مقالات مختارة

الثلاثاء,12 يناير, 2016
هل ثبت فعلاً أن للظلم نهاية؟

الشاهد_هل مرّ على ظهر هذه الأرض، حقاً، من رأى ذلك اليوم المعلوم الذي “تترد فيه المظالم، أبيض على كل مظلوم، إسود على كل ظالم؟”، أم أن الأمر كله ليس سوى اشتغالة كبيرة يخدع بها الناس بعضهم بعضاً، ليحافظوا على بصيص الأمل اللازم لاستمرار الحياة بأقل خسائر ممكنة؟

 

بعد قراءة هادئة لما استطعت إليه سبيلاً من وقائع التاريخ، قراءة متجرّدة من العواطف والشعارات و”الكلام الكبير”، ستدرك فعلا أن “الظلم لا يدوم، وأن لكل ظالم نهاية”. لكن، ربما كان لُبّ المشكلة، في هذه الحياة الدنيا، أننا أيضا كبشر لا ندوم، ولذلك لا نشهد نهاية الظلم، إلا إذا كنا محظوظين، وهو ما يجعل التحدي المطروح على كل من يقاوم الظلم، أو حتى يرفضه من دون مقاومة، أمراً لا علاقة له بتفاؤله أو بتشاؤمه، ولا ببحثه عن النهاية السعيدة أو يأسه من مجيئها، وإنما مرتبطاً بقدرته على مقاومة الظلم أو رفضه، من دون أن يربط ذلك برؤيته لنهاية الظالمين على حياة عينه، ومشاهدته العدل وهو يتحقق في الكون، إن سلمنا جدلاً أن هناك إمكانية لتحقق عدل كاملٍ، قبل أن تتوقف الأفلاك عن الدوران.

 

لم يكن الشاعر المصري الشعبي، ابن عروس، مبالغاً أو متحمساً أو متمنياً للمستحيل، حين قال قولته التي صارت عزاءً للمظلومين عبر السنين: “لا بد من يوم معلوم.. تترد فيه المظالم.. أبيض على كل مظلوم.. إسود على كل ظالم”، لأننا سندرك من مطالعة وقائع كثيرة في التاريخ أن هناك نهاية تعيسة تحل بكل ظالم، بشكل أو بآخر، إما في حياته أو بعد مماته بسنين أو قرون، لتمنع تخليده بالشكل المشرق الذي تمناه، لكن تلك النهايات، على اختلاف أشكالها، لا يشهدها سوى المحظوظين من المظلومين، وهم قليل على أية حال، لكن العدالة، في كل الأحوال، سواءً جاءت في موعدها المرتقب، أو بعد فوات الأوان، لم تهبط على الأرض منحة مجانية من السماء، بل تحققت حين سعى إليها من قاوموا الظلم، ورفضوه وأنكروه، أو حتى حافظوا على الذاكرة التي ترفضه، ولا تتسامح مع تبريره.

 

وبدون ذلك، لم يكن ممكناً أن تتحقق نهاية ما للظلم، وبذلك أيضاً أصبح لحياة الذين قاوموا الظلم معنى، حتى ولو لم يشاهدوا بأعينهم، كيف احتفت الأجيال التي تلتهم بمقاومتهم الظلم، وجعلت منهم نماذج للاحتفاء والتقدير، وقد كان ذلك أفضل لهم من أن يعيشوا عمراً طويلا في حياةٍ لا معنى لها، خصوصاً وهم يعيشون في أوطان لا تضمن البهجة والسعادة والرخاء، لمن يسكت عن الظلم ويبّرره ويؤيده، فهي تجعل أنصبة الشقاء والتعاسة محفوظة ومضمونة للكافة.

