أخبــار محلية

الثلاثاء,13 سبتمبر, 2016
هنشير “ستيل” : صراع بين “الجمنيين” و “المتسوّغين الخواص” .. لمن ترجح الكفّة؟

الإنتقال من مرحلة إلى أخرى ، مُخَالِفَةٍ تماما لسابقتها في القوام و الصفات ، كفيل بخلق مفارقات شتّى تزخر ، إن شئنا ، باللُّبس !

و هو ما حدث ، بالتفصيل و التدقيق ، عقب الثورة التونسية ! ملفّات عديدة تلك التي ظلت إلى يومنا هذا غارقة في بحر من الغموض ، أُجّل النظر فيها أو تناساها البعض ، ربما قصدا أو عن غير قصد ، لتحقيق مآرب شخصية ..

من بين الملفّات التي تعجّ لبسا ، نطرح ملفّ “هنشير ستيل ” بجمنة.

نبذة عن قضية “الهنشير”

تعود جذور قضية ما يعرف بـ “هنشير ستيل” أو “هنشير المعمر” إلى إلى ما قبل دولة الاستقلال.
و لرفع الغشاوة أكثر، نذكّر بأن زمن الإستعمار الفرنسي للبلاد التونسية ، كان الفرنسيون يستولون على أراضي التونسيين من شمال البلاد إلى جنوبها ليحوّلوها إلى ضيعات خاصة بهم بحماية القوات الإستعمارية ورعايتها .

ومن هنا انطلقت قصة “هنشير المعمر ” بجمنة و التي تصدى فيها المواطن ” محمد حنين المعمر ” الذي إفتكت أرضه ، للمستولين مما أدى إلى سجنه مدة 28 يوما،

إمتد ذلك حتى صدور قانون الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964 الذي أعاد أملاك المعمرين إلى الدولة التونسية التي كونت منها تعاضديات فلاحية وشركات فلاحية دولية و فرطت في الكثير منها إلى المتنفذين في السلطة أنذاك.

ولا زالت بعض الهناشير في شمال البلاد تنسب إليهم إلى يومنا هذا و لم يراع في ذلك ما إذا كانت هذه الأرض أصلا ملكا للدولة أو ذات صبغة خاصة .

و منذ الستينات ، ما انفكّ أهالي جمنة يطالبون باستعادة أراضيهم وتمت مراسلات عديدة في هذا الخصوص منها “مراسلة كاتب الدولة للفلاحة بتاريخ 27 أكتوبر 1964” و “مراسلة وكيل كاتب الدولة للفلاحة بتاريخ 14 فيفري 1965 ” ، كما بادروا باكتتاب مالي باسم السيد والي قابس أنذاك باعتبار قبلي كانت معتمدية تابعة لولاية قابس لشرائها (إسترجاعها ).

إلا أن المال الذي بعث تم استغلاله في بناء نزل الواحة بقابس وتأسيس شركة نفزاوة للنقل التي سميت فيما بعد بالشركة الجهوية للنقل قابس مدنين الصحراء وكذلك الشركة التجارية *التقدم* بقابس و لأهالي جمنة رقاع بهذه الشركات. وضاعت القضية ….و بعد إفشال تجربة التعاضد سوَّغت الدولة “الهنشير” للشركة التونسية لصناعة الحليب المعروفة باسم “ستيل” سنة 1972 و لمدة 30 عاما .

و مع توسع نشاط هذه الشركة في كامل البلاد و الفساد الذي نخرها أعلنت إفلاسها و قامت السلطة بتسويغها من جديد إلى بعض الرأسماليين الخواص من الجهة بعقد مؤرخ في 04 افريل 2002 على وجه الكراء لمدّة 15 عامًا.

عقد التفويض تضمن ملابسات و غموض ، فقد تم التلاعب في ثمن تسويغ الهكتار حيث قُدِّرَ معين كراء الهكتار بثمن قنطار القمح لا باعتبارها أرضا مشجرة بأجود انواع النخيل ” دقلة نور ” وبذلك حُدد السعر بـــ :80 دينار للهكتار الواحد ( 100 أصل دقلة في الهكتار أي أقل من دينار للنخلة الواحدة ) و بمبلغ جملي أقل من عشرة آلاف دينارا في السنة ، في حين يمكن لكلّ هكتار فيها أن يتسّع لما يقارب الـ 150 نخلة، وأن تنتج كلّ منها، ما قد يبلغ قيمته 200 د، وبالتالي إنتاجًا جمليًا يمكن أن يدرّ سنويًا حوالي 3 ملايين دينار.

شرارة الثورة أججت القضية و قلبت الموازين

جاءت الثورة لتوقد نيران الغضب في صفوف أهالي جمنة ، لينتفضوا على الواقع الجائر و يطالبوا من جديد بإستعادة ما افتكّ منهم ، و توجه العشرات منهم إلى الهنشير ليعتصموا أمامه و يسيطروا عليه .

آنذاك ، كان هنشير “ستيل” على ذمة مسوّغيه ، الذين استقدما الجيش من ثكنة ڨبلّي ليعيد لهما “أرضهما”. إلاّ أنّ القيادات العسكريّة خيّرت عدم مواجهة المئات من أبناء المدينة الذين اعتصموا قبالة الهنشير طيلة ستٍ وتسعين يومًا دعمًا لقرار استرجاع الأرض.

وبانسحاب الجيش، استقرّ الأمر لأهالي المنطقة ، ومنذ أربع سنوات تُشرف جمعيّة حماية واحات جمنة و لجنة مفوضة لتسيير ضيعة “الستيل”، على استغلال الهنشير بشكل تطوّعي، نيابة عن كلّ مواطني المدينة.

و صارت المداخيل توزّع بين أجور العمّال، الذين ارتفع عددهم، وبين تعزيز إنتاجية الأرض ودعم مشاريع تنمويّة لصالح أبناء جمنة.

توفير مواطن شغل و مضاعفة الإنتاجية

منذ استرجاعهم للضيعة ، تمكن الجمنيون من الترفيع من انتاجيّتها. بل وضاعفوا الأرباح السنويّة، التي كانت بمعدّل 450 ألف دينار سنويًا، إلى لتصل إلى 1800 ألف دينار بالنسبة لموسم سنة 2014.

كما ساهم الهنشير في توفير مواطن شغل لأبناء المنطقة ، إذ كان يشغّل سنة 2010 سوى 20 عاملاً قارًا و60 موسميًا ، ليرتفع عدد العمال إلى حوالي 130 عاملاً أغلبهم قارّين.

الضيعة تساهم في النهوض بتنمية جمنة

و يُشهد لجمعيّة حماية واحات قفصة أنها صرفت جزءًا هامًا من مداخيلها في تمويل مشاريع تنمويّة لصالح أبناء المدينة. ومن أهمّها: بناء سوق مُسقّف وسط المدينة؛ بناء وحدات صحّية وتهيئة جزء من الساحة في المدرسة الابتدائيّة الكبرى بجمنة؛ بناء قاعة مطالعة وقاعة للأساتذة في مدرسة النجاح الابتدائيّة؛ إنجاز ملعب حيّ؛ دعم للمساجد وللمدرسة القرآنية، دعم مالي لمركز المعاقين المتخلّفين ذهنيًا؛ دعم المهرجان الثقافي والاعتناء بمقبرة المدينة.

كما ساهمت الجمعية في دعم عدد من المشاريع الأخرى بالجهة، خارج جمنة، منها: جمعيّة الطفل المتوحّد بڨبلّي، جمعيّة مرضى السرطان بڨبلّي والمدرسة الابتدائيّة بڨفصة وغيرها من الأمثلة التي ذكرها لنا أمين مال الجمعيّة ، وفق ما أفاد به أمين مال الجمعية علي حمزة أمين .

صراع بين الخواص و الجمنيين .. إلى من ترجح كفة القانون؟

كما ذُكر أعلاه ، فإن عقد الكراء الذي سوغته الدولة للخواص سنة 2002 ، تدوم عهدته 15 سنة ، أي أن العقد مازال نافذًا حتى مارس 2017.

وما يزال المتسوّغ السابق متمسّكًا باسترجاع الأرض أو بأن تعوّضه الدولة عنها، وقد سبق له أن رفع ضدّه قضيّة، رفضت محكمة ڨبلّي النظر فيها ، كما رفع في الغرض قضيّة ثانية ضدّ وزارة الشؤون العقاريّة، التي سوّغت له الأرض في عهد الوزير الأسبق رضا ڨريرة، الاّ أنّ المحكمة ظلّت تؤجّل البتّ فيها المرّة تلو الأخرى ، وفق ما أفاد به رضا بن عامر، المتسوّغ السابق للضيعة ، في تصريح صحفي .

من جانبهم ، اكد أعضاء جمعية حماية واحات قفصة على ثقتهم من أنّهم “سينتصرون بالقانون بعد أن انتصروا على الميدان”، وفق ما صرح به طارق الرحموني، المسؤول الإداري بهيئة الجمعيّة.

الدولة تخيب امال الجمنيين

على غير ما انتظره أهالي جمنة ، فإن الدولة قررت مصادرة المحصول السنوي للهنشير ، وفق ما أعلم به كاتب الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية مبروك كرشيد لأعضاء الجمعية ، كما اصدرت كتابة الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية بلاغا يوم الخميس الفارط تحذر فيه الجمعية إعتزامها القيام ببيع صابة التمور على رؤوس نخيلها لموسم 2016.

ويذكر أن أهالي جمنة دخلوا في اعتصام مفتوح منذ يوم الجمعة 2 سبتمبر وبالتوازي مع ذلك نفذوا وقفة إحتجاجية أمام مقر الإدارة الجهوية لكتابة أملاك الدولة بقبلي لدفعها للتراجع عن قرارها .

قرار كفيل بحلحلة الأمور و تأزيم الأوضاع الإجتماعية لعمال الواحة بشكل خاص وعلى المنطقة عموما ، لإسقاطها في جرف لا قيام لها منه ..

إن كانت الدولة عاجزة عن النهوض بالجهة و عن توفير مواطن شغل من شأنها الحد من آفة البطالة المستفحلة فيها ، فلِم لا تسمح بتفويض جمعية حماية الواحات لتسيير أمور الضيعة طالما وفرت مواطن شغل و نهضت بالتنمية و دعمت مشاريع بالمنطقة ..؟  أم أن للدولة مآرب نجهلها ..؟