. وكانت هذه الإستراتيجية من الممكن دعمها في تونس، كما كان هناك حركة استقلال سلمية إلى حد كبير، ولم يكن هناك جيش وطني ليرث من الحقبة الاستعمارية، وعدد قليل من التهديدات الأمنية الخارجية طوال معظم الستينات والسبعينات.

 

كما تم تكثيف تهميش الجيش في عهد الرئيس التونسي الثاني، بن علي. بن علي، الجنرال العسكري نفسه، تعامل لفترة وجيزة مع الجيش للوصول إلى مقاليد السلطة، ولكن محاولة انقلاب عسكرية وهمية مفتعلة من قبل الشرطة الحاقدة والحزب الحاكم في عام 1991 دفعته لتهميش الجيش مرة أخرى. وعلى مدى العقدين المقبلين، ميز بن علي الشرطة ماديا وسياسيا، وترك الجيش مع نقص في التمويل، وناقص التجهيز وبعيدا عن السلطة السياسية. وبحلول الوقت الذي أطيح به في ثورة 2011، كانت ميزانية وزارة الدفاع بالكاد نصف ميزانية وزارة الداخلية.

 

ولكن منذ قيام الثورة، فإن التوازن بين الجيش والشرطة بدأ ليتم تعديله. وفي مواجهة التهديدات الأمنية الشديدة، اضطر قادة ما بعد الثورة في تونس لتعزيز القوات المسلحة. وزادت ميزانية وزارة الدفاع بسرعة أكبر من أي وزارة أخرى منذ عام 2011، وتنامت بمعدل 21 في المائة سنويا. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإنه من المتوقع أن تتجاوز ميزانية وزارة الداخلية واستهلاك الجزء الأكبر من ميزانية الحكومة في غضون ستة إلى سبعة أعوام. كما تتمتع القوات العسكرية بوجود تدفق مستمر لعقود الأسلحة الجديدة والشراكات الدولية، ولاسيما مع الولايات المتحدة، التي ضاعفت ثلاث مرات مساعداتها العسكرية إلى تونس في عام 2015.

 

ويرافق القوة العسكرية المتنامية للجيش نفوذ سياسي أكبر. كما انتقلت تونس إلى نظام برلماني، و تحولت الإدارة العسكرية من حكم شخصي من المستبدين السابقين إلى مسؤولية مشتركة بين الرئيس ورئيس الوزراء. وقد أدى التنافس المؤسسي بين هاذين المديرين التنفيذيين على الجيش إلى تعيين مجالس الأمن والمستشار العسكري، وإضفاء الطابع المؤسسي عن غير قصد على دور أكبر للجيش في قضايا الأمن القومي.

 

مؤشر آخر على الأهمية السياسية المتزايدة للجيش التونسي هو رقمه من التعيينات في الوظائف المدنية تقليديا. فخلال فترة بن علي التي دامت 23 عاما، تم تعيين ضابط عسكري واحد فقط كحاكم. وفي خمس سنوات فقط بعد الثورة، تولى 11 ضابطا عسكريا الحاليين أو المتقاعدين الحكم، والبعض لفترات متعددة في مختلف المحافظات.

 

وكما زادت قوة الجيش، كان قادة تونس حريصين على تعزيز الضباط المخلصين. وتفضيل الموالين ليست إستراتيجية جديدة، ولكن الوجه المتغير للقيادة السياسية في تونس قد نص على تركيبة ديمغرافية متغيرة لكبار الضباط. وقبل الثورة، تمت الإشادة بكبار الضباط في معظم الأحيان من تونس ومنطقة الساحل، وهي المنطقة الساحلية الغنية، والتي تشمل سوسة والمنستير والمهدية، التي أشاد بها بورقيبة وبن علي. ووصلت هذه المناطق إلى 24٪ فقط من سكان تونس التي زعم فيها أن قرابة 40 في المائة من الضباط تمت ترقيتهم إلى المجلس الأعلى للجيوش في عهد بن علي.

 

ومع ذلك، اكتسب قادة ما بعد الثورة في تونس الكثير من دعمهم من الداخل المهمش. وفي أعقاب انقلاب مصر في جويلية 2013، هؤلاء القادة، وخاصة الرئيس المنصف المرزوقي، ضمن ولاء الجيش وذلك بتغيير كبار الضباط لجلب ضباط من هذه المناطق المحرومة تاريخيا، مما يشير إلى نهاية المحسوبية في تونس ومنطقة الساحل.

 

ولعل أشد قطيعة مع عهد بن علي هو دخول الضباط المتقاعدين في المجتمع المدني القوي في تونس. وقد استفاد الضباط المتقاعدين من الحرية الجديدة للمجتمع لتشكيل عدد من منظمات المجتمع المدني، وممارسة الضغط على الحكومة وتشكيل النقاش العام على المؤسسة العسكرية واحتياجاتها.

 

وقد قدم الضباط المتقاعدين التوجيهات أثناء صياغة الدستور عام 2014، وتشاوروا مع المرشحين للرئاسة حول سياسة الدفاع، ومارسوا الضغط بنجاح من أجل العدالة الانتقالية للضباط المتورطين في محاولة الانقلاب الملفقة في عام 1991. ويدفع هؤلاء الضباط المتقاعدين في المجتمع المدني الآن لإجراء عدد من الإصلاحات التي تهدف إلى جعل الجيش أكثر فعالية، من بينها سياسة دفاعية شاملة تصدر عن قبل وزارة الدفاع ثم يوافق عليها البرلمان.

 

وبينما وضعت الثلاث هجمات إرهابية في عام 2015 هذه المسألة في المؤخرة، جدد وزير الدفاع فرحات الحرشاني مؤخرا تعهده لإنتاج ورقة بيضاء حول سياسة الدفاع بمساعدة المجتمع المدني والبرلمان والشركاء الدوليين.

 

وتشير هذه التطورات إلى أن الجيش التونسي المهمش منذ فترة طويلة أصبح قوة في حد ذاتها. وقال القائد المتقاعد من أركان القوات المسلحة الجنرال سعيد الكاتب “بدون أدنى شك، الأمور تتحسن”. وأضاف أن “اعتماد بن علي كان على الشرطة. وأما الآن، فقد شهدت كل مؤسسة تعزيز قدراتها. الجيش له أهمية، والشرطة لها أهمية، والحرس الوطني له أهمية. كل لديه رسالة فريدة من نوعها للوفاء”.

 

إضافة إلى ذلك، فإن هذا التوازن من جديد بين الأجهزة الأمنية في تونس – على افتراض أنها لا تزال – يمكن أن تكون لها آثار كبيرة، وفي مقدمتها تعزيز القدرة العسكرية لمكافحة الإرهاب. ثانيا، يمكن لإعادة التوازن أن توضح الضعف النسبي لقوة ضغط الشرطة ويحتمل أن تكون فرصة للضغط على وزارة الداخلية للبدء بإصلاحات داخلية.

 

هؤلاء المهتمين بالديمقراطية قد يكونون طبيعيا حذرين من تزايد نفوذ الجيش في تونس الجديدة. و مع ذلك، فإنه في المدى القصير والمتوسط، ونظرا لانقلاب عسكري غير المحتمل، ستظل الشرطة والحرس الوطني قوات موازية قوية للجيش.

 

إن التهديد المحتمل للديمقراطية في تونس هو أقل انقلاب صادر عن القوات المسلحة وأكثر عندما يمكن للرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، أن يختار لجنة القوات العسكرية والأمنية المعززة لقمع التونسيين نيابة عنه، والسماح لهم بحكم استبدادي فتزايد خيبة الأمل في الانتقال والتوق إلى رجل قوي لفرض النظام وجعل هذا الاحتمال قائم، ولكن قوة المجتمع المدني التونسي والتزام الأحزاب السياسية الكبيرة بالتوافق والتراضي يعطي أملا في أن هذا السيناريو سيظل مجرد احتمال.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد