كتاب

الثلاثاء,12 أبريل, 2016
هل بورقيبة حداثي؟

الشاهد _ يعود في كل سنة من هذه الفترة الحديث عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بقوّة وخاصة بعد أنّ تبنت العديد من الشخصيات السياسية والأحزاب الفكر البورقيبي وطرق عمله باعتباره الرئيس الأوّل للجمهورية التونسية وواضع الأسس الأولى للدولة الوطنية وهو الرئيس الذي دفع نحو وضع مجلة الأحوال الشخصية بعيد الاستقلال والنظام الجمهوري ودستور 1959.

ويكثر الحديث في هذا الصدد عن بناء الدولة العصرية ذات التوجّه الحداثي في الفكر السياسي والهيكلة الاقتصادية والاجتماعية والانفتاح عن المبادئ الغربية والقيم الكونية والابتعاد نوعا ما عن الحاضنة الثقافية الإقليمية لتونس باعتبارها دولة عربية إسلامية.

وهنا لا يفوتنا أن نطرح سؤالا تعتبر الإجابة عنه في مخيّلة الكثير من البديهيات وهو هل بورقيبة حداثي؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعود إلى التجربة البورقيبية باعتبارها نموذج مطبّق أو ربما سبق فيها التطبيق التنظير للحديث عن هذا الفكر وعن هذا النموذج الذي يتغنّى به الكثيرون بل أصبح البرنامج السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهم.

وفي الحقيقة لا يمكن الحديث عن فكر حداثي دون أن يرتكز هذا الفكر عن الديمقراطية فلا حداثة مع الرأي الواحد والحزب الواحد والحكم مدى الحياة وإلاّ فإنه يصبح ذرّ رماد عن العيون لا غير والحديث عن الحداثة التي هي تختزل في تعريفها بتقدّم الشعوب وتطورها ونهضتها نحو بناء دول ديمقراطية تؤمن بالتعدد والتداول السلمي على السلطة وتفصل بين السلط وتكرّس المبادئ الكونية والقيم الانسانية فهل توجد من بين هذه المبادئ والمرتكزات ما يميّز فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وما يجعل من هذه الفترة علامة فارقة في التاريخ التونسي المعاصر وفي بناء الدولة الحديثة والحداثية؟

يعتبر بورقيبة في مخيلة الكثير من النخبة السياسية وفي التاريخ الذي يدرّس أنه محرر المرأة التونسية وهو الذي أخرجها من الظلمات إلى النور وأخرجها من سلطة الرجل إلى المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ولكن بالعودة إلى التاريخ السياسي لبورقيبة نجد أنّ بورقيبة لم يعوّل عن المرأة التونسية في المناصب العليا في الدولة ولم يجعل لها تلك المكانة التي يعتقد كثير من التونسيون أنّ بورقيبة قد أعطاها إياها فعلى سبيل المثال لم يتم إنشاء وزارة خاصة بالمرأة إلا سنة 1986 يعني قبل عام فقط تنحي بورقيبة.

ومن جهة أخرى كان عدد النساء اللاتي تقلدن مناصب وزارية في عهد بورقيبة قليل جدا ومحتشم لا يتماشى مع ما يقال عن بورقيبة محرّر المرأة.

لاشكّ أنّنا لسنا هنا في تدقيق تاريخيا لبعض الحقائق أو سردا لها بل في عودة سريعة دون إطناب الى هذه التجربة المهمّة في تاريخ تونس والتي عاشت فيها انجازات مثلما شهدت فيها نكبات فنظام الحكم في توس في عهد بورقيبة لم يكن يمت للحداثة بصلة فأي حداثة في ظلّ نظام ديكتاتوري جائر نظام الحزب الواحد والرأي الواحد والرجل الواحد نظام يمقت التعدد ويمنعه بالقانون ويضع قوانين تسمح لرأسه أن يكون رئيسا مدى الحياة يتحكّم في السلط الثلاث بعيدا عن أي توازن بين السلطات وتفريق بينهم.

بالمحصلة بعيدا عن أي تعصّب سياسي أو إيديولوجي كان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة رئيسا كمعظم الرؤساء العرب ساهم في بناء دولة الاستقلال وساهم في نشر التعليم وهيكلة الدولة ولكن اتسم عهده بالتخلّف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فقد قمع الإعلاميين والسياسيين والحقوقيين والأيّمة والعلماء وأرسى نظام بوليسي قمعي لا علاقة له بالحداثة وإنّما كان ولا يزال رفع شعار الحداثة حصان طروادة الذي يركبه الجميع وينغمس فيه حتى يصل إلى أغراض واهداف سياسية وثقافية وإيديولوجية.

محمد علي الهيشري