أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
هافنغتون بوست: “مشروع المصالحة” في تونس “نصّ” يهدد مكاسب الثورة

الشاهد_في اقرير مطوّل إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية تؤكّد صحيفة الهافنغتون بوست أن تونس لا تزال حتى الآن تلهم المنطقة وبقية العالم من خلال اتخاذ المسار الديمقراطي بعد ثورتها في عام 2011. ولكن الخلل الحالي في النظام السياسي، والفقر الشديد في المناطق الريفية المهمشة الداخلية للبلاد و وحشية التطرف مثلت خطرا يهدد بتدمير العملية الانتقالية. و مع مقترح “مشروع المصالحة”، فإن وعود الثورة معرضة لخطر سحقها و مكاسب الثورة على المحك.

و في هذا الوضع المثير للقلق، ما نحتاجه هو المزيد من الدعم لسيادة القانون، وليس أقل من ذلك. و كان ما يستحقه التونسيون و ما سعت إليه الثورة هو نهاية الدكتاتورية والسعي لتحقيق المساءلة عن الفساد الواسع النطاق وانتهاكات حقوق الإنسان، و لا للتدابير الاستبدادية والإفلات من العقاب المترسخة.

و من المؤسف أن الحكومة التونسية، تقوم بالاستجابة للأزمة الأمنية الراهنة مع التدابير التي يمكن أن تجعل الوضع أسوأ. و كان الدكتاتور الراحل مؤخرا، زين العابدين بن علي قد أشار إلى التطرف لتبرير السياسات التي أدت إلى التعذيب والاحتجاز لفترات طويلة، والعنف الجنسي، والنفي القسري، فضلا عن القيود الشديدة المفروضة على الحق في التعليم، والعبادة الدينية وكسب الرزق. و يمكن لهذا المناخ من القمع أن يعود بشكل جيد مع الأحكام التعسفية الجديدة.

و بدلا من البناء على العدالة الحقيقة والتعويضات والمساءلة المنصوص عليها في قانون العدالة الانتقالية عام 2013، والتي تضمنت إنشاء لجنة الحقيقة و الكرامة والدوائر المتخصصة، اقترحت رئاسة الجمهورية خطة خاصة موجهة توجيها خاطئا: منح العفو لرجال الأعمال الفاسدين و المسؤولين في عهد بن علي تحت ستار “المصالحة”.

وقد أرسل “مشروع قانون المصالحة” إلى مجلس نواب الشعب. إنه يعطي مسؤولي نظام بن علي السابق الفاسدين، بما في ذلك أولئك الذين تورطوا في القمع السياسي، ورجال الأعمال الذين تآمروا معهم، فرصة ليقدموا للدولة جزءا من مكاسبهم غير المشروعة المحددة ذاتيا. و لكنها لا تخلق آلية قوية للتحقق من مدى فسادهم أو المكاسب غير المشروعة. وليس لها حكم إجبارهم على الشهادة ضد أولئك الذين ارتكبوا أعمال فساد أخطر – مثل بن علي وبعض أقاربه. كما أنها لا تتضمن أحكاما واضحة للحماية من الإحتيال والتواطؤ التي قد تبطل استرداد الموجودات النزيهة والجوهرية. وليس هناك آلية للشفافية في هذه العملية، ولا أي مساحة للمشاركة العامة والنقاش في حال يتقدم المسؤولون الفاسدون ورجال الأعمال إلى الأمام.

في المقابل، سوف يعطى لهؤلاء المسؤولين شكلا من أشكال العفو – على الرغم من أن مشروع القانون لم يستخدم هذا المصطