مقالات مختارة

الخميس,21 يناير, 2016
هل في الجنة اسبان

 

الشاهد_صرخ احد الزعماء الهنود في جزيرة هاييتي التي اكتشفها الاسبان، وهومشدود إلى محرقة في وجه راهب إسباني كان يحاول إرغامه على أن يدخل في المسيحية، واعدا إياه بدخول الجنة إن أصبح مسيحيا : « وهل في الجنة اسبان ؟ « أجابه الراهب : ( طبعاً ما داموا يعبدون الإله الحق! « فاختار الهندي الاحتراق بكل حسم!ً رافضاً مكان إقامته الموعود : « إذن لا أريد أن أذهب إلى مكان أصادق فيه أبناء هذه الأمة المتوحشة».
عادت هذه الصرخة لتتعالى في زماننا، من مسيحيي الموصل وإيزيدي العراق ومن ضحايا الإرهاب الطائفي في العراق وسوريا واليمن، ومن قبلها فلسطين والبوسنة.

 

وتبنى بعض أصوليي اليمين الليبرالي المتطرف النظرية الداعشية نفسها في أن الإ، سلام انتشر بحد السيف، فارتكب الأولون مجازر دموية وارتكب الآخرون مجازر ثقافية، وتكفيرا ثقافيا، وشيطنة للحضارة العربية، سالخين جلد تنظيم الدولة وملصقيه بالإسلام منشأ مجد العرب، ، وصالبين أسرع الديانات التوحيدية انتشاراً في عصرنا، وأعظم حركة نضال عالمية من أجل تحرير الإنسان، على أخشاب توحشهم، وإنك حين ترى هؤلاء وتسمع هؤلاء، يخيل اليك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ضابطاً أوراهباً إسبانياً في تلك الحملة العسكرية الوحشية الشنيعة!!وتحار كيف تجعل الأولين يتصالحون مع الآخر الديني وكيف تجعل الآخرين يتصالحون مع حضارتهم وأمتهم!

 

وحيث فهم الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، رسالة الجهاد والفتح في الكتاب العزيز، أفضل من أعاجم العقل العربي المسترق لكل ما هوغربي، والقابع في سجنه الثقافي المعادي للأديان، والمصمم على أن الإسلام انتشر بحد السيف وعبر( ثقافة الخوف والنار)!، فإنه يطيب لي ان أنقل خلاصة دراسته لحركة الفتح الإسلامي وللقرآن الكريم حيث يقول émoticône frown إن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم، فاذا حدث وان اعتنق بعض الأقوام المسيحية الإسلام، واتخذوا العربية لغةً لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين )، يعيدني هذا إلى الوراء حيث فتحت سلما كلا من بعلبك ومعرة النعمان ومنبج وحماة وأمن المسلمون أهل تلك البلاد على ممتلكاتهم الخاصة وحرية شعائرهم، وأرجع اغلب المؤرخين سرعة عمليات الفتح في الشام إلى سخط أهل الشام على ظلم البيزنطيين ورغبتهم في عدل المسلمين، فترى القائد المسلم العظيم ابوعبيدة بن الجراح يرجع أموال الجزية إلى أهل حمص، فاستغربوا، حيث إن الامبراطورية الرومانية كانت تأخذ الجزية حتى ممن هم على ملتها من مسيحيي العرب!، وتقاتل من يلحق بحماية الدولة الإسلامية الناشئة من أجل هذه الجزية، معتذراً لهم بأن دولة الإسلام لن تستطيع حمايتهم بحسب عقد الحماية بينها وبينهم لأنها مشغولة بالقتال على جبهات أخرى فيرد أهل حمص: ( لولايتكم وعدلكم أحب الينا مما كنا فيه من الظلم والغشم)!.

 

وفي حين فرضت الديمقراطيات الحديثة ضرائب فظيعة على مواطنيها والمقيمين فيها، فان الإسلام لم يفرض على رعاياه ومواطنيه من المسلمين وغير المسلمين، ضرائب على هذا النحوالغاشم، فالجزية لم تكن إلا ضريبة تؤدى من مواطن لدولته ويؤدي في مقابلها المواطن المسلم فريضة الزكاة، ويعفى الفقراء من الجانبين منهما، الا إن الزكاة التي يدفعها المواطن المسلم يعطى ثمنها تقريبا لغير المسلمين في دولة الإسلام، رعاية للإخاء الوطني بين العائلات الروحية التي تعيش في كنف دولة الإسلام، وإشعارا للأغلبية بواجبها الاخلاقي تجاه الاقلية!

 

الجهاد كان عملا دفاعياعن الكيان الإسلامي، بشقيه الدفاعي المحض والهجوم الدفاعي، والفتح، كان بمثابة الجهاز الإعلامي التوسعي للدعوة الإسلامية والمدعوم بقوة عسكرية لحماية مبلغي الإسلام في زمن لا سيارات ولا اتصالات ولا انترنت فيه، ونوع من الجهوزية للقتال دفاعا عن حرية تبليغه وأمانة إيصاله لشعوب الدنيا، وكسر كل حواجز السلطات التي تحول دون ذلك وتمنع الناس من اعتناقه إن شاؤوا، وحماية معتنقيه الجدد من بطش السلطات، وطوق نجاة للشعوب المظلومة، وهذا ما يفسر حركة سرايا التبليغ التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثها مددا متفاوتة تطول وتقصر وينهاها عن القتال، قبل التبليغ إلا إن منعت تبليغ الدعوة إلى الإسلام، أوقتلت معتنقيه الجدد، اواعتدت على دولة الإسلام أوأي من مواطني دولة الإسلام، حتى لولم يكن مسلما.

 

تطلع سكان البلاد المفتوحة إلى عدل الإسلام الذي وجدوه أعدل من أبناء ملتهم، وبقي الناس على حرية الاعتقاد بعد انتمائهم لدولة الإسلام لا دولة المسلمين.، وبقي موظفوالمناصب الإدارية في أماكنهم، فتجد عمروبن العاص قد أمن الناس على معتقداتهم في مصر وأعاد البطريرك (بنيامين) الذي كان فارا من بطش البيزنطيين، الذين بطشوا بابناء ملتهم من الأقباط لخلاف مذهبي، فقتل جستنيان 200 ألف من القبط في الاسكندرية!!، وأوكل له مهمة الإشراف على شؤون أهل طائفته وسياستهم بحسب قانونهم الديني في الأحوال الشخصية والمدنية، بحيث لم يصبح المسلمون أغلبية في مصر الا في القرن الرابع!، ودخل المصريون إلى الإسلام أفواجا بسبب عدله وطبيعة فكره، وكذلك فعل السلطان محمد الفاتح في القسنطنطينية عندما أعطى البطريك حق الحكم في القضايا المدنية والجنائية بانواعها بين أهل ملته، دون أن يفرض عليهم القانون الإسلامي أويجبرهم على اعتناق الإسلام، وإنك لتعجب أن ديمقراطيات اليوم تمنع المسلمين من رعاياها من التحاكم لقوانينهم حتى في الأحوال الشخصية، فلا تسمح لهم بتعدد الزوجات ولا الميراث ولا الطلاق وفق قوانين دينهم، وتفرض ثقافتها على مواطنها المسلم بقانون الأغلبية حتى لوانضوى على مخالفة دينية بالنسبة له.

 

دخل الإسلام الشرق الأقصى في إندونيسيا، صاحبة أكبر عدد من مسلمي الأرض عبر قوافل التجارة والدعوة والطرق الصوفية دون حرب أوجيش، ويؤكد (رونالد اوليفر) في كتابه (short history of Africa) على زيف ادعاء ان الإسلام انتشر بالسيف فيقول :»ان الإسلام لم يأخذ طريقه إلى الصحراء الكبرى الا بعد انحلال دولته الكبرى في المغرب!!، وأن وسيلته لم تكن السيف، بل إنه استعمل الثقافة وحسن الخلق»، ويشير إلى أنه بعد الاجتياح المغولي للمشرق الإسلامي ووفاة «جنكيز خان»، انقسمت امبراطوريته إلى 4 فروع ثلاثة أرباعها اعتنقوا الإسلام بعد ذهاب الإرهاب المغولي وهم: وسط آسيا وغربها، والقوقاز، وجنوب روسيا، ويختم كلامه ( من السخف القول إن هؤلاء أكرهوا على الإسلام!!، فقد كانوا رعاة، والمسلمون تحت حكم التتار كانوا هم الرعية المستضعفة، ولكن الإسلام جذبهم نحوه بحضارته فتحولوا إلى بناة حضارة ورعاة بشر، بعد ان كانوا هادمي مدنيات ورعاة اغنام!! )
ويشير وول ديورانت إلى انه ( بسبب التسامح الديني الذي انتهجه المسلمون الأوائل، اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين الا عددا قليلا منهم وكثير من اليهود واستحوذ الإسلام على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين إلى الأندلس حتى بلغ عدد من يؤمنون به في أيامنا مئات الملايين ).

 

يعلق المفكر الإسلامي الألماني « مراد هوفمان»: على دوافع هذه الاتهامات فيقول في كتابه الإسلام كبديل : «طبيعي أن تلك الانتصارات جنحت بالانسان الغربي المسيحي، إلى الزعم ان الإسلام هودين عدواني، فصار يتشبث أن الإسلام انتشر بحد السيف»، واذ لا يخلوالتاريخ الإسلامي من تجاوزات، إلا أن الصيغة الغالبة كانت أخلاقية حيث يقول الامريكي Lothrop studdard عن عوامل انتشار وانتصار الإسلام بالقول، »كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه، أكبرها أخلاق العرب وماهية تعاليم صاحب الرسالة وشريعته «.

 

وإذ ألزم العهد القديم الذي يؤمن به مسيحيوويهود العالم أتباعه بالقتال وأخذ الجزية، وأخذت كل امبراطوريات ذلك الزمان الجزية ومارست الاضطهاد الديني فإنك تستغرب من تخصيص الإسلام بهذه التهمة!!، مع أن شهادة أعدائه قبل أوليائه تقول: ما عرفت البشرية غازيا أرحم من العرب!

 

 

كاتبة فلسطينية

غادة الشاويش



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.