مقالات مختارة

الثلاثاء,12 يناير, 2016
هل جعلت وسائل التواصل الإجتماعي أبنائنا أيتاما ؟

الشاهد_مقالات كثيرة كتبت في القديم القريب حول عمل المرأة وانصرافها عن تربية أبنائها أو انشغال الأب وعدم متابعة أبنائه، واليوم صرنا لا نتكلم لا عن العمل ولا الإهمال التربوي، وإنما صار اهتمام الوالدين معلقا بوسائط التواصل الاجتماعي حتى انصرف الوالدان عن الاهتمام بأبنائهما والانشغال بتربيتهم وحسن توجيههم، فكثير من الآباء والأمهات انشغلوا بوسائل التواصل المجانية مثل (الوتس أب، التانغو ، الفايبر، السكايب) أو بشبكات التواصل الاجتماعية مثل (الإنستجرام، التويتر، الكيك، الفيسبوك)، ولعل أكثر ما يأخذ وقت الوالدين اليوم (الفيسبوك) حتى صار هذا الجيل يوصف بجيل (الرقبة المنحنية) من كثرة انحناء الرأس على الهواتف الذكية، وصار (الفيسبوك) اليوم يدير أوقاتنا حتى فقدنا الإحساس بطعم الحياة والتأمل بالطبيعة والتفكر بمجريات الأحداث والتركيز على الأهداف والاستمرار بالإنجاز.

 

فصار همّ الواحد منا اليوم نقل الأخبار والأحداث التي من حوله أكثر من أن يتفاعل مع الحدث الذي أمامه، فلو رأى حادث اصطدام بين سيارتين فيكون أول ما يفكر به نشر الخبر قبل أن يفكر ويبادر بمساعدة المصابين، بل وقد تجد شخصا جالسا في غرفة العناية المركزة بقرب أبيه أو أمه في لحظات حياتهما الأخيرة ويكون مشغولا بنقل أخباره من خلال الوتس أب أو الإنستجرام أكثر من انشغاله بالدعاء لهما أو الاهتمام بهما، وقد تجد أطفالا يسرحون ويمرحون في البيت من غير توجيه وتربية بينما تكون أمهم في غرفة نومها ترسل الصور أو مقاطع الفيديو ب”الوتس آب” وأبوهم مشغول بإرسال الطرائف والنكت لأحبابه! بعض الآباء والأمهات يشتكون من انشغال أبنائهم بوسائل التكنولوجيا ولو راقبوا أنفسهم لوجدوا أنهم مشغولون بالوتس أب أو التصوير والنشر بالإنستجرام أكثر من انشغال أبنائهم بالتكنولوجيا، حتى صرنا في زمن يحق لنا أن نصف أبناءنا بأنهم (أيتام التكنولوجيا)، فصار التعلق بالهواتف الذكية سمة العصر. وأذكر أنه في يوم من الأيام قالت لي امرأة : أمنيتي في الحياة أن أكون هاتفا ذكيا حتى يمسكني زوجي وأبنائي طول اليوم، فابتسمت من تعبيرها هذا في وصف الحالة التي نعيشها، ورجل من يومين كان يشتكي لي من شدة تعلق زوجته بصديقاتها ب”الوتس أب” وبنشر أخبارها عن طريق الإنستجرام وكل ذلك على حساب الاهتمام بالبيت وتربية الأبناء ومتابعة دروسهم. ومن شدة تعلق الوالدين بالتكنولوجيا السريعة والهواتف الذكية صاروا يريدون أن يعالجوا مشاكلهم التربوية بنفس إيقاع التكنولوجيا السريع، ويحسبون أن المشاكل التربوية مثل تسخين الطعام (بالمايكروويف) تعالج بشكل سريع وبجلسة واحدة أو توجيه واحد. إن (التربية الميكروويفية) هذه يستحيل تحقيقها لأن الإنسان ليس آلة أو ماكينة وإنما يحتاج لصبر وتكرار توجيه ودقة متابعة ومرونة في التعامل معه من أجل تقويم سلوكه وحسن تربيته.

 

 

لقد فقد الوالدان اليوم السيطرة على تربية أبنائهم في الطعام واللباس والأخلاق والمهارات بسبب كثرة انشغالهم بأنفسهم والتكنولوجيا التي بين أيديهم، وصار الأبناء يعانون من السمنة وسوء التغذية وفقدان الشهية وكثرة الأمراض النفسية والعنف بسبب انصراف الوالدين عن الاهتمام بهم إلى “الوتس آب” الذي يتداول يوميا ما لا يقل عن 27 مليار رسالة، حتى صارت المواقع الإجتماعية مكانا خصبا للفضائح وكشف الأسرار والتهديدات والطلاقات وإخراج كل العواطف المكبوتة ورؤية المشاهد الإباحية.

 

من يومين تحدثت للمتابعين وأغلبهم من شريحة الشباب والفتيات، وقلت لهم: إن الوالدين صارا “أونلاين” مع أصدقائهما وعلاقاتهما أكثر من أبنائهما، ثم قلت لهم ممازحا أما مع أبنائهما فهما (أوف لاين offline)، وفي خلال ساعات قليلة حاز الموضوع على أكثر من 4000 إعجاب وأكثر من 100 تعليق من الأبناء والبنات، ولفت نظري بعض التعليقات على هذا الموضوع مثل “أمي تركت الاهتمام بنا وببرامجها التلفزيونية وصارت 24 على الوتس أب”.

 

وقال آخر “أبي عنده صديقات وعلاقات وهو مدمن على “الوتس آب”، وقالت أخرى “أمي مشغولة ب”الوتس آب” وأبي بالسفرات والاستراحات”. وقالت أخرى “إذا أردت شيئا من أبي أرسل له رسالة ب”الوتس” ولا يرد علي إلا بعد ساعة ولو كانت الرسالة من أصدقائه يرد عليهم بسرعة”. وكتبت إحدى الأمهات “كلما أمسكت هاتفي يتحرك ولدي الصغير ويغطي الشاشة بيده وينظر إلي كأنه يقول لي أنا أهمّ”، فهذه بعض المشاركات حول إدمان الآباء والأمهات (الوتس آب) ووسائل التواصل الاجتماعي بصفة عامة، وواضح من هذه العينة العشوائية حجم المشكلة التي نعيشها في بيوتنا وانصراف الوالدين عن الهدف الأساسي من الزواج وتكوين الأسرة وهو التربية.

 

نحن لسنا ضد استخدام وسائل التواصل أو تكنولوجيا الاتصال، ولكننا مع تحديد الأولويات في الحياة الاجتماعية، وأكبر أولوية هي بناء أسرة مستقرة وسعيدة ومترابطة وهذا الهدف لا يأتي إلا (بالاهتمام التربوي والحوار وإشاعة الحب) وهذه الثلاثية تحتاج وقتا حتى تتأسس في الأسرة، وأختم بتعليق من أحد الآباء وهو أنه اقترح على عائلته أن يخصص يوما من غير استخدام الهواتف الذكية وقد نجح كما يقول بتطبيق هذه التجربة، ولكن المهم أن لا يكون (الوتس آب) أهم من أبنائنا.

 

 

الدكتور جاسم المطوّع