عالمي عربي

الجمعة,5 يونيو, 2015
واشنطن بوست: الملك سلمان يقلب الأوضاع في الشرق الأوسط

الشاهد_عندما وصل الملك سلمان إلى سدة الحُكم في السعودية هذا العام، لم يتوقع البعض حدوث تغيير كبير؛ نظرًا لأّنه يبلغ من العمر 79 عامًا ويُقال الكثير عن تدهور حالته الصحية. عُرف الملك سلمان، الذي كان حاكمًا لمنطقة الرياض لمدة طويلة، بقدرته في الإدارة والحنكة في تسوية الخلافات، لا كرجل يتحدى الوضع الراهن.

ولكن منذ أن تولى العرش في يناير، قام الملك سلمان بتغيير جذري في السياسة الخارجية السعودية وكذلك في خطط التوريث للعائلة الملكية.

فقد شنّ الملك سلمان حملة جوية ضد المتمردين الشيعة في اليمن وزاد من دعم الثوار في سوريا؛ ما يدل على لعب المملكة الغنية بالنفط دورًا أكثر حزمًا بعدما كانت تعتمد بشكل تقليدي في حماية أمنها على الولايات المتحدة. ويرى المحللون أنّ هدف الملك سلمان هو حماية المسلمين السُنة ضد ما يرى أنّه نفوذ متصاعد لشيعة إيران.

إنّها لحظة سعودية في المنطقة” هكذا قال نواف عبيد، المستشار السابق بالديوان الملكي السعودي والباحث بمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة هارفارد. وأضاف عبيد أن الحلفاء العرب يرون السعودية بمثابة القائد الأكثر استقرارًا وقدرة، في وقتٍ تعاني فيه مصر، القوة التقليدية للمنطقة، من أزماتٍ داخلية. وعندما اجتمع عبيد مع الملك سلمان قبل توليه الحُكم بأعوام، قال الملك سلمان: “إذا لم نُمكّن لأنفسنا، سيأتي شخص ما ويقوم بفعل ذلك“.

وأوضح عبيد: “رؤية الملك سلمان هي أنّه يجب أن نُشكّل الوضع من حولنا بدلًا من أن نتشكل نحن داخله“.

ومن خلال سيطرتهم على أقدس البقاع الإسلامية -مكة والمدينة- يرى القادة السعوديون أنّهم حماة المصالح السُنية في المنطقة، لكنّ ما دفعهم لتبني مواقف أكثر قوة هو تخوفهم من تزايد نفوذ إيران من خلال دعم المليشيات التي تقاتل بالوكالة في العراق، وإرسال الدعم المالي والعسكري لنظام بشار الأسد المحاصر في سوريا.

وقد بدأت الهجمات السعودية في اليمن في مارس عام 2015، بعد أن استولى المتمردون الشيعة الحوثيون على مناطق كبيرة داخل البلاد. ويتهم مسؤولون سعوديون إيران بدعم المسلحين.

ولكن، بعد أسابيع من القصف الجوي من قِبل السعوديين والائتلاف الذي يتكون معظمه من العرب، فشلت السعودية في دحر الحوثيين، ولقى قرابة 2000 شخص مصرعهم أثناء القتال، معظمهم من المدنيين، وذلك وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وقد أثارت أزمة اليمن تساؤلات حول قدرات الجيش السعودي الذي يعتمد على الخدمات اللوجستية والمخابراتية من الولايات المتحدة، لتنفيذ الحملة.

يعتمد النظام السعودي على الحكومة الأمريكية لضمان استقرار الأمن في البلاد، وتُصر إدارة أوباما على أنّ دعمها للسعودية لم يطرأ عليه أي تغيير، ولكن يخشى المسؤولون السعوديون من تقليص الولايات المتحدة لالتزاماتها تجاه شركائها التقليديين في الخليج لصالح التقارب مع إيران، كما يقول المحللون، وذلك بعدما تمكّنت إدارة أوباما من التوصل إلى اتفاق مبدأي بشأن حظر البرنامج النووي الإيراني في أبريل الماضي.

قال فهد نزار، المحلل السياسي السابق في السفارة السعودية بواشنطن: “قدرة إيران على استغلال الاضطرابات في المنطقة وتوسيع نفوذها في العالم العربي جعلت السعوديين أكثر حزمًا“.

وأضاف نزار الذي يعمل حاليًا كمحلل في شركة جاي تي جي للاستخبارات في ولاية فرجينيا: “ليس هناك شك في أنّ التقارب بين الولايات المتحدة وإيران قد زاد من شعور السعوديين بالاستعجال بشأن عدم الاستقرار في المنطقة”.

تولي العرش

بصفته واحدًا من بين عشرات الأبناء لمؤسس السعودية، الملك عبد العزيز بن سعود، تم تعيين الملك سلمان أميرًا لمنطقة الرياض في بداية الستينيات، وخدم في هذا المنصب قرابة الخمسين عامًا، وهي الفترة التي تطورت فيها الرياض، من بلدة صحراوية منعزلة إلى مدينة حديثة مترامية الأطراف يعيش بها أكثر من سبعة ملايين نسمة.

وبصفته مديرًا، يُقال بأن الملك سلمان له سجل خال من الفساد، وقد تعامل مع قضايا عديدة مثل النزاعات القبلية ومشاريع البنى التحتية والمنافسة داخل العائلة الملكية.

ويقول نزار: “اهتم الملك سلمان باحتياجات واهتمامات السكّان، وكثيرًا ما كان يجتمع معهم وجهًا لوجه“.

ومنذ أن تولى العرش بعد وفاة الملك عبد الله، نشرت وسائل الإعلام المحلية العديد من التقارير عن الملك سلمان حينما كان أميرًا، وصوّرته على أنه يتسم بالتواضع ويجتمع بالسكّان العاديين والمثقفين. كما استخدم سلمان وسائل الإعلام التي تخضع لرقابة الدولة ليقدم نفسه على أنّه القائد في زمن الحرب.

وفي الرياض، تُظهر اللوحات الإعلانية الضخمة الملك بجانب القوات السعودية والمقاتلات. في المراحل الأولى من الحملة السعودية في اليمن، أيّد رجال الدين المسلمون الحرب وأثنوا على الملك سلمان باعتباره مدافعًا عن الأمة وجيرانها.

قال نزار: “لا تزال العملية تحظى بشعبية كبيرة بين السعوديين. لقد أدت في الواقع إلى زيادة مشاعر القومية في جميع أنحاء المملكة“.

مع هذا الحشد الكبير الذي يؤيّده، قام الملك سلمان بتغييرات جذرية في قيادة المملكة؛ حيث استبدل الملك الأمير الذي يليه في خط الخلافة وشرع في تعيين وزراء من جيل الشباب.

قام بتعيين محمد بن نايف، وزير الداخلية البالغ من العمر 55 عامًا، وليًا للعهد، وبذلك أعفى الأمير مقرن البالغ من العمر 71 عامًا. ونتيجة لذلك أصبح محمد بن نايف أول حفيد للملك عبد العزيز يتولى العرش، بعد عقود حكم خلالها أبناء الملك المؤسس. كما رقى الملك سلمان نجله، محمد بن سلمان، 30عامًا، ليكون وزيرًا للدفاع ووليًا لولي العهد.

أصبح محمد بن سلمان مسؤولًا عن حرب اليمن على إثر هذا التعيين، وربما الأهم من ذلك أنّه جعل منه الرجل الثاني في تولي الحكم. فقد حضر قمة الرئيس أوباما لقادة دول الخليج في واشنطن في شهر مايو الماضي، بدلًا من والده، في خطوة يُنظر إليها على أنها إشارة لتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة نتيجة لسياستها التصالحية مع إيران. ونفى مسؤولون سعوديون بشكل علني توجيههم مثل هذه الرسالة.

أضاف نزار: “في بعض الجوانب، تم تشكيل جزء كبير بالفعل من إرث الملك سلمان“. وكانت هناك تكهنات واسعة بأن معركة الخلافة قد تحدث عند موت الجيل الأكبر من الزعماء السعوديين. لكنّ نزار قال: “بدأ الملك سلمان التحوّل الذي طال انتظاره إلى الجيل الثالث من الزعماء السعوديين بسلاسة تامة“.

