كتّاب

السبت,22 أغسطس, 2015
هل تتطور حركة النهضة باتجاه حزب وطني مَفْتُوح

الشاهد_تعيش حركة النهضة مخاضا فكريا وسياسيا عسيرا فرضته مجمل المتغيرات الحاصلة في المشهد السياسي الْعَام في تونس ووفي المحيط الإقليمي الأوسع ، بما دفع قادتها ومجمل الفاعلين فيها إلى تحسس واقعهم الجديد وتأمل مواطن القصور والخلل في مسيرتهم الفكرية والسياسية ، وليس هناك ما يعيب في الإقدام على التطوير والتجديد، بَل العيب، كل العيب، في الركون إلى رتابة الجمود والتكرار وعدم ادراك روح العصر ومقتضيات المرحلة.
هناك اقتناع متزايد لدى قطاعات واسعة من التونسيين والتونسيات بان حركة النهضة تُمثِّل قوة أساسية في توازُن المشهد السياسي واستقرار البلد، وهم مقتنعون بذات القدر بضرورة تقدم هذه الحركة على خط الإصلاح و مزيد الانفتاح حتى تكون في مستوى حاجات البلاد اولا، ثم تطلعات جمهورها وعموم الشعب ثانيا، وما هو مهم الى حد الان هو ان الخط السياسي الذي دفعت نحوه النهضة، وخصوصا رئيسها، ، والقائم على التوافق والتسويات السياسية بدل التمادي في لعبة الصراع والاستقطاب، يتجه الى ان يكون خيارا استراتيجيا لحركة النهضة، بل لتيار الاسلام الديمقراطي في العالم العربي.

لقد اخترت المدة الماضية، الاقتصاد في الظهور الإعلامي و الابتعاد عن الاضواء ما أمكن، بهدف تأمُّل مسار النهضة، وخصوصا تجربة الحكم وتقلباتها التي كنت جزءا منها بخيرها وشرها، وَقَد تبين لي،بعد طول النظر،انه لا مهرب من التطوير على صعيد الأفكار ووسائل العمل والتجديد في الهيئات والأشخاص في إطار الاحتفاظ بالمكتسبات التي ثبت نفعها وتجاوز السلبيات والعثرات التي ثبت ضررها ،

الحقيقة ان حركة النهضة قد قطعت شوطا مهما على صعيد التطور الفكري والسياسي على امتداد سنوات متتالية، فقد فرض عليها ولوج الحياة السياسية منذ بداية الثمانينات تطويع أطروحاتها المشبعة بالمؤثرات المشرقية لحاجات الواقع المحلي التونسي ، ومن ذلك التفاعل الإيجابي مع الحركة الليبرالية ( خصوصا تيار السيد احمد المستشري في دلك الوقت) ثم التيار اليساري في مقولاته الاجتماعية، وكان القطاع الطلابي في ذلك الوقت، الأكثر انفتاحا وتطلعا للتجديد، بمثابة جسر التلقي لهذه الموثرات وضخها في سائر فروع الجسم، وكان من ثمار ذلك اكتشاف تراث الإصلاحية التونسية واستكناه أدبياتها ورجالها من أمثال قبادو وخير الدين التونسي وسالم بوحاجب وبيرم الخامس، والطاهر بن عاشور وَعَبَد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد وغيرهم، وأمكن لشخصيات مهمة من الجيل الشبابي تطوير الاطروحات الفكرية السياسية، وكذلك التقاط الأسئلة الكبرى للمرحلة،
ولعل اهم المكاسب التي تسجل لحركة النهضة منذ ثمانينات القرن الماضي، صمودها على نهجها السلمي في المجمل، وعدم الاستجابة لإغراءات العنف التي جذبت اليها مكونات إسلامية كثيرة في المنطقة ، خاصة مع اتجاه نظام بن علي نحو سياسة المواجهة الأمنية والاستئصال الشامل، وقد وفرت تجربة المهجر، فِيمَا بعد، لعدد واسع من القيادات الشبابية النهضوية فرصة الانفتاح على أفكار وتجارب جديدة في مناخ ليبرالي غربي، بما مكنها من توسيع آفاقها الفكرية والسياسية،

بيد ان التطور الأهم الذي فرض نفسه على حركة النهضة كان مرتبطا بتحملها أعباء الحكم بعد الثورة وما أعقبها من تغييرات سياسية جذرية، وكان من استتباعات ذلك تسجيل نقلة نوعية وشاقة من حزب جذري معارض يغلب عليه طابعي الاحتجاج والسرية الى حزب علني حاكم، ولا غرو ان بقي هذا المعطى الجديد فاعلا في اعادة تَشكيل كيان حركة النهضة وتحديد خطابها السياسي وخياراتها العامة.

.
،ان المقولات الكبرى التي تأسست عليها التيارات الاسلامية منذ عشرينات القرن الماضي ، في طريقها الى ان تستهلك ما تبقى لديها من طاقة دفع. وما عادت تسعف في حل المشكلات الراهنة، ومن هنا تتأتى أهمية المراجعة الفكرية والسياسية وفتح دروب التجديد والابداع استكمالا لمسار الحركة الإصلاحية الاسلامية عامة، والتونسية خاصة.
ولكن هل ما ذكرناه أعلاه يَعْنِي تدحرجا باتجاه العلمنة الخفية، كما يحلو للبعض ان يتصور، او يتخوف؟
تقديري ان المسالة لا علاقة لها بذلك ، فاتجاه التطور المستقبلي في تونس، وربما الرقعة الإسلامية الاوسع ليس نحو الأسلمة ولا العلمنة، بل نحو القضايا العملية التي تشغل النّاس في احوالهم ومعاشهم. فتجارب الأسلمة او العلمنة الشمولية في منطقتنا قَد وصلت الى طريق مسدود ولم تعد ملهمة او قادرة على حل المشكلات الراهنة، اي إن السرديات الكبرى للهوية سواء كانت متمحورة حول ايديولوجيا العلمنة او الأسلمة لن تمثل جاذبية للاجيال الراهنة والقادمة، فضلا عن كونها ما عادت تثير تلك المساجلات والمجادلات الكبرى التي اثارتها في القرنين الماضيين، كما ان الدستور التونسي الجديد قد حسم الى حد كبير قضية الهوية، فنحن تونسيون لغتنا العربية، وديننا الاسلام، الى جانب كوننا جزء من الإطار المغاربي ومن الأمة العربية الأوسع، ومن مقتضيات ذلك مزيد الاهتمام بقضايا التكامل المغاربي والتضامن العربي اكثر فاكثر. كما ان الأخذ بكسب الحداثة اضحى أمرا راسخا ومسلما به، لدى اغلب القوى الاجتماعية، ولم يعد هناك ما يوجب اصطناع معارك وهمية سواء باسم الإسلام او العلمانية، والتحدي الأكبر اليوم ليس كيف نؤسلم او تعلمن التونسيين، بل كيف ترسخ عرى نظامهم الديمقراطي الوليد المهدد بمخاطر كثيرة؟ وكيف نرتقي بأحوال التونسيين ونحسن معاشهم؟

ما هو مطلوب اليوم هو ان تتطور الأوعية التنظيمية والهيكلية للنهضة من الطبيعة الصفوية الانتقائية للأفراد الى الحزب الوطني المفتوح الذي يستوعب كل الطاقات الوطنية على اختلاف مواقعها ومشاربها، وهذا الأمر يقتضي تجسير الهوة الفاصلة بين التنظيمي والسياسي، حتى يكون هناك انسجام وتناغم على النحو المطلوب، ويصبح الوعاء التنظيمي في خدمة الأفكار والسياسات ، والحقيقة ان حركة النهضة مازالت تشكو من وجود هوة فاصلة بين السياسي والتنظيمي، بل في الكثير من الأحيان يتحول الجهاز التنظيمي صانعا للسياسات بدل ان يكون منفذا لها.

الاسئلة الكبرى المطروحة هنا، هل نحن مستعدون فعلا لقطع الخطوات المطلوبة، باتجاه حزب وطني مفتوح على كل التونسيين والتونسيات وفي خدمة الشعب، والدفاع عن الفئات الضعيفة منه خصوصا ، نسجا على منوال حركات التحرر الوطني التي جمعت ألشعب حولها؟ هل نمتلك ما يكفي من مضاء العزم وقوة الإرادة لفتح الأبواب والنوافذ لكل القوى الخيرة، وكل من يرغب في خدمة مشروع نهوض تونس ورفعتها، بغض النظر عن موقعه وحتى درجة تدينه؟ ، وهل بمقدور حركة النهضة ان تتجاوز المطابع الانتقائي في الانتساب إليها وان تكون مرآة عاكسة للمجتمع التونسي بكل تعدده وتنوع أنماط حياته؟

د. رفيق عبد السلام