 

وإن شئت أمثلة على ذلك، ستجد في السطور التالية غيضاً من فيض، لا يسعى إلى أن يمدّك بالأمل، بل إلى تذكيرك بعبثية انتظار الأمل، إن كنت تدافع حقاً وصدقاً، عن قيم ومبادئ تتمنى لها أن تغير حياة بلادك إلى الأفضل، كما تغيرت الحياة قليلاً أو كثيراً، في بلاد كثيرة يئس أهلها من تحقق العدالة أبداً:

 

دعنا نبدأ من تركيا مثلا، ولعلك إن سألت فيها أي مواطن على قدر من الاطلاع والثقافة، عن أشهر وأهم شاعر في تاريخ تركيا الحديث، لأجابك، على الفور، إنه الشاعر الكبير ناظم حكمت، الذي كان من أشهر الذين أفنوا حياتهم في مقاومة الظلم، من دون أن يدركوا نهايته، وحين وافته المنية عام 1963 كان يبدو أنه قد خسر المعركة تماماً، فقد مات غريباً عن بلاده، محروماً من جنسيتها التي لم تتم إعادتها إليه إلا بحكم قضائي بعد نصف قرن من موته في المنفى، الذي عاش فيه سنوات لم يتجاوزها في العدد، إلا السنوات التي عاشها سجيناً في معتقلات اسطنبول وأنقرة وبورصه، ولم تخرجه من سجنه إلا الضغوط الدولية المتوالية التي جعلت عسكر تركيا يقرّرون نفيه إلى خارجها، للتخلص من الصداع الذي سببه لهم حبسه المستمر، مع حرصهم على منع أشعاره ومصادرتها وتجريم كل من ينشرها أو يحملها، ولم يبدأ بيعها بشكل طبيعي في المكتبات التركية إلا في عام 1990.

 

لكن نفي ناظم وحبسه ومصادرة كتبه لم يمنع أشعاره من الوصول إلى الناس، فقد كان عشاقه ينسخون أعماله في دفاتر صغيرة، كان الآلاف يتناقلونها خفية بأعداد مهولة.

 

واليوم أصبحت تلك الدفاتر المهرّبة وثائق تاريخية، تحتفظ بها أربعة مراكز ومتاحف تحتفظ بأعمال ناظم حكمت، وتخلد سيرته، أحدها في اسطنبول التي مات محروماً منها، وثانيها في موسكو حيث عاش سنوات، فصار منزله متحفاً يجاور مقبرته التي دفن فيها حسب طلبه، وثالثها في العاصمة الهولندية أمستردام، حيث يحتفظ المعهد التاريخي الاجتماعي بوثائق عديدة تخصه، وفي مقدمتها ملفاته في المخابرات السوفيتية التي لم تكن تثق فيه أبداً، بالطبع لأنه شاعر، ورابعها في مركز في باريس، أودعت فيه صديقة ناظم ومترجمة أعماله، غوزين دينو، كل وثائقه الشخصية، في حين لا ترد أسماء القادة العسكريين والأمنيين الذين اعتقلوه ونفوه، وجعلوا حياته جحيماً، إلا واقترنت بالخزي والعار، وهو أمر إن لم يجعل حياة ناظم حكمت أسعد ولا أقل عذاباً، فقد بات بالتأكيد يعني الكثير للأجيال المتعاقبة التي تحفظ أشعاره، وتستلهم سيرة نضاله حتى الآن، ليس في تركيا وحدها، بل عبر العالم كله.

 

من تركيا إلى ألمانيا التي ظهر فيها فيلم جديدـ يحكي قصة مقاومين للظلم تأخرت نهايتهم السعيدة طويلا، يقدمه المخرج الألماني أوليفر هرشبيغل، الذي سبق له أن قدم فيلم “داون فول” الشهير عن الأيام الأخيرة للزعيم النازي، أدولف هتلر، في فيلمه الجديد يحكي هرشبيغل سيرة مجموعة من معارضي النازية، كان يقودهم جورج ألسر، حاولوا عام 1939 اغتيال هتلر بعبوة ناسفة، لكن هتلر ترك المكان قبل 13 دقيقة من الانفجار، ليتم القبض على ألسر الذي كان عمره وقتها 42 عاما، ويتم قتله في معسكر اعتقال داشاو،

وعلى الرغم من هزيمة هتلر ونهاية الحرب، بقي ألسر في الظل فترة طويلة، حتى اعترفت الدولة الألمانية ببطولته في عام 2003، حين وضعت صورته على طابع بريدي، بصحبة عبارة تقول “أردت أن أمنع حدوث الحرب”، ولم يكن جورج ألسر المعارض الوحيد الذي أعيد له الاعتبار رسمياً بعد رحيله، فقد أقيم، في عام 2009، نصب تذكاري للجنود الألمان المنشقين على هتلر وقياداته، والذين تم وصفهم بالخيانة وقتها، ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك الانشقاق، ليتضح أنهم كانوا أكثر وطنية من الذين صفقوا للسياسات النازية المجنونة التي دمرت ألمانيا، وجلبت لها الخزي والعار.

 

ولعلك تتأمل كيف أن الاحتفاء العالمي بصورة المواطن الألماني الذي رفض أن يؤدي تحية النازية وسط قطعان المهللين لهتلر، والمفوضين له، أصبح مدعاة للاحتفاء الدائم بسيرة المواطنين الألمان الذين دفعوا حياتهم ثمناً لرفضهم سياسات هتلر، وكان من بينهم طالبة اسمها صوفي شول، تم قطع رأسها بسبب توزيعها منشورات ضد الحرب وضد هتلر، وكانت كلماتها الأخيرة قبل المقصلة “يا للحزن، يوم بهذا الجمال، وبهذه الشمس، ويكون علي أن أغادر”.

 

في مشروعه لإحياء الذاكرة البشرية ضد الظلم والقمع، قام كاتب الأوروغواي العظيم إدواردو غاليانو في العديد من كتبه، برواية سير العديد من مقاومي ومقاومات الظلم عبر التاريخ، الذين لم يُكتب لهم أن يعيشوا ليروا، كيف صاروا نماذج بشرية ملهمة، لا يجرؤ عاقل على التقليل من عطائها وتضحياتها، خذ عندك مثلا الأيقونة الثورية روزا لوكسمبورغ التي تم اغتيالها في برلين عام 1919، حيث تم تهشيم عظامها بأعقاب البنادق، وألقي بها في مصرف مياه، لتسقط فردة حذاء من إحدى قدميها،

لكن ما بقي منها كما يقول غاليانو، لم يكن فردة حذائها فقط، وهو ما حدث قبلها بحوالي خمسمائة عام، وبالتحديد في 30 مايو 1431، حين قررت الملكية الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية إحراق جان دارك التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، في محرقة نصبت في السوق القديمة بمدينة روان، يومها ألبسوها قبعة كبيرة جدا كتبوا عليها “هرطوقية مجرمة مرتدة وثنية”، وبعد إحراقها، ألقي رمادها في نهر السين من أعلى أحد الجسور، على أمل أن تتبدد ذكراها إلى الأبد، لكن سيرة جان دارك عاشت أضعاف السنوات التي عاشتها صاحبتها على الأرض.

 

في عام 2009، تقدمت الحكومة البرازيلية باعتذارٍ إلى المواطن باولو فريير الذي يلقبه غاليانو بـ “نبي التعليم التعاوني”، لكن باولو لم يكن حياً لكي يقبل الإعتذار الذي حاولت به الحكومة المنتخبة أن تعتذر عن جرائم الديكتاتورية العسكرية التي سجنته سنوات عديدة، وبعد ضغوط دولية، طردته من البلاد ومنعته من العودة، وذلك كله لأنه قرّر أن يرتكب جريمة شنعاء، هي محو أمية الآلاف من عمال السكر في مدينة بيرنامبوكو، “لكي يكونوا قادرين على قراءة العالم والمساعدة على تغييره”، بادئاً تلك الدروس تحت شجرة مجاورة للمصنع، قبل أن يتعاظم تأثيرهاـ ويصبح مزعجا للعسكر ودليلاً على فشلهم، ليقرّروا طرده من البلاد التي يوجد فيها الآن 340 مدرسة برازيلية تحمل اسمه.

 

وفي بيرو، لم ينجح العسكر في محو السيرة العطرة التي حظي بها هوغو بلانكو، أبرز ناشط لمناصرة حقوق السكان الأصليين، والذي كانت جريمته هي تنظيم نقابات للفلاحين، ليدفع ثمن ذلك الاختيار الإضراب والتعذيب والسجن والمضايقة من “المواطنين الشرفاء الموالين للعسكر”.

 

وأخيراً النفي، وحين نظّم، في إحدى فترات سجنه، 14 إضراباً عن الطعام، وساءت حالته الصحية، ولم يعد قادراً على تحمل المزيد، أرسلت إليه الحكومة المتأثرة لحاله هدية لم تكن سوى تابوت خشبي، ولا أظن أن الجنرال الذي أرسل له التابوت كان يتصور، وهو غارق في ضحكه وقتها، أن تصرفه ذلك سيصبح مثارا للعناتٍ لا تنتهي، ومدعاة لفخر لا ينتهي بهوغو بلانكو إلى الأبد.

 

في الأرجنتين، قرّر قادة الديكتاتورية العسكرية التخلص من أطفال الأمهات اليساريات بشكل رأوه جذرياً وحاسماً، فتم تطبيق “الخطة كوندور” التي أرسلت فيها الأمهات الحوامل من الأرجنتين إلى أوروغواي، حيث كان يتم قتل الأمهات بعد الولادة، وإهداء المواليد إلى المحاسيب، ليتم اعتبار أكثر من 500 طفل جرى توزيعهم غنيمة حرب، بعد قتل أمهاتهم الذين لم يعلم أحد هل تم دفنهن، أم أنهن انضممن إلى آلاف المفقودين الذين تم إغراقهم في مياه البحر.

 

وفي 14 يونيو/ حزيران 1982، خسر جنرالات الأرجنتين الحرب مع بريطانيا، على الرغم من حملات الكذب الإعلامي الرهيبة، ووقتها لم يكن أحد يصدّق حتى معارضو الجنرالات، أنه سيأتي اليوم الذي سيرون فيه قادة البلاد خلف أقفاص المحاكمة، بتهمة اخفاء آلاف المواطنين، كان من بينهم الطالبة سيلفيا برودي التي اتهمها البوليس بأنها “محتجة مشاكسة”، سيسيليا أقرب صديقاتها تقدمت لتدلي بشهادتها في المحكمة عام 2008، متحدثة عن التعذيب الذي تعرضت له في ثكنة عسكرية، معترفة أنها هي من أعطت العسكر اسم سيلفيا، بعد أن لم تعد قادرة على تحمل مزيد من التعذيب طوال الليل والنهار، وعند خروج سيسيليا من المحكمة، اقترب منها صحفي، وسألها “وما الذي فعلته لكي تبقي على قيد الحياة بعد ذلك”، فردت عليه “ومن قال لك أنني على قيد الحياة”.

 

لم يطو النسيان اسم سيلفيا برودي، بل بُعِث إلى الحياة من جديد، ومعه أسماء آلاف الشباب والشابات الذين اختفت آثارهم تماما، والذين يروي لنا غاليانو قصة أحدهم، وهو أوسكار لينيرا الذي كان سجيناً في ثكنة عسكرية، مع صديقه بييرو دي مونتي الذي كان له حظ البقاء حياً، ليروي أن كلمات أوسكار الأخيرة قبل اقتياده إلى الغرق في البحر كانت “لدي ما أقوله، أتعلمون شيئا، أنا لم أمارس الحب قط، وهم سيقتلونني الآن،

من دون أن أكون قد عرفت هذا الشيء”، لتؤدي تلك المحاكمات إلى إصدار سلسلة من الأحكام على ضباط سابقين تورطوا في قضايا قتل وتعذيب، من دون أن يتوقف القضاء عند كون بعض المتهمين في تلك القضايا يبلغون 84 عاما و81 عاما، كما حدث، على سبيل المثال، في قضية قتل باحثة ألمانية كانت متعاطفة مع المعارضين، حيث تم سجن الضابطين الذين قتلوها هي وعدد من المعارضين في السجن نفسه الذي شاركا فيه بتعذيب 2500 معارض بين عامي 1976 و1978، في حكم نزل برداً وسلاماً على كثيرين ممن تخيلوا أن العدالة لن تنزل على سماء الأرجنتين أبدا.

 

قبل شهرين فقط، أصدرت محكمة بوينس آيرس حكما بالسجن المؤبد على أربعة عسكريين قاموا، في سبعينات القرن الماضي، باختطاف وتعذيب ثلاثة فنانين معارضين هم إكتور أوستريلد أشهر رسام كاريكاتيري في تاريخ الأرجنتين، والكاتب الروائي أرولد كونتي، والسينمائي ريموندو جليثير، ضمن أكثر من مائتي معارض سياسي تعرضوا للخطف والاحتجاز بمركز اعتقال سري يقع خارج العاصمة، أما الجناة الذين أدانتهم المحكمة فهم مأمور مركز الاعتقال السابق، وثلاثة من العسكريين سيبقى اثنان منهما تحت الحجز المنزلي لأنهما تخطيا السبعين عاماً، ويمرّان بظروف صحية سيئة.

 

ومع ذلك، لم تعفهم العدالة من مواجهة تبعات أفعالهم الوحشية. وفي الفترة نفسها، نُشر في البرازيل، وبعد طول انتظار، تقرير لجنة الحقيقة التي تم تشكيلها عام 2011 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحكم العسكري للبرازيل من 1964 إلى 1985، والذي لم يكتف بتوصيات لذر الرماد في العيون، كما يحدث في تقارير لجان “تخصّي” الحقائق لدينا، بل حدد 377 مسؤولاً تورطوا في الانتهاكات في تلك الفترة، ودعا إلى محاكمتهم جنائياً، في تحدٍ واضح لقانون العفو العام الذي صدر في ظل حكم العسكر عام 1979، ليضمن حماية مستقبلية للمسؤولين عن تلك الجرائم.

 

في الولايات المتحدة الأميركية، وفي أواسط القرن التاسع عشر، قام المواطن الأبيض جون براون، بتصرّف جعله يعتبر خائناً لعرقه وطبقته، حين سطا على ترسانة عسكرية في ولاية فيرجينيا، كي يقدم أسلحة لعبيد المزارع، وحين قامت فرقة عسكرية بمحاصرة براون والقبض عليه، تم ترقية قائدها الكولونيل روبرت لي إلى رتبة جنرال، ليقود، بعد فترة قصيرة، الجيش الذي دافع عن العبودية خلال حرب الجنوب الطويلة ضد شمالي الولايات المتحدة، وحين انتهت الحرب بالهزيمة، تم تسريح الجنرال لي من الخدمة، ليموت في فراشه مجللاً بالعار، هو وكل من حاربوا في تلك الحرب التي كانت تبدو بطولية لهم بالتأكيد.

 

أما براون صديق العبيد، فقد أدين لهجومه على ترسانة السلاح بتهم القتل والتآمر وخيانة الدولة، ومات مشنوقا عام 1859، في يوم أصبح بالمصادفة يوما لمناهضة العبودية، يحتفل به الملايين بفضل جون براون والآلاف من أمثاله الذين لم يستسلموا لرغبات الجموع، وقرّروا أن يدافعوا عن مبادئهم أيا كان الثمن.

 

بعدها بأعوام، وفي 19 نوفمبر/تشرين ثاني 1915، أعدم رميا بالرصاص في مدينة سالت لايك سيتي، المواطن جو هيل الذي تم اعتباره محرضاً أجنبياً، لأنه اقترف خطيئة تأليف الأغنيات التي ترافق المظاهرات العمالية في الولايات المتحدة، ولم يجد جو هيل ما يرد به على تهمته المميتة، سوى أن يطلب في ليلته الأخيرة من رفاقه ألا يضيعوا الوقت في البكاء عليه، كاتباً هذه الكلمات الملهمة: “رغبتي الأخيرة سهلة القول، لأني لم أخلف ثروة يمكن اقتسامها، حريتي هي كل ما تبقى، فالحجر المتدحرج لا تتوالد عليه الطحالب”.

 

بعدها بأعوام، وفي 19 ديسمبر/كانون أول 1919، تم نفي 250 أجنبي من الولايات المتحدة، بعد اعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، كان من أهمهم المناضلة إيما جولدمان التي سجنت مرات قبل نفيها، لتنظيمها إضرابات وتوزيعها وسائل منع الحمل، ولمعارضتها الخدمة العسكرية الإجبارية، بكلماتٍ قالت فيها “الحروب جميعها هي حروب بين لصوص جبناء جدا لا يصلحون للقتال، فيرسلون آخرين ليموتوا بدلا منهم”، وعلى الرغم من كل هذه السنوات لا زالت إيما جولدمان وكلماتها حاضرة في وجدان أجيال من الأميركيين الرافضين للحروب التي تشنها حكوماتهم في مناطق متفرقة من العالم، وما زالت إيما قادرة على أن تكون ملهمة لأعمال فنية وأدبية عديدة، من أشهرها مسرحية (إيما) التي كتبها المؤرخ الأميركي الشهير هوارد زن، وترجمت إلى العربية قبل سنوات.

 

في غواتيمالا، كسرت الحكومة عام 2004 ولأول مرة قانون إفلات السلطة من العقاب، حين اعترفت رسمياً بأن الباحثة ميرنا ماك قد اغتيلت بأمر من رئاسة البلاد، لأنها توغلت في الأدغال، لعمل بحث مع السكان الأصليين الناجين من المجازر العسكرية، ليصدر أمر بقتلها طعنا بالسكاكين. وبعدها بسنوات في 2011، لم تفلح القوانين المصممة بعناية، في مساعدة قادة الخمير الحمر على الإفلات من المحاكمة، بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، سقط بسببها آلاف القتلى، من 1975 إلى 1979، كان أكبر القادة الذين تعرضوا للمحاكمة سناً وهو وزير خارجية النظام، قد بلغ عمره، وقت بدء المحاكمة، 85 عاما، ومع أنه لم يقتل بيديه، لكن المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة، اعتبرته متورطاً سياسياً في كل ما جرى، بل وحاكمت معه زوجته البالغة 79 عاماً، والتي كانت تشغل منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية، كما حوكم أيضا منظر التنظيم ونائب زعيمه السفاح بول بوت، وكان عمره 84 عاما، وكذلك وزير الداخلية السابق البالغ 79 عاما، وقد حوكم جميعهم مع أنهم لم يقتلوا بأيديهم مباشرة، لكن مجرد وقوع تلك الجرائم تحت مسؤوليتهم السياسية جعلهم خاضعين للمحاكمة الجنائية.

 

في كولومبيا، وخلال محاكمات فتحت ملفات الحكم العسكري، اعترف ضابط برتبة كولونيل أن وحدته قتلت، في سنوات الحرب التي شهدتها البلاد، 57 مدنياً، ثم ألبست جثثهم أزياء عسكرية للادعاء أنهم متمردون قتلوا في مواجهات عسكرية، من أجل الحصول على مكافآت مالية، أعلن عنها الجيش لمن يقتل أكبر عدد من المتمردين، الكولونيل لويس بورجا يقضي عقوبة السجن 21 سنة، وقد سبقه إلى السجن ثمانية جنود يقضون الآن عقوبة بالسجن ستين عاما، لقتلهم أربعة مزارعين ثم إلباسهم ثيابا عسكرية، بينما يواصل المدعي العام الكولومبي، وعلى مدى سنوات التحقيق في 1400 حالة مماثلة، حصلت في الفترة من 2002 إلى 2010.

 

أما في هولندا فقد صدر في عام 2011 حكم قضائي بات اعتبر أن الدولة الهولندية مسؤولة عن قتل ثلاثة مسلمين هربوا مع المئات من مذابح سيربيرنتسيا التي كانت تقوم بها قوات الصربي راتكو مالديتش في 11 يوليو 1995، ولجأوا إلى معسكر قوات حفظ السلام الهولندية التي أجبرتهم على الخروج من المعسكر، ليتم قتلهم هم وثمانية آلاف شخص في أسوأ مذبحة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ليلجأ بعض ذويهم إلى القضاء الهولندي الذي أثبت، بعد تحقيقات طويلة، أن القوات الهولندية كانت مخطئة بعدم حمايتها المدنيين، ما يلزم الدولة الهولندية بدفع تعويضات لذويهم، وهو ما يفتح الباب لسلسلة قضايا تشمل كل المتضررين مما جرى يومها.

 

في المجر، تمت قبل سنوات إحالة رجل عمره 97 سنة إلى محكمة خاصة في بودابست، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب تسببت في مقتل 36 يهودي وصربي عام 1942 في أثناء الحكم النازي لمدينة نوفوساد الصربية، وطالبه المدعون عليه بمعاقبته بالسجن، وأصر المتهم أنه لا يعرف شيئاً عن تلك الاتهامات، ولم يتم الدفع بكبر سنه ولا بتدهور صحته، بل خضع لمحاكمة عادلة برأته المحكمة على إثرها.

 

أما في كينيا فقد حصل 4 عواجيز كينيين في عام 2011 على موافقة من المحكمة العليا برفع دعاوى قضائية على الحكومة البريطانية التي يتهمون ضباطا منها بتعذيبهم في أثناء تمرد الماو ماو الذي وقع في الخمسينات من القرن الماضي، وهو ما يفتح الباب لسيل من الدعاوى التي سيرفعها كينيون تعرّضوا للتعذيب بل وللاعتداءات الجنسية والإخصاء، أعجبني تعليق على هذا الحكم، قاله الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو الذي اعتبر أن إنصاف هؤلاء الضحايا ليس انتصاراً قانونياً، بقدر ما هو انتصار أخلاقي وسياسي، تحتاجه أفريقيا وكل شعوب العالم الثالث.

 

في المكسيك، كانت السنين كفيلة بتبديل الطريقة التي يتذكّر بها الناس راهباً وجنرالاً، الراهب هو سيرفاندو تيريسا دي ميير الذي صدر عليه حكم بالإدانة الأبدية في عام 1794، أصدره مطران المكسيك ألونسو نونيث، لأنه ألقى موعظة نارية، رفض فيها اضطهاد اليهود في محاكم التفتيش، ودافع عن الاستقلال المكسيكي، فدفع الثمن تجريده من لقبه ومنعه بصورة أبدية من التدريس، وتلقي الاعترافات وإلقاء المواعظ، وحكم عليه بالنفي إلى إسبانيا، وتم سجنه سبع مرات، ليهرب من السجن سبع مرات، ولتعيش، حتى الآن، سيرته مناضلاً حارب من أجل استقلال بلاده، وكتب أبحاثا جادة حول مشروع جمهورية حرة من القيود الاستعمارية والعسكرية الإسبانية، لتستفيد منها أمته المكسيكية حين تصبح سيدة نفسها.

 

أما الجنرال فهو أرتورو دوراثو الذي كان يقود الشرطة المكسيكية، وكان يقبض، في نهاية كل شهر، رواتب ألفي شرطي ممن ماتوا أو لم يولدوا من أصله، وكان يتقاضى عمولة عن كل غرام كوكايين أو هيرويين يمر عبر البلاد، وكان يبيع رتب الضباط بمليون ونصف مليون بيزو مكسيكي لرتبة الكولونيل، وكان يهدي رتبة كابتن لمطربيه المفضلين، ويمتلك عددا من البيوت في مكسيكو والعالم، يمتلك كل منها أسلوبا مختلفا في الأثاث.

 

وفي عام 1982 حصل على دكتوراه فخرية، لتنشر كل الصحف صورته، وهو يرتدي الرداء الجامعي، لكن المطاف لم ينته به في بيوته العديدة، بل في السجن، مجللاً بالعار والخزي، ومع أن المكسيك لا تزال تحارب من أجل تطهير شرطتها من الفساد، ومن أجل أن تعيش في جمهورية حرة من القيود التي أصبحت تفرضها طبقة أصحاب المصالح، إلا أن سيرة الراهب سيرفاندو والجنرال أرتورو لم تعد تُقرأ بالطريقة نفسها التي كانت مفروضة على الكل بالحديد والنار.

 

…..
تتعدد الوقائع، بحيث يضيق عن حصرها المجال. لكن، يبقى الاختيار، في نهاية المطاف، أخلاقيا وشخصيا يخصك أنت وحدك: هل تختار رفض مساندة الظلم، حتى ولو لم تشهد نهايته؟ أم تشارك في نصرة الظلم، ولو بالتبرير يأساً من أنك لن تشهد نهايته؟ سيكون عليك أنت وحدك أن تختار، لأنك وحدك الذي ستدفع ثمن اختيارك، حين يكون ذلك الاختيار مدعاة للفخر أو للعار، في حياتك، أو حين تنتهي حياتك، بعد عمر طويل.

 

بلال فضل