ويلاحظ خبراء سعوديون أنّ صعود القيادات الشابة إلى الحُكم لا يعني بالضرورة سياسات أكثر تحررًا، فقد رسّخ الملك سلمان علاقاته بالمحافظين الدينيين، واستبدل الرئيس الإصلاحي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة بمسؤول آخر، معروف بآرائه الصارمة في الملابس الغربية. وقد أعدمت السُلطات السعودية بالفعل 90 شخصًا هذا العام، بعد إدانتهم بتهم القتل والمخدرات، متجاوزة بذلك إجمالي من تم إعدامهم في 2014.

ويرى المحللون أنّه على النقيض من الملك عبد الله الذي بدأ برنامجًا إرشاديًا للجهاديين العائدين من العراق وسوريا، يتوقع أن يتخذ القادة الجدد موقفًا أكثر تشددًا ضد المسلحين.

اكتسب ولي العهد محمد بن نايف الشهرة نتيجة للحملة التي شنّها على مسلحي تنظيم القاعدة، كما نجا من أربع محاولات اغتيال. وعلى عكس العديد من أعضاء الجيل الأكبر سنًا في العائلة المالكة، لم يدرس ابن الملك سلمان، نائب ولي العهد، في الولايات المتحدة أو أوروبا.

لقد جاء جيل الشباب في الوقت الذي تتطور فيه علاقات المملكة مع واشنطن. بالنسبة للجيل الأكبر سنًا، كانت الحرب التي قادتها الولايات المتحدة لتحرير الكويت من القوات العراقية في عام 1991 بمثابة لحظة فارقة، ودليل على التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها العرب. لكنّ السعوديين شعروا بالاستياء عندما قطعت إدارة أوباما علاقاتها مع الرئيس المصري حسني مبارك أثناء ثورة 2011 المؤيدة للديمقراطية، والإطاحة بحليف قديم من السُلطة.

جرأة الملك سلمان

على الرغم من أنّ الملك سلمان يضع بصمته على السياسة الخارجية السعودية؛ إلّا أنه لا يستطيع أن يغير العلاقات مع الولايات المتحدة تغييرًا جذريًا؛ فلا تزال المقاتلات الأمريكية تقود الحملة الجوية على مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، مع وجود القوات الجوية السعودية التي تلعب دورًا صغيرًا لكنه رمزي.

أصبحت تلك الجماعة المتطرفة مصدر قلق كبير بالنسبة للسعوديين؛ فقد تعرضت المواقع الحدودية للسعودية للهجوم من قِبل مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة الأنبار العراقية. وفي مايو الماضي، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية أولى عملياته الاثنتين في المملكة، من خلال هجوم مفخخ على مسجدين للشيعة شرق البلاد. وقد أسفرت تلك الانفجارات عن مقتل 22 شخصًا على الأقل.

ويقول محللون إنّ النظام الملكي السعودي ليس في خطر الانهيار نتيجة حركة التمرد التي يقودها بعض الجهاديين. ولكن، جهاز الأمن السعودي في حاجة إلى المخابرات الأمريكية ومعرفة أساليب إفشال مخططات المتطرفين، الذين جنّدوا ما يقدّر بنحو 2500 مقاتل سعودي، بحسب ما ذكره المركز الدولي لدراسات التطرف والعنف السياسي في لندن. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال الولايات المتحدة هي المورد الأول للأسلحة إلى السعودية.

يقول نواف عبيد: “هناك شيء واحد يجب أخذه في الاعتبار، وهو أنّ الملك سلمان يريد إعادة تشكيل السياسات السعودية، ولكن ليس على حساب قرارات متهورة قد تلحق ضررًا بالغًا بعلاقات مهمة كتلك التي مع واشنطن.

ربما توجد أصوات تطالب الملك سلمان بالتحرك بشكل أسرع وتنفيذ رؤيته، ولكن هناك خطر في التحرك بسرعة كبيرة. أعتقد أنّ الملك سلمان يدرك ذلك؛ لأنّه أمر مصيري. يجب أن تتحلى بالجرأة، لكن يجب أن تعرف متى تكون الجرأة ضد مصلحة البلاد“.

واشنطن بوست



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.