كتّاب

السبت,10 أكتوبر, 2015
هل يمكن الحديث عن إسلام سياسي جديد …

الشاهد_رغم ان الأفكار الأولية لهذا المقال قد تشكلت في ذهني منذ مدة غير قصيرة، الا انني ترددت كثيرا في نشرها ، ليس من موقع التهيب من الإفصاح عن القناعات، ولكن لان طبيعة المناخات العامة في العالم العربي لا تشجع على النقد البنَّاء وطرح الأسئلة الكبرى . اذ يواجه الاسلاميون في مواقع عدة سياسات أمنية شرسة بموازاة تراجع موجة التغيير في المنطقة، وعودة نذر التسلط العسكري مجددا. وفي مثل هذه الأجواء يخشى المرء ان تفهم هذه الدعوة للتجديد والمراجعة وكأنها هروب من تحمل المسؤولية واندراج في موجة التحامل التي انخرطت فيها قوى كثيرة. وعليه من المهم بمكان التاكيد هنا على ان عملية النقد هذه، إنما يراد من ورائها البنَّاء والتطوير المسؤولين، وليس التحامل والتجريح لظاهرة نحن جزء منها. فضلا عن كونها تقدم دليلا على ديناميكية هذا التيّار الفكري العريض وقدرته على التطور والنمو .
ولعلّ أهم الأسئلة الكبرى التي تطرح نفسها في هذا الصدد: ما المقصود بالجديد؟ وما هي خيوط التمييز بين ما هو جديد وما هو قديم في سياق الإسلام السياسي؟ وما الذي يتوجب تجاوزه في هذا الميراث وما الذي يتوجب الاحتفاظ بِه؟
اولا وقبل كل شيء لا بد من لفت الانتباه إلى ان مصطلح الاسلام السياسي ورغم ما يعتريه من نقائص الا انه يظل مع ذلك، الاكثر تعبيرا عن الظاهرة، مقارنة بما هو متداول من مصطلحات وتسميات رائجة في الساحة السياسية والاعلامية. ثانيا لابد من تجريد كلمة جديد هنا من القيمة المعيارية، فالحديث عن اسلام سياسي جديد لا يَعْنِي بالضرورة ان كل ما هو جديد ونستحدث ممدوح، أو أن كل قديم مذموم، ولكن هذا لا يعني ايضا التنكب عن التجديد والتطوير بذريعة افضلية الماضي وكل ما هو قديم.

لا شك ان هناك مساهمات فكرية وسياسية مهمة في إطار تيار الاسلام السياسي العريض في اكثر من موقع في العالم الاسلامي، الا انها مع ذلك لم تفصح عن نفسها بصورة واضحة ومحددة المعالم والشخوص، وبقيت عبارة عن عناصر متناثرة هنا او هناك في حاجة الى من يعطيها روحا ووحدة ناظمة، ، ولعل الإضافات الجادة التي قدمتها شخصيات فذة في التاريخ القديم والحديث تعود في قدر كَبِير منها إلى جمع هؤلاء بين التامل الثاقب والممارسة العملية، ولَك أن تقول التفكير المتبصر في أحوال الاجتماع السياسي، كما هو شان ابن خلدون ومكيافيلي قديما وخير الدين التونسي وجفرسون وفكلاف هافل حديثا.
قدم الاسلاميون الأتراك والمغاربة والماليزيون إضافات مهمة لتيار الاسلام السياسي من حيث فتح دروب حديدة في مجال العمل الشعبي وإدارة شؤون الحكم، الا ان هذه التجارب ظل يغلب عليها الطابع العملي البراجماتي، ولم تكن مصحوبة بفكر ونظر، ولعله يحسب للاسلاميين الأتراك واقعيتهم وميلهم للانفتاح على كل جديد ونافع ولكنهم على صعيد الفكر ظلوا مستهلكين ومعتمدين في الغالب على الترجمة والنقل، فالطيب اردوغان، وَعَبَد الاله بن كيران وأنور ابراهيم على اختلاف خلفياتهم وتجاربهم ،هم سياسيون ورجال دولة مهرة، وهم معنيون بتحقيق اكثر ما يمكن من النجاعة العملية اكثر مما هم معنيون بالتفكير والكتابة، ولذلك قل وندر ان نجد لهم نصوصا موسسة او مؤطرة لخطهم السياسي العام ، وربما يمثل الترابي في السودان والغنوشي في تونس، والى حد ما داوود اوغلو في تركيا، وخاتمي في ايران رغم ما بينهم من اختلاف الموقع والخلفية استثناء من هذه القاعدة العامة.

يحتاج ما أسميناه هنا بتيار الاسلام السياسي الجديد الى جانبين اثنين متكاملين، أولهما الهدم أو التخلص من الأفكار التي لم يثبت نفعها وجدواها، في إطار ما أسماه مالك بالنبي بالأفكار الميتة، وثانيهما تأسيس اطروحات جديدة تستجيب لحاجات المرحلة وأوضاع العالم الاسلامي، وسنكتفي هنا في هذه المقالة بذكر ما يجب مراجعته او هدمه، على ان نبسط القول في مناسبات قادمة ملامح وتوجهات هذا التوجه الجديد الذي ندافع عنه.

تشكل تيار الاسلام السياسي التقليدي مع جماعة الاخوان المسلمين في عشرينات القرن الماضي تحت ضغط موجة العلمنة وتفكك عرى السلطنة العثمانية التي كانت تمثل، رغم علاتها، الحاضن الأساسي للإسلام السني، وقد احدث ذلك زلزالا كبيرا في الوعي والوجدان الإسلاميين، وكان من النتائج المباشرة لذلك تشكل مفهوم الجماعة الصفوية او الطلائعية التي تأخذ على عاتقها إعادة بناء الدولة الاسلامية المفقودة.
كان رشيد رضا اول من نظر لهذه الفكرة، في كتابه الشهير المعنون بالخلافة، وقد بدأه إصلاحيا عثمانيا لينتهي به المطاف، بعد إلغاء اتاتورك رسميا لنظام الخلافة، إلى بلورة فكرة حزب الإصلاح الذي يأخذ على عاتقه اعادة بناء الخلافة، بعد ان سئم من صراعات الملكيات العربية على وراثة الأتراك. ثم جاء من بعده حسن البنّا مؤسس الاخوان المسلمين، الذي تسلم منه مباشرة مجلة المنار الإصلاحية، ليقنن فكرة جماعة الإصلاح اكثر، ممثلة في الاخوان المسلمين، باعتبارهم روحا تسري في جسد الأمة على حد تعبيره، وهم المؤتمنون على حاضر الاسلام ومستقبله في ظل غياب الكيان السياسي الرسمي ، وتمثل الجماعة هنا وفق تصور البنّا رابطة عقدية متينة تقوم على الولاء والطاعة في المنشط والمكره، ورغم ان الحركة الاسلامية قد نشأت في اصلها كتيار شعبي مفتوح وأقرب الى التيار الثقافي العام منها الى الجماعة المغلقة، الا ان مناخ المواجهات السياسية قد دفعها فيما بعد الى مزيد التحصن الداخلي والمبالغة في التراتبية التنظيمية الهرمية المفاصلة للمجتمع والدولة على السواء.
طبعا هذا النقد لا ينقص شيئا من بلاء الإسلاميين وصدق سريرتهم في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية وفي رد المخاطر الخارجية في أكثر من موقع في العالم الاسلامي، والعربي منه على وجه الخصوص، و لا دورهم المقدر في تهذيب الأخلاق العامة وتنمية روح العمل المنظم والمنضبط لدى قطاعات واسعة، وخصوصا بين الشباب المثقف والمتعلم .

احتلت فكرة الدولة الاسلامية ومعها مقولة الشريعة موقعا مركزيا في خطاب الإسلاميين المحدثين، وخصوصا لدى الأب المؤسس حسن البنّا ، ثم جاء من بعده ابو اعلى المودودي من شبه القارة الهندية بخلفيته القانونية ليغرق اكثر في تقنين معنى الدولة الاسلامية وتأصيل مفاهيم الحاكمية وأصل الشرعية وغيرها، ثم أعقبه سيد قطب ليزيد في تجذير عقائدية الدولة الاسلامية ونحت مقولات الحاكمية والسيادة والمفاصلة وغيرها. ورغم انه من الصعب القول ان التيار الاسلامي قد توقف عند هذه الحقبة ، فقد قدم جيل جديد من الإسلاميين مساهمات اكثر جدية وعمقا مثَل راشد الغنوشي وسليم العوا وفهمي هويدي ومنير شفيق وَعَبَد الوهاب الافندي الا ان البصمات التأسيسية الأولى بقيت هي الغالبة.
أصبح شعار الدولة الاسلامية يلهب المشاعر الجماعية في مواطن كثيرة من العالم الاسلامي بالتزامن مع تعمق إخفاقات دولة الاستقلال واغترابها عن المجتمع، فقد خاضت الجبهة الاسلامية للانقاذ مثلا في الحزائر معركتها الانتخابية في تسعينات القرن الماضي تحت شعار”دولة،دولة إسلامية” وتمكنت من حشد جمهرة غفيرة من الجزائريين حول هذا المطلب الحماسي، كما حصل شيء من هذا في مصر والباكستان وغيرههما. وربما تمثل النهضة التونسية (وقبلها الحالة الاسلامية التركية منذ المرحوم أربكان) خروجا عن هذا السياق العام، حيث اختطت لنفسها وجهة مغايرة على صعيد الخطاب على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي من دون ان تأخذ مسافة واضحة من تيار الاسلام السياسي التقليدي.
الحقيقة أن فكرة الدولة الاسلامية هي مقولة مستحدثة ولا يكاد يعثر المرء على اثر لها في الفكر السياسي الاسلامي القديم الذي كان يركز أكثرِ على مقولات اخرى من قبيل البيعة وشروط الولاية، والشوكة، وحكم الغلبة وغيرها. اما الشريعة فهي لم تعن في التاريخ الاسلامي مدونة قانونية مكتملة ومغلقة على نحو ما يفهمه القانونيون المحدثون، بقدر ما كانت تعني المنظومة القيمية والروحية العامة التي يدخل من ضمنها التشريع بمعناه العام حيث لا ينفصل الاخلاقي عن التشريعي، كما انها كانت بمثابة خطاب عام حال في المجتمع اكثر مما كانت مشروعا للدولة. ويقدم الباحث الامريكي من أصل فلسطيني وائل حلاق في كتابه” الدولة المستحيلة” وقبل ذلك عمله الضخم حول الشريعة باللغة الانجليزية تحليلا علميا ضافيا لهذا الموضوع. وعليه يمكن القول هنا ان مقولتي الدولة الاسلامية وكذا الشريعة هما مقولتان مستحدثتان و لا تخلوان من قدر كبير من الغموض والالتباس،ولو سال احدنا ما هي هذه الدولة الاسلامية المنشودة وما هي معالمها وأسسها، لا يكاد يظفر على جواب واضح او قاطع على هذا الصعيد. وربما يقدم هذا الاهتمام المفرط بالدولة، وربط الشريعة بهذا الكيان السياسي مظهرا من مظاهر العلمنة الخفية.

من هنا وجب التخلي عن هذه الهالة السحرية والعقدية التي أضفيت على مقولة الدولة الإسلامية، وتجنب الفهم الشكلاني والقانوني للشريعة. اذ لا توجد دولة إسلامية او غير إسلامية بل يوجد مجتمع مسلم كحقيقة موضوعيّة ومسلم ، بها في مجتمعات ذات أغلبية مسلمة.

المهمة التاريخية المطروحة على العالِم الإسلامي اليوم ليس إقامة الدولة الاسلامية او العلمانية، بل قيام دولة محايدة وغير تدخلية ولكنها في نفس الوقت تلتزم باحترام المجتمع وثقافته العامة، فليس من مشمولات الدولة تحديد نظام القيم العامة واختيارات الأفراد بقدر ما يختصر دورها على تنظيم الِشأن العام . بينت التجربة العمليّة ان فرض الأسلمة بصورة فوقية وبأدوات الدولة كما حصل في ايران وافغانستان او فرض العلمنة الفوقية بادوات الدولة كما حصل في تركيا الحديثة والى حد ما مي اندونيسيا سوكارنو والدول الشيوعية في اسيا الوسطى قد انتهت كلها الى مأزق كَبِير.
يختزن الاسلام طاقة دفع روحية واخلاقية هائلة من الممكن ان تمثل معينا مهما لتصويب مسار العصر ومده بالقصد والوجهة الاخلاقية التي يفتقدها اليوم، كما أنه يعطي دافعا مهما للنهوض والتنمية في إطار ما أسماه الشيخ الثعالبي بروح التحرر، ولكن هذا الاسلام ليس قالبا ايديولوجيا محددًا ولا هو نظرية مكتملة في الدولة، وبهذا لمعنى نحن في حاجة الى تجاوز ما أسميناه سابقا بالسرديات الكبرى للعلمنة والأسلمة على السواء.

ضمن هذه الأسس العامة يمكن ان نتحدث عن اسلام سياسي جديد لا يترد في الأخذ بمكتسبات التيار الاسلامي الحديث ولكنه لا يترد ايضا في تجاوز معوّقاته وهنأته الفكرية والسياسية ولعل القدر الالهي ينتدب تونس دون غيرها لبلورة معالم وآفاق هذا التيار الجديد والواعد.

رفيق عبد السلام