الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الخميس,3 سبتمبر, 2015
هكذا فشلت النهضة في ابعاد الغنوشي عن الرئاسة

الشاهد_لان الإسفاف الفكري والسياسي والثقافي اصبح المهيمن على الساحة ، لم تعد الاستنتاجات والقراءات صالحة لفك شفرة المعلومة وتقريبها وحتى تقديمها وجبة دسمة سهلة لطالبها ، لم نعد نعرف غير الأحكام المسبقة والتحاليل القاصرة ، المبتورة ، لذلك تمكنت الإشاعة من احداث اختراقات هامة ، وهيمنت التعريفات السطحية الركيكة على المشهد .

 

على غرار العديد من الملفات والشخصيات لم يتم تناول علاقة الغنوشي بحركة النهضة بشكل سليم بعيدا عن التحامل المفرط والولاء الاعمى ، وتأرجحت قراءة هذه العلاقة بين من يشنع بها ويعتبر الحركة مختطفة وبين من يرفع الرجل الى مستوى “سدي عبد القادر الجيلاني” عند اتباع النهج القادري ، لا هذا ولا ذاك ، افلح وقدم صورة واقعية تحقق الإفادة وتزرع لبنة في عالم المصداقية المفقود .

لقد حاولت حركة النهضة اكثر من مرة “التخلص” من الغنوشي ، ليس لانه فشل او عطل ولكن لان اجهزتها ايقنت ان مدونتها الثقافية والفكرية وادبياتها ومرجعياتها ، تجبرها على تحقيق التداول السلمي ، القانوني و السلس على منصب الرئاسة .

اكتشف النهضة وهي تسعى الى تحقيق التداول مشكلة كبرى ، وايقنت ان البديل لزعيمها التاريخي سيكون عاجزا على سد الشغور ، والقيام بمهام دقيقة ومركبة وحساسة كتلك التي يضطلع بها الغنوشي ، وتيقن صناع القرار داخل الحركة ، ان تحقيق فضيلة التداول على منصب الرئيس سيقضم بشكل مفزع من الجودة والفاعلية ، وسيصيب الجسم بحالة من التلعثم خاصة عند الحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة واستعجالية لا تتحمل إنضاجها بشكل متأني داخل المؤسسات ، ولا يمكن الصبر عليها حتى تشق طريقها وفق ما اقرته اللوائح والقوانين المنظمة لسير اشغال الجسم.

 

لقد احتكر الغنوشي منصب الرئيس بشكل فريد ، فالرجل لم يقاتل على المنصب بل عبر عن رغبته في المغادرة وأبدى في العديد من الأحيان حالة واضحة من الزهد في قيادة النهضة ، لكن المشكل ان الحركة التي ترغب في احياء سنة التداول ، تجد نفسها في حاجة ملحة الى زعيمها التاريخي ، وكثيرا ما وقعت فريسة للحيرة ، بين تجسيد ثقافة هي في اشد الحاجة اليها ، بل لعلها تأخرت كثيرا في تفعيلها ، نظرا لمرجعياتها المرنة والغنية بالطرح الجريء والمتقدم ، وبين خطوة استئصال جزء سليم ومهم من جسدها قد يتسبب في نزيف مفتوح على كل الاحتمالات .

 

لقد فرحت النهضة واستبشرت حين صنعت صمام امان متميز يشرف على التدفق السلسل للمعاملات داخل جسمها الكبير المبتلى بالسراء والضراء ، لكنها اليوم تعاني لانها فشلت في ايجاد بديل لهذا الصمام ، فالرجل المخضرم داخل الحركة المخضرمة ، يكاد يكون الوحيد الذي يجمع بين الجيل والآخر بين الديني والسياسي ، بين الأصالة والمعاصرة ، وهو من القلائل الذين يتقنون اللغة المشتركة بين المساجد والقصور . ولما كانت الاحزاب والحركات تصنف ضمن صقور وحمائم ، وكان للحمائم عصرها وللصقور مراحلها ، ما يحقق التداول وفق المتطلبات ، فان مرونة الغنوشي وتركيبته جعلته يحسن التمركز داخل سرب الحمام حين يكون منسوب غصن الزيتون هو الأعلى ، ثم يتقدم الصقور حين تتزاحم الجوارح على المشهد .

 

تراقب حركة النهضة عن كثب شيخها الذي يجلس هناك القرفصاء تعلو ملامحه حالة من الرضى بهذا القرار او ذاك ، شيخ هو على استعداد للرحيل وان ندبوه للبقاء فلا باس ، تراقبه الحركة ولسان حالها يقول ، ما أحلى التداول وما اصعب فراقك ، فهاهنا في هذه الحركة المستعصية على الموت والتي تحسن الحياة ، كل الذين يرتدون الجبة والكبّوس تضيق بهم البدلة الإفرنجية ، وكل الذين تعودوا البدلة ، تبدو اجسامهم غير متناسقة مع الجبة ورؤوسهم قلقة متوترة من الكبّوس ، وحده هذا “الكابوس” اللذيذ يحسن دس جسمه في التقليدي والمعاصر.

 

 

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.