أهم المقالات في الشاهد

الجمعة,15 يوليو, 2016
هافينغتون بوست: الباجي قائد السبسي بين الجمود السياسي و الضعف الاتصالي

الشاهد_وفقا للمؤشر السياسي لسيغما كونساي في شهر جوان (نشرتها صحيفة المغرب)، الذي يرتكز، من بين أمور أخرى، على مؤشر الرضا عن شخصيات سياسية تونسية مختلفة، أكثر من 38٪ من التونسيين يقولون أنهم غير راضين عن رئاسة الباجي قائد السبسي. 25٪ منهم يقولون أنهم “غير راضين على الإطلاق”. خسارة سريعة في الشعبية تضعف البلاد التونسية التي تعاني أصلا من ضعف شديد بسبب الأزمة الاقتصادية التي تنذر بأزمة سياسية عميقة، وفقا لما جاء في تقرير مطول نشرته صحيفة هافينغتون بوست اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية.

ويشير البعض بأصابع الاتهام إلى الفشل السياسي لرئاسة الجمهورية، التي تكافح لتأكيد سياسة التجديد، والبعض الآخر يتحدث عن فشل اتصالي بسيط للرئيس الذي “لا يطبع” أكثر في الرأي العام و من الصعب إقناع وإغواء ما يمكن أن يفعله المرشح في وقته.
لماذا؟ وكيف نفهم هذا الانعكاس للصورة؟
الوعود “المنسية”
من الواضح أن التفسيرات الأولى تعترف بالفشل إلى حد كبير فيما يتعلق بالوعود الانتخابية التي لم تتحقق ووجود فجوة بين قناعات الرئيس المعروضة وإنجازاته.
المناورات السياسية المرتكبة قبل وقت قصير من بداية ولايته لتقاسم السلطة والحماية المتبادلة مع الحزب الإسلامي وسط إعادة الاعتبار ل “الأزلام” (“فلول” النظام القديم)، بما في ذلك أبناءه، كانت موضع تقدير من قبل الرأي العام، وجاءت لكسر مصداقية المؤسسة التي بلا شك، واجهت صعوبات لاستردادها.
اتصال دون طموح
تفسير آخر صغير المشار إليه أعلاه يعبر عن نقص في الاتصال من قصر قرطاج الذي فشل في تقديم المهمة الرئاسية في إطار صورة جديدة وحديثة وبما يتماشى مع سياسة التغيير.
ومع ذلك، فإن قلب عمل الاتصال في القصر لديه إستراتيجية “نمط جديد من الرئاسة لجمهورية جديدة”.
حريصين في البداية على إسكات الشائعات حول حالة الرئيس الصحية أو قدراته (نظرا لعمره) في أداء الوظيفة، ركز الاتصاليون بالقصر على صناعة شخصية ذات طابع قيادي: رئيس ديناميكي، يتواجد في كل مكان، على بينة بكل شيء، الذي يعلق على كل شيء وبخاصة، “الريس” ( “الرئيس”) الذي تحدثنا عنه.
على الرغم من ال 90 عاما، من الواضح أن الرئيس لديه جدول أعمال مزدحم جدا، حيث أنه يضاعف الاجتماعات والزيارات والمقابلات والخطب ويعطي بوادر النشاط المكثف.
أين هو الضرر؟ سيكون في البنية المؤسسية الجديدة: الرئاسة التي تخسر أهمية قرارها والذي يبدو مؤلما إدارة الإحباط السياسي المؤسسي بقدر اتباع نظام مختلط يحرم “سيادة الرئيس” ( “الرئيس”) من صلاحيات اتخاذ القرارات بشكل جيد المدرج في الثقافة السياسية التونسية منذ الاستقلال. وبالتالي فإن سمات “دليل” منتشرة في كل مكان وقادرة على كل شيء.
ومع ذلك، نلاحظ بعض المحاولات لتحسين صورة المقام الرئاسي: خلال أسفاره واللقاءات، نرى الباجي قائد السبسي متجدد الشباب، ويرتدي لباسا جيدا أنيقا، وحضور أنيق، ومشية ثابتة، وجبهة مرتفعة جيدا، تناوب جيد لنظارات واضحة ونظارات شمسية (وتسمى “بورقيبية”)، ونبرة صوت وابتسامات مدروسة.
ومع ذلك، يفتقر فقط “الاتصال” لأنها لا تزال مهمة الانطباع كالمعتاد سريعة الزوال، وفي الخلفية يبدو أنه يعالج على مضض مفاهيم الثورة والديمقراطية والمشاركة في اتخاذ القرار.
ولكن ما كان من المفترض أن يُحسِّن صورة الرئيس ويُحدِّث مؤسساته، أنتج في الواقع عكس ذلك.
الهدف الهوس تقريبا لجعل الباجي قائد السبسي شخصية رائدة تحول بدلا من ذلك إلى أنبوب تغذية اتصالي.
علاوة على ذلك، فإن استخدام الشبكات الاجتماعية في عملية التواصل الرئاسي يعتبر مثاليا.
صفحة الفايسبوك وحساب تويتر التابع له، الأدوات الرئيسية للاتصال الخاص به، تغطي كل لفتة له وحركاته كل يوم وعدة مرات في اليوم بالصورة والصوت والفيديو.
ولأن الرئيس مرئي جدا للعيان، ويتحدث في كثير من الأحيان ليقول ما رأيه في شأن هذا أو ذاك، فإن المعلومات التي ينقلها المكلفون بالاتصال لديه أصبحت مفرطة، متكررة وضعيفة في المواد الإعلامية.
ما معدله 8 مواد من 10 حول رئيس الجمهورية لا تتجاوز 5 خطوط وتقتصر على تقرير موجز حول شكل نشاطه بدلا من مضمونه.
والنتيجة ليست مقنعة لأنها تؤدي إلى الاستهانة بالمتكلم وتبديد أي فضول للمواطن فيما يتعلق برمزية مهمة الرئاسة.
إذا كان الرئيس أقل جاذبية وأقل إقناعا كالمرشح، فذلك لأن صورته قد أصبحت شائعة، وواضحة ودون خشونة. هذا هو على وجه التحديد، هذه الاستهانة التي كلفت رئاسته الفشل الذريع لمقترحه حول قانون المصالحة، وتعبئة ضعيفة لخلفية مكافحة الإرهاب وأسفه المتنامي الذي بالكاد يؤدي إلى مرفأ جيد مشروعه المتعلق بحكومة الوحدة الوطنية التي قدمها إلى الشعب التونسي كخيار حاسم.
اتصالات روتينية
أما التفسير الآخر الممكن والمكمل للأول يتعلق بأسلوب التواصل: يتم عرض النشاط الرئاسي للشعب التونسي كسرد الذي لا يتغير شكله أبدا والمتكرر، ولا يُبلِغُ سوى القليل.
وبصرف النظر عن الظهور العلني الكبير النادر للرئيس، فإن تغطية أنشطته يتم تلخيصها في مقطع مصور قصير، مصافحة، والكثير من الموسيقى والصور من جميع الزوايا ولكن المادة قليلة جدا.
وأما العدد القليل من البيانات التي تتبع فهي مجرد امتداد لأسلوب الاتصال العادي، البهي وليس له قيمة إعلامية.
ونحن لا نزال بعيدين جدا عن ممارسات الديمقراطيات المتقدمة، هناك حيث التبارز اللفظي الشديد بين الصحفيين والسياسيين أصبح طقس لا غنى عنه من الاتصال الحكومي، وهناك حيث تأخذ الصحافة مهمة تقديم الأخبار، والتعليق على مجريات الأحداث السردية بأسلوب يوقظ الحواس والفضول.
وتبدو المعلومات في قرطاج مصنفة، موضوعة في صناديق وتمت معالجتها آليا في نظام إجرائي محترم من الإدارات العامة القديمة، ولا يترك مجالا كبيرا للغاية بالنسبة للأصالة والابتكار الهادف إلى إيقاظ الأرواح، وتوجيه النقاش والتخفيف من التوترات.
الباجي “الحكيم”، و “الكاريزمي” و “السياسي الجيد” لم يعد يؤثر بسبب عملية الاتصال التي تعود إلى زمن آخر.
الوقت الذي تأكدنا فيه ضرورة البقاء في السلطة من قبل مجموعات سياسية وتعبئة اتصالية متنازلة مع “التربية” السلطوية.
طالما استمرت هذه البيروقراطية الاتصالية بصفة قليلة أو غير مفتوحة على المعايير والطقوس الديمقراطية يحكمها الحوار والشفافية والاتساق، كل ذلك سيكون مُدبّرا في مجال الاتصال الرئاسي، والمقابلات والاجتماعات والزيارات لن تكون مجدية وغير مجدية.
ومن البلية سوف يولد الرفض. لأن كل شيء في الصورة، وإذا لم تكن الصورة ذات مصداقية هو أن عملية الاتصال التي ينفذها طاقم الرئيس غير كافية على الإطلاق.
نجاحات… متباينة
لا يزال هناك عدد قليل من “الضربات” الاتصالية خدمت إلى حد ما هذه المرحلة التاريخية من دون مستشاري الباجي قائد السبسي ككتاّب المتطوعين بالضرورة.
وكان أول “نجاح” اتصالي الانتحال الناجح لوضع الباجي قائد السبسي من الشيخ إلى الزعيم الإسلامي حيث وصم أتباعه الترشيح للرئاسة نظرا لتقدمه في السن.
فلنتذكر، هذا هو “بجبوج” (الاسم المستعار الحلو يعطينا الباجي قائد السبسي الذي لم يعد مناسبا في هذه الأزمة السياسية والاتصالية) قبل الانتخابات قد مسمر المنقار لخصومه الإسلاميين على” الأرض” الخاصة بهم من خلال إظهار الآيات القرآنية والأحاديث حول أكثر بكثير من تلك التي كان الزعماء الإسلاميين قد وضعوها بالفعل على عقد رموز لغتهم الدينية والمنح الدراسية الخاصة بهم.
وفي النهاية “الشعب” كان الأكثر تضررا من كلمات واقتباسات “المسلمين” من الباجي المسنّ بدلا من ماضيه السياسي المثير للجدل والكلام الأجش والقياسي للزعماء الإسلاميين.
آخر “ضربة اتصالية صغيرة وكبيرة” كانت على ما يبدو-الإعلان عن عودة تماثيل بورقيبة. فعل الذي … ” يفرضه مستقبل تونس” (وفقا للباجي قائد السبسي نفسه في اختصار مقتضب ومتردد في شرح تحليله). “ضربة” اجتماعية وسياسية أكثر نجاحا من تقديم نقاد هذا العمل الرمزي كما لو أنهم لم يروا شيئا. وقد احتفظت بعض الشخصيات التي يفترض أن تكون معادية، وحتى خضعت دون خوف إلى السخرية. في السياسة المحسوبة جيدا، “التورد في الشكل” هو لعبة عادلة!
الباجي، “البلدي” يلبس جيدا والمتكلم الجيد يكتسب القوة (الطبيعية، يقول البعض) لربط “الهوية التونسية” واسم بورقيبة في لعبة صورة ذات صلة بالدولة، وهيبتها وهالتها.
نقص اتصالي مشترك
ومع ذلك، يجب أن نعترف بأن خارج قرطاج، ورسالته المحددة، الاتصال بعد الثورة بشكل عام في هذا السياق الديمقراطي وفي لعبة مفتوحة بين الطبقة السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، يبدو أن يعاني من فشل واضح حتى لو كنا نستطيع تحديد بعض “الجزر ذات الصلة” والاحتراف. وكان الاعتصام -في باردو، والحوار الوطني الذي يضم الرباعي الراعي للحوار، الأوقات الرئيسية.
أمام وسائل الإعلام، تقتصر الأحزاب السياسية وقادتها في الواقع، على لعبة التواصل من الكلام الموجز، وتقتصر على الظهور على التلفزيون وبعض الجمل المختارة بشكل جيد (باللغة العربية الفصحى الثمينة) مع لهجة متشددة وفي موقف الناشط الساخط، الذي يعرف الكثير، وغالبا ما يلوح بتهديد الكشف “من أول فرصة” عن “فضيحة مكتومة”.
السخط المثير للقلق لديه بالتأكيد أسبابه الموضوعية ولكن أسلوبه لا يزال ضعيفا. إذ أن الإشارة إلى فضيحة في نهاية المطاف إلى نسيان الآخرين، ويسود الفراغ حتى الارتداء الجماعي وفقدان الاهتمام.
التشنج على الشبكات الاجتماعية لا يعمل إلا على تضخيم هذا الضجر بتسجيله في التفاهة والشك المزمن: الكل أو تقريبا على حد سواء معقول جدا ولكن مشكوك فيه بشكل أساسي.
الآن التبارز السياسي يضمحلّ بسرعة ويفقد مصداقيته. ورأي فقدان خيط الأفكار والعمل.
الأفكار والقيم ذابت. ولكن أيضا الرغبة في “متابعة الأحداث” هو الهدف النهائي للتواصل الاجتماعي والسياسي، وينبغي أن نتذكره!
اتصال سياسي متماسك لتونس سعيدة
مهمة رئيس الجمهورية الثانية هي في الواقع ذات حساسية خاصة لخطة الاتصال وفي لعبة الصور في المجتمع المدني: التحدي. كيف ننسى سمات الرئيس الدكتاتور القاهر والمهيمن على العنف، ولكن أيضا إعادة تأهيل صورة الدولة التي شوهها الرئيس المؤقت بكل قوته.
يجب أن يشعر الباجي قائد السبسي بالإحباط ليكون رئيسا أقرب إلى صورة المرزوقي (مُحسِّن) من بورقيبة (مُصْلِح) وأن يعرف أن عملية اتصاله هي السبب الوحيد.
وإذا كان كذلك، فلأنه يتحوصل في خلاصة بين الميراث التواصلي التجمعي الدستوري لبن علي، والهاجس المستمر لإنتاج بالتفاصيل صورة قريبة من بورقيبة.
وهي محصورة في المظهر والسطحية، وبالتالي إهمال جوهر ما جعل بورقيبة يتجاوز المخاطر السياسية: خطاب قوي، ومشروع للمجتمع، والرغبة في التغيير وحلم مشترك.
تونس الباجي قائد السبسي تحتاج بصفة مطلقة إلى الاتصالات الإستراتيجية الذكية والمرنة والقابلة للتكيف، أمام هذه المرحلة من التحول الديمقراطي. ولأنه ينبغي على الباجي أن يفهم أننا نعيش في مرحلة من التغيير وتسارع التاريخ حيث ينبغي أن نتمنى له أن يعيش مرات أكثر سعادة لتونس.
نظرا لعدم وجود خطاب رئاسي مثير، فإننا نكتفي بهذا القوس السياسي الذي لن يحمل الوعود التي أدلى بها في أول ظهور له.
ومع ذلك، فإن التاريخ لن يلاحظ أن الباجي قائد السبسي لم يكن رئيسا من دون اتصال بل رئيس دون مكان في التاريخ.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد