مقالات مختارة

الأحد,7 يونيو, 2015
هيا بنا نتعرى ..(الإنسان وفلسفة التعري)

الشاهد_بين الفينة والأخرى يُقدِم سدنة معبد الشهوانية الإباحية؛ على خلق مشهد من مشاهد التعري المعلن ليجعلوا منه وسيلة لنقل (فيروس) مرضهم المزمن إلى عدد أكبر من الضحايا ..د شهدت الساحة المغربية هذه الأيام؛ نشاطات متعددة لدعوة المغاربة إلى هذا المعبد؛ باسم الاحتجاج تارة، وباسم الفن والانفتاح على الثقافات تارات أخرى!

ويصعب تصور أن هذه الأنشطة عفوية؛ بل إنها مدروسة ومخطط لها؛ وهو ما جزم به بلاغ وزارة الداخلية الصادر أمس بشأن مواطنين مغاربة ومواطنتين فرنسيتين وأخرى إسبانيا؛ أقدموا على التعري والقيام بحركات ذات إيحاءات جنسية في أماكن عمومية؛ فقد نص البلاغ على أن تلك الأفعال جاءت “في إطار الهجوم الذي تباشره منظمات أجنبية تدعم انحراف الأخلاق”.

وسجل بلاغ وزارة الداخلية أن النشاط المعادي للمواطنة الاسبانية يرتبط بأنشطة المواطنتين الفرنسيتين اللتين تم ترحيلهما يوم الثلاثاء الماضي ونشاط مواطنين مغربيين تم توقيفهما يوم الأربعاء 03 يونيو الجاري بعد قيامهما بأعمال مخلة بالحياء في ساحة «صومعة حسان» في الرباط، وأن الشابين وهما من مراكش والدار البيضاء يخضعان للتحقيق قبل عرضهما على المحكمة.

وأضاف البلاغ أن وزارة الداخلية تعتبر أن الأمر يتعلق بسلسلة من مناورات الاستفزاز والتحرش تباشرها منظمات أجنبية تخرق بشكل متعمد القوانين المغربية، وتستهدف الأسس الاجتماعية والدينية للمجتمع المغربي وتحاول المساس بالأخلاق العامة و أن أعمال الاستفزاز هذه تعتبر غير مقبولة من طرف المجتمع المغربي بمختلف مكوناته”اهـ.

ولم تكن هذه الحوادث هي المظهر الوحيد لسلوك التعري المفتعل؛ بل سبق ذلك بأيام تسريب مقاطع عري جنسي من فيلم (الزين اللي فيك) للمخرج الفرنكوفوني نبيل عيوش ..

وتزامن مع ذلك أيضا: نقل القناة الثانية لسهرة مغنية أمريكية حصدت من منظمي مهرجان موازين؛ مبلغا ماليا ضخما، في مقابل تقديمها مؤخرتها الرخيصة للمغاربة باسم الفن ولقاء الثقافات!

إن سلوك التعري؛ منافٍ لما وجه الخالق سبحانه إليه بني الإنسان، في قوله تعالى:

{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف 26 – 27).

قوله تعالى: {لباسا} أي: اللباس الضروري، وقوله سبحانه: {ريشا} أي: لباس الزينة الكمالي.

وقد نزلت هاتان الآيتان بسبب عادة شنيعة كانت بين العرب، شبيهة إلى حد كبير بهذه التي نتحدث عنها؛ وهي طوافهم بالبيت عراة، واعتقادهم الجازم بعدم قبح ذلك، بلِ استحسانُهم له:

قال صاحب النكت والعيون (ج 1 / ص 475):

“قوله عز وجل: {يَا بَنِيَ آدَمَ َقَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ..} نزلت هذه الآية في قوم من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويرون أن ذلك أبلغ في الطاعة وأعظم في القربة! وفي دخول الشبهة عليهم في ذلك وجهان:

أحدهما: أن الثياب قد دنستها المعاصي فخرجوا عنها!

والثاني: تفاؤلاً بالتعري من الذنوب!

فقال الله تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} أي ما تلبسون من الثياب”اهـ.
ولئن كانت هذه هي فلسفة العرب قديما في تعريهم، فإن لعراة حركة (فيمن) وفيلم عيوش وسهرة موازين؛ لهؤلاء كلهم خلفيات (إيديولوجية) وسياسية؛ منها: إشاعة سلوك التعري للتطبيع مع الإباحية وجعل مظاهرها عادية عند الناس، ومنها: تخريب ما تبقى من فضائل الحياء في الأسرة والمجتمع المغربيين، ومنها: الاحتجاج للمطالبة بحقوق المرأة، ومنها: إحراج النظام المغربي القائم على إمارة المؤمنين، ومنها: إحراج الحكومة ذات الأغلبية الإسلامية ..!

إن فلسفة التعري تُصادم الفطرة الإنسانية، وتقود الإنسان إلى التجرد من نعمة عظيمة امتن بها الخالق على البشر، وفضَّله بها على الحيوان؛ وهي نعمة اللباس:

قال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير(ج 5 / ص 264)، في معرض تفسيره للنص القرآني المتقدم:

“وهذا تنبيه إلى أنّ اللّباس من أصل الفطرة الإنسانيّة، والفطرة أوّل أصول الإسْلام، وأنّه ممّا كرم الله به النّوع منذ ظهوره في الأرض، وفي هذا تعريض بالمشركين إذ جعلوا من قرباتهم نزع لباسهم بأن يحجّوا عُراة …فخالفوا الفطرة”.
قال: “وفي الآية إشارة إلى أنّ الشّيطان يهتم بكشف سوءة ابن آدم؛ لأنّه يسرّه أن يراه في حالة سوء وفظاعة”.
وقال في (ج 5 / ص 266):

“والنّداء بعنوان بني آدم: لزيادة التّنويه بمنّة اللّباس، وفيه توكيداً للتّعريض بحماقة الذين يحجّون عُراة؛ وقد نُهُوا عن أن يفتنهم الشّيطان.

وفُتون الشّيطان: حصول آثار وسوسته؛ أي: لا تُمكِّنوا الشّيطان من أن يفتنكم، وهذا من مبالغة النّهي، ومنه قول العرب: لاَ أعْرِفَنَّك تفعل كذا: أي لا تَفْعَلَن فأعْرِفَ فعلك..؛ فالمعنى لا تطيعوا الشّيطان في فتْنِهِ فيفتنَكم”.

قال: وجملة: {ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} استئنافٌ ثانٍ، على قراءة: {ولباسَ التقوى} بالنّصب، بأنِ استأنف بعدَ الامتنان بأصناف اللبّاس؛ استئنافين يؤذنان بعظيم النّعمة:

لأوّل: بأنّ اللّباس خير للنّاس.

والثّاني: بأنّ اللّباس آية من آيات الله تدلّ على علمه ولطفه، وتدلّ على وجوده.

وفيها آية أخرى: وهي الدّلالة على علم الله تعالى بأن ستكون أمّة يَغلب عليها الضّلال فيكونون في حجّهم عُراةً، فلذلك أكّد الوصاية به”.

قلت: وفيها آية أخرى وهي الدّلالة على علم الله تعالى بأن ستكون أمّة يَغلب عليها الضّلال فتستبيح سلوك التعري باسم الفن وحوار الثقافات والاحتجاج ..

وكيف لا يكون التعري ضلالا؛ وهو يهبط بالإنسان من مقام التكريم الإلهي إلى حضيض التشبه بالبهائم وفئام من الشعوب والقبائل المتخلفة الجاهلة؛ حيث النساء عاريات الصدور، والرجال والنساء تظهر سوءاتهم المغلظة لأيسر حركة!

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]

واللباس من مظاهر التكريم التي فضل الله بها الإنسان على الحيوان.

ومن هنا اعتبرت الشريعة التعري ذنبا ومعصية، ونهت عنه:

عن معاوية بن حيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك”.

قال: قلت: “فإذا كان القوم بعضهم في بعض”؟

قال: “إن استطعت ألا يرينها أحد فلا يرينها”.

قلت: “يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا”؟

قال: “فالله أحق أن يستحيى منه”. (رواه الترمذي).

وبعدُ، فإن المفاسد السلوكية والصحية والاجتماعية لهذه العادة بيِّنة جلية، وإن اجتهد (منظرو فلسفة التعري) و(سدنة الفكر الإباحي) في إخفائها والتهوين من شأنها:

فإنها تنشر في المجتمع الرذيلة والفاحشة، ونحن نعلم ما يترتب على هذا الانتشار من الأدواء الصحية، والمشاكل الاجتماعية، وما يؤدي إليه من انتهاك الأعراض، واختلاط الأنساب، وموت الغيرة والشرف، وتفكك الأسر، وانحراف الشباب ..: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}(طه127).

الكاتب المغربي حماد القباج