أهم المقالات في الشاهد

الإثنين,20 يوليو, 2015
هكذا أعادت “فجر ليبيا” الأمن والحياة إلى طرابلس

الشاهد_في ليبيا وضعٌ استثنائي، فهنالك حكومتان وبرلمانان وجيشان، وكلاهما يرفع لواء محاربة التنظيمات الإرهابية و”أزلام” النظام السابق، كما يسمونهم، هذا الوضع يثير التساؤل: كيف هي الأوضاع الميدانية؟ وما مدى قدر الحكومة التي تتخذ من العاصمة مقرا لها، لكنها غير معترف بها دوليا، على تسيير الشأن العام وتوفير لقمة الغذاء للمواطنين؟ وكيف يتمّ تأمين المدن؟

الطريق إلى طرابلس و أولى العثرات:

السمة لدى غالبية المسافرين في السادس من جوان المنصرم من مطار هواري بومدين، الفرح والسعادة حتى المتوجهين معي عبر رحلة “الايرباصA230 ” على متن طيران الليبية، لم نكن أزيد عن 45 شخصا، غالبيتهم ليبيين ومغاربة، و5 جزائريين على الأكثر، عندما منحت جواز سفري لشرطية الحدود فاجأتني بعبارة “آه.. ليبيا.. ربي يسهّل”، كأنها رأفت بحالي، وتساءلت في قرارات نفسها: إلى أين هو ذاهب؟ بعدها تذكرت المعنية أن الرحلة إلى طرابلس “مشبوهة”، ووجب وفق قرارات اللواء هامل التمحيص في المسافرين وكان هذا الأمر من نصيبي.

تمت المناداة عليّ عبر مكبّر الصوت، وجاءني أحد الضباط بنوع من المكر”لقد أغفلت الشرطية تدوين رقم جواز سفرك البيومتري، فالرجاء منحي إياه لتدوين المعلومات الإضافية”، كانت الرحلة الوحيدة فقط التي تم التعامل معنا بذلك الشكل، حيث انطلقتْ في تلك الأثناء ودون أية مشاكل الرحلات إلى مونتريال ولندن وبرشلونة وباريس والدوحة…

كان هذا حظنا، وخاصة أن خمسة مواطنين ليبيين، تم منعهم من دخول التراب الوطني في رحلة الصباح لدواع أمنية.

حالة الاحتقان التي كان عليها المرحّلون، استمرت طيلة ساعتين ونصف الساعة ونحن في الجو، وكانت أذني تسرق بعض السمع “كيف يمنعونا؟ هل يظنون أنهم في مكة المكرمة؟ حتى في مكة لم نُرد وهي أرض الله، هذا ظلم”.

الملل والخوف والوجبة “البائسة” التي مُنحت لنا في الطائرة، جعلتني أسرح مع أفكاري: ماذا سأجد هنالك في طرابلس؟ والمفاجأة أن أول المصائب قد حطت عليّ في مطار معيتيقة، فما إن حطت قدماي على السلالم للوصول إلى الحافلة، حتى تهجم علينا الليبيون الخمسة وأخذوا منا جوازات سفرنا بالقوة، وكان الاعتداء يستهدف الجزائريين فقط، بدعوى “المعاملة بالمثل”؟.

زاد من تعجّبي واضطرابي أن لا أحد تدخّل من أفراد الأمن، إلا المضيف بسام الذي منحني هاتفه المحمول للاتصال بأحد المسؤولين الحكوميين، كان في استقبالي بصالة المطار، وفي تلك الأثناء وصلت سيارة “شوفريلي كروز” سوداء اللون معتمة الزجاج وبدون لوحة ترقيم، قطعت السيارة مسار الطائرة، نزل منها شخص وراح يردّد: “لن تتحرك الطائرة إلا والجزائريون بها يعودون فيها إلى بلدهم مثلما تم ترحيلنا”..

نعم للأسف هذا هو منطق بعض الليبيين، أي مكروه يحدث لمواطن ليبي في بلد مجاور، يتم التعامل مع مواطني ذلك البلد في التراب الليبي بنفس الطريقة.

أحد الملتحين ممن تهجم علينا ظننته أحسَّ بذنبه معنا عندما رددنا عليه عبارة “حڤرة”، استدرك أمره وراح يقدم جملة من المبررات “لا والله.. لا أحمل أي ضغينة لكم ولا للجزائريين، زوجتي من تبسة، والله ستبيتون في بيتي مدة إقامتكم، لكن الشرطة الجزائرية تعرّضت لنا وأهانتنا دون وجه حق”، ووعدته أن أنقل كلامه لدى عودتي من ليبيا بالحرف الواحد.

المشكلة في ليبيا حاليا في مسألة “التعامل بالمثل”، لم تقصر على فصيل شعبي فقط، فهذا وزير الداخلية في حكومة الإنقاذ الوطني محمد شعيتر، وفي لقاء معه بأبراج “ذات العماد” بطرابلس، سألته عن ما جرى لي وعن حادثة اختطاف الدبلوماسيين التونسيين من مقر السفارة فأجاب “في تونس هنالك معاملة سيئة تتم في المطارات، ويتم التعدي على كثير من مواطنينا”، فوجئت من المسوغ الذي قدمه، فقلت له “لكن التعدي على الرعايا الأجانب في ليبيا مستمر من قبل مسلحين، أين هي هيبة الدولة وسلطتها؟”، لم يزد في إجابته على ثلاث كلمات: “هنالك سلطة للدولة….؟! “.

النواصي والردع والكتيبة 166:

سنة مرت تقريبا على ما يسمى بتحرير طرابلس ومطارها من قبضة “الصواعق والقعقاع” وهي المليشيات المسلحة لمدينة الزنتان التي كانت مسيطرة على العاصمة، واستمرت المعارك السنة الماضية لأكثر من شهرين، وأطلق عليها “عمليات فجر ليبيا”، واستطاعت هذه العملية إبعاد مسلحي الزنتان، وأصبحت غالبية ليبيا تحت سلطة قيادة حكومة الإنقاذ الوطني.

وتحبل وسائل الإعلام العربية والدولية بمادة دسمة، ولا تخرج غالبية التقارير عن أن ليبيا واقعة تحت سيطرة المليشيات، لكن الذي رأى ليس كالذي سمع أو قرأ، فطيلة 10 أيام كاملة قضيتها في طرابلس ومصراتة شرقا ورأس جدير غربا، سمعت صوت الرصاص لمرتين في الليل، كانت عبارة عن بعض زخات من العيارات النارية الثقيلة، قطعت بعض صخب المدينة المترامية على مياه المتوسط، وعندما استفسرت عن الأمر أٌبلغت أن عناصر من وحدة “الدرع” داهمت مكانا لترويج المخدرات.

لكن قبل هذا، كيف تم إنهاء مظاهر التسلح، حتى أن شرطة المرور التي ترتدي البذلة البيضاء الناصعة لا تحمل معها ولا حتى مسدس في بلد وجود الدواعش فيه قد يكون قريباً.

وقبل سنة ونيف، كانت تجارة السلاح تتم بشكل علني في سوق الحوت في ضواحي العاصمة، الوضع الحالي مرده تدخلات فرقتي النواصي والردع، بعدما كان السلاح منتشرا ومستفحلا إلى درجة أن عبارة في مدخل المتحف الوطني تستسمحك أن “تترك سلاحك في الخارج”.

زيادة على الحماية الكبيرة التي توفرها الكتيبتان، يتم تعزيز الأمن في الداخل بوحدات الأمن المركزي.

من نجاحات الكتيبتين إعادة الحياة بشكل طبيعي إلى العاصمة طرابلس وضواحيها البعيدة، فالحركة في طرابلس لا تتوقف حتى الثانية فجرا، وشاطئ البحر يعجّ بالمصطافين، أما شارع عمر المختار أو ميدان الجزائر فالزحمة لا تكاد تفارقهما، ونفس الحشد تجده في عدد من المنتزهات خاصة ليلا، أو بميدان الشهداء، ومطاعم السمك في طريق تاجوراء.

البوابات 17 لرد الدواعش:

إذا كانت مظاهر”الحياة العادية جدا” في العاصمة طرابلس، مسألة حتمية التحقيق لدى حكومة الإنقاذ، فإن التساؤل يُطرح عن الأوضاع في خارج العاصمة، تحديدا في معبر رأس جدير الحدودي مع تونس، فهذه الأخيرة ترى في ليبيا “البلاء” الذي أصابها، وبالمقابل ترد طرابلس على تلك التهمة وتقول إنها هي من ابتليت بالدواعش التونسيين.

كنت أعتقد أن رحلتي لراس جدير الواقعة على بعد 173 كم، ستتم في موكب أمني، لكن الرحلة تمت بسيارة “نيسان التيما”، ولم نكن سوى ثلاثة على الطريق، أنا ومرافقي إبراهيم والسائق بشير.

بعدما سلكنا الطريق.. في مدخل مدينة جنزور استوقفتني عبارة كتبت على أحد الأعمدة “أدعوا للشباب الذين سقطوا حتى تكون هذه الطريقة آمنة”.

حالة الانفلات الأمني في تلك الجهة لا تزال ظاهرة، في الحاجز الأمني الأول والذي يطلق عليه محليا اسم “بوابة الفرسان” وتحديدا في مدينة جنزور، لا يخفي المسؤول الأمني هنالك محمد شعيب ذلك، وقال لـ”الشروق” في عين المكان “نحن أول بوابة من طرابلس، والطريق يعرف انفلاتا كبيرا فقد حررنا أزيد من 20 محضراً يتعلق بالسرقات والاعتداءات والسطو”، يتابع دون تردد “هنالك عدد من العصابات بل وصل الأمر إلى تسجيل حالة اغتصاب”.

كنت أتحدث إلى محمد وأنظر إلى الشبان المتواجدين في البوابة الأمنية، جلهم صغار في السن، لا يبدو عليهم التدريب ولا التنظيم، الغالبية لم يكونوا يرتدون البذلة العسكرية، فيهم من يحمل سلاحا وآخرون غير مسلحين، بمبرر إعطاء الأمان للمارة.

هي تقريبا المشاهد في البوابات الأخرى كالصمود والزاوية والمطرد وصرمان، وكل المناطق السابقة تبدو الحياة بها عادية جدا، المحلات مفتوحة والأسواق منتعشة والزحمة عند مداخل المدن وخارجها، والغريب أن يتم نقل السلع بطريقة عكسية ليس من تونس إلى ليبيا، بل من ليبيا إلى تونس وخاصة الأجهزة الالكترومنزلية وقطع الغيار في معادلة غير مفهومة، ويكتفي التونسيون بإدخال بعض الفواكه الموسوية.

بعد ساعتين من السير، وصلنا إلى معبر رأس جدير الحدودي، الذي يعدّ المعبر البري الوحيد العملي الواقع تحت سيطرة حكومة الإنقاذ (معبر الدبداب مع الجزائر مغلق) ولأن التخوفات كبيرة، كانت إجراءات المراقبة تتم بطريقة مشددة، خاصة وأن بين 6 و7 آلاف مركبة تعبر يوميا، بحسب إفادات مسؤول الجوازات في المعبر العقيد نجمي عبد الرحمان، الذي كان للتوّ قد أوقف تونسيين للاشتباه في انتمائهما لتنظيم إرهابي.

لكن لاتزال عمليات المراقبة “بدائية” فلا أجهزة سكانير أو كاشفات متفجرات، ولا كلاب مدربة مختصة في الكشف عن المخدرات أو المتفجرات، وفي هذا الخصوص يقول العقيد نجمي “نعم نحن نعاني هنا من نقص التجهيزات، لكن نعتمد على خبرة العنصر البشري..

ونملك قاعدة بيانات عن المشتبهين ويتم تحيينها وتبادل القوائم مع أجهزة الأمن الشقيقة”.

كانت الوجهة الجديدة لنا مدينة مصراتة الساحلية الواقعة على بعد 204 كم شرق العاصمة طرابلس، ينظر إلى المدينة أنها عرين حكومة الإنقاذ فهي التي أنقذتها قبل سنة من كتائب القعقاع والصواعق، وهي التي أجهضت دخول كتائب القذافي عام 2011 فكان استسلام العاصمة بكثير من السهولة، وهي أيضا الميناء الهام الذي يعدّ شريان الحياة حاليا لليبيا، وهي كذلك البوابة المتقدمة لمواجهة داعش المنتشر في عددٍ من المدن القريبة وتحديدا في سرت مسقط رأس القذافي.

هذه المعطيات، جعلت تأمين الطريق البحري من العاصمة يأخذ الكثير من الاهتمام، خاصة وأن تنظيم داعش قد أوقع في الثلاثة الأشهر الأخيرة 21 قتيلا و26 جريحا من خلال عمليات استهدفت عددا من البوابات.

بعد أخذ الترتيبات اللازمة، تنقلت أنا ومرافقي إبراهيم في سيارة “هوينداي توكسون” إلى المدينة عبر الطريق المزدوج، والذي يعرف حركة نشاط كبيرة، خاصة وأن أهل المدينة ميسورو الحال، ما جعلهم يتفرّغون للأنشطة التجارية على العمل في الدوائر الحكومة.

عند الوصول إلى مدينة تاجوراء، تقابلك أول البوابات الأمنية، ما شدني في الحاجز المذكور تواجد العربات المدرعة وفوقها رشاشات ثقيلة، لكن دون أفراد حماية، وعند الوصول إلى مدينة الخمس التي تسمى مدينة “المقويات” نتيجة لانتشار النشاط الفلاحي كتربية النحل والزيت واللوز، اختار القذافي أن يقتطع له وعائلته مساحات شاسعة من أراضيها، في ذات المدينة تصادفك البوابة الثانية وبها وجود أمني كبير وتم وضع المدرعات وراء ستائر ترابية للحول دون وصول السيارات المفخخة إليها، فهو الأسلوب المعتمد من قبل داعش، وتتكرر عند المدن كالنقازة وزليتن ومدخل مصراتة البوابات الأمنية، والملاحظ عليها التسليح القوي لها، وهذا لرد أي اعتداء، قبل 4 أيام فقط من سفرنا إلى مصراتة، نفذ انتحار تونس عملية ضد بوابة الدافنة أودت بحياة ثلاثة عسكريين، وأرجع السبب في ذلك إلى غياب أجهزة كشف المتفجرات.

عند مخرج المدينة الشرقي، يظهر الميناء الضخم، وقبالته منطقة النشاطات الحرة، والتي يقول عنها أحد المسؤولين هنالك “يمكن لهذا الميناء أن ينافس ميناء دبي العالمي، ولهذا فقط تخاصمنا دولة الإمارات، هي تخشى أن يتم تقويض نشاطها المزدهر في حالة استقرت الأوضاع عندنا وصارت منطقة النشاط عملية كما هو مخطط لها”.

في بوابة الستين يبدأ تجمع كتيبة أل 166، وحتى المحطة البخارية في مدخل مدينة سرت، حينها كان علينا العودة، والسبب واضح “رصاصة أو تفجير من داعش أو عملية اختطاف من مليشيا متمردة”.

ادفع لك المال.. لتقاتلني:

إذا كانت قوة السلاح أداة أساسية وفعالة في رد الخصوم سواء من قوات حفتر أو مليشيات المدن الأخرى والعدو الأكبر داعش، إلا أن لحكومة الإنقاذ سبيلاً آخر لمحاربة الأعداء، وهو ما اكتشفته في صلاة المغرب التي أقيمت في ساحة الشهداء -الساحة الخضراء سابقا- وفيها تم رفع الأيدي في دعاء القنوت لإنزال الضرر وجاء الدعاء هكذا “اللهم عليك بالحفتريين، والزنتانيين، والانقلابيين”.

ورغم العداء الكبير بين حكومة الإنقاذ في طرابلس وغريمتها الحكومة المؤقتة التي تتخذ من مدينة البيضاء في أقصى الشرق مجلسا لها، تظهر بعض الغرابة في طريقة التعامل معها، هنالك من يسميها”كرما” وهنالك من يراها “ميثالية” وهنالك من يقول إن مقتضيات الحرب تفرض بعض “الشرف” ومكمن كل هذا أن الأجور والمواد النفطية والكهرباء التي تستعملها حكومة الثني وقوات حفتر تأتي من حكومة الإنقاذ، في مفارقة عجيبة، وعلى هذا الأساس بقيت 3 مؤسسات واقعة في طرابلس على الحياد من حرب الأشقاء، وهي البنك المركزي وشركة الكهرباء وشركة النفط.

طرابلس- مصراتة- رأس جدير/ مبعوث الشروق الجزائرية: عبد السلام سكية