أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,10 أغسطس, 2016
هافينغتون بوست: ماذا لو أصبحت تونس سويسرا المتوسط؟

الشاهد_من الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، يظهر التونسيون كشعب متعلم، كما يتبين من نضجه السياسي. نضج سياسي الذي يتجاوز إلى حد كبير دائرة الخريجين، حيث نعلم أن كثيرا ممن أصيبوا بالإحباط لعدم الوفاء بوعود الحراك الاجتماعي، قد توجهوا للقتال في صفوف تنظيم داعش، على حد تعبير صحيفة هافينغتون بوست في تقرير مطول اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية.

وبالنسبة للمراقب الأجنبي، التونسيين هم شعب منفتح على الحوار، ومستعد لتقديم تنازلات، كلمة لطالما كرهت في العديد من بلدان أميركا اللاتينية، بدءا من فرنسا حيث، كما ندد به جان فرانسوا ريفيل، فإنه قفا بالخيانة.
في هذه الحالة المرضية الزائدة ومن أجل سعادتهم، لذلك يبدو التونسيين يلوذون بالفرار. مثل هذا النضج السياسي يستحق أن يحتفل به لأنه أمر نادر الحدوث، وليس فقط في العالم العربي والإسلامي. من هذه الزاوية، فإن سكان تونس يحققون تقدما بالتأكيد سيرا على القوة الاستعمارية السابقة.
وهذا تحديدا لأن التونسيين يحترمون أنفسهم، ويحترمون خصمهم الذي ليس حيوانا ليُذبح، ولكنه بحاجة لإعطائه دافعا معنويا أكثر.
ويتشبث الشعب التونسي بنموذج معين من المجتمع. في الواقع، جميع الطبقات مجتمعة، تثبت عزمها على الدفاع عن تعددية سياسية التي تهزأ بها أكثر البلدان المحيطة بها.
عندما يكون هناك مئات الآلاف من التونسيين في مسيرة عقب اغتيال محمد البراهمي، يجبرون المروجين على الذهاب إلى المنفى، فمن الواضح أن هذه التظاهرة الجماهيرية تعكس الالتزام القوي للمثل الديمقراطية وحرية التعبير . وما حدث في بن قردان في جانفي 2016 يقدم دليلا آخر على إيمان الشعب التونسي بنموذجه الاجتماعي والسياسي. أن يستطيع سكان مدنيون، بعد اجتيازهم الفوارق الاجتماعية المذهلة، أيضا أن يساعدوا بشكل كبير في القضاء على الكوماندوز الجهادي الذي جاء لاحتلال بلدة حدودية مع ليبيا، يظهر أفضل من أي خطاب التضحيات التي على استعداد لتقديمها التونسيون للدفاع عن نموذجهم للمجتمع التعددي، نموذجا فريدا في المنطقة العربية المسلمة التي تتأرجح بين الديكتاتورية العسكرية والاستبداد الديني والفوضى.
وذلك لأن الأخطار الخارجية قريبة جدا بحيث سيكون من المناسب تعزيز هذا التفرد الذي يناضل الشعب التونسي من أجل الدفاع عنه.
ولتعزيز عمليتها، التي تتميز بالدفاع السلمي للديمقراطية التعددية، يجب على تونس النظر في تغيير البوصلة. لذلك ينبغي أولا أن تتوقف عن الاستلهام من الحاضرة الاستعمارية السابقة، النظام الملكي الجمهوري القديم الذي لم يتوقف عن الاحتضار والقناعة بفوائد المبدأ الكولبيري، حيث يمكن للدولة وتفعل كل شيء، وتحويل بصرها إلى بلد أوروبي آخر، الذي يضم أكثر قليلا من ثمانية ملايين نسمة. أطلقت عليه اسم سويسرا.
سويسرا ليست فقط البلد “الأكثر سعادة في العالم”، هي أيضا من بين الأغنى، والأكثر ابتكارا، ومما لا شك فيه، الأكثر استقرارا على كوكب الأرض.
هذا الاستقرار هو ليس من قبيل الصدفة. ولكنه يُفسّرُ بالحقوق السياسية التي اخترعها المواطنون السويسريون، ويمارسونها بشكل يومي. ومن بين العديد من الحقوق السياسية الذي يتخذها السكان، اثنين منهما حاسمان: المبادرة الشعبية وقانون الاستفتاء.
ففي الحالة الأولى، 100.000 مواطن لديه حرية تقديم قانون مهمل من قبل مجلس منتخب، مشروع قانون الذي سيقدم إلى الناخبين الذين سيصوتون في الانتخابات.
وفي الحالة الثانية، يمكن ل 50.000 مواطن أن يعارضوا بشكل قانوني قانونا تم التصويت عليه في البرلمان، يخضع دائما لقيام أغلبية الناخبين في عملية تصويت. وتستخدم هذه الحقوق لأكثر من قرن من الزمان.
كما تم إبلاغها إلى الشعب التونسي، يمكن أن تشارك المبادرة الشعبية مع 140.000 توقيع والاستفتاء مع 70.000.
يشاركون في التصويت، يصوّت الشعب السويسري أربع مرات في السنة على مجموعة متنوعة من الأشياء. وتحدد مواعيد الانتخابات بالفعل للسنوات ال 20 المقبلة. عمليات التصويت اتُّخذت على طريق الترام، وبناء ملعب لكرة القدم، والتوسع في إحدى المدارس، وبناء متحف، وشراء طائرة حربية، وإزالة الجيش، الخ.
وبالتالي، فإن المواضيع تشمل كامل البلاد، سواء مقاطعة أو ببساطة طائفة. ويرتبط كل شيء الذي أصدره السويسريون بتكلفة محددة، عبء التي سيكون على المجتمع دفعه ضريبيا في حال موافقة الناخبين على التصويت.
القيمة المضافة لهذه الأصوات المتكررة وحيث الناخبون لا يكلّون، هي توافق كبير على السياسات. هنا، نحن لا نحرق إطارات السيارات، ولا نحتجز الزعماء ونتائج الانتخابات، أيا كان، ولا نتناقش فيه أبدا. أما بالنسبة لرجل السياسة، فإنه لا يقطع الشعب، لأنه، في أي وقت وبالتماساته فقط يمكنه إجراء مساءلة وديمقراطيا السيطرة على بعض جوانب الحياة السياسية. هذه السلطة السياسية التي تضمن أن يولّد المواطنون توافقا فريدا من نوعه على كوكب الأرض.
وبالنظر إلى النضج السياسي للشعب التونسي، ونظرا إلى عزوفه عن الحلول المتطرفة كما يتضح من نتائج الانتخابات، ونظرا للثقل السياسي الذي حققته النساء في هذه الدولة في المغرب العربي وحافظت عليه، فمن الواضح أنه يوجد هنا أرضا خصبة لتجربة سياسية غير مسبوقة في هذه المنطقة من العالم.
الآلية السياسية هنا يمكن وصفها بسرعة بأنها لا تعطي ثمارا جميلة في ستة أشهر أو سنة. والنتائج ربما تكون مخيبة للآمال، على الأقل في مرحلة أولى. المصوتون لن يجيبوا على الفور وجميع الأسئلة التي طرحت عليهم. الوزن الانتخابي لتونس، بسبب تركيبتها السكانية، ربما تكون مرجحة بتصويت من المناطق الرئيسية، حيث لا يزال يتعين تحديد الخطوط العريضة.
ولكن يبدو أن هناك مستقبل البلد الذي يفهم ضرر المواجهة الأمامية ويلاحظ في جميع حدوده تفكك الأنظمة الاستبدادية التي لا تنتهي والتي تجبر الناس على الصمت. في جميع أنحاء العالم، الحل السياسي العمودي، الذي ينحدر من الغيوم ويدّعي تحقيق السعادة للشعب، لم يعد يعمل. والشعب، على الأقل أولئك الذين يستطيعون التعبير عن أنفسهم، يقولون أنهم يريدون المزيد. إنهم يريدون أن يأخذوا مصيرهم بين أيديهم، كما تبين الربوع العربية، التي بدأت تحديدا في تونس.
بدلا من التركيز على النماذج السياسية الرئاسية، حيث الحدود معروفة الآن للجميع والتي تسخر من الشبكات الاجتماعية، التونسيين، الذين يتمتعون بجرأة التي لم يكن فيها اشتباه حتى ثورة الياسمين التي بدأت في ديسمبر 2010، سوف يهتمون أفضل بالتحول إلى نماذج ذات فعالية مؤكدة، إلى نماذج سياسية لا من أعلى إلى أسفل ولكن من أسفل إلى أعلى، إلى أنظمة أكثر ديمقراطية وعدلا، حيث الأفكار السياسية يمكن أن تنشأ أيضا من القاعدة. نماذج حيث تكون هذه الأفكار مسموعة، وقبل كل شيء، تُطبّقُ بمجرد أن يقوم أغلبية الشعب بدفعه إلى الأمام بسلام.
التنمية الاقتصادية في تونس، الهدف الحيوي، سيكون أكثر مقاومة للهجمات من أي جهة التي ستستفيد من المشاركة المنتظمة والواسعة النطاق للسكان. الحقوق السياسية التي نذكرها، بسيطة وأثبتت فعاليتها، لا تزال وسيلة لاستعادة الشباب التونسي في وسط لعبة سياسية التي ترى أنها مستبعدة. وقبل كل شيء، وضع هذا الشباب في مركز السياسة بطريقة سلمية.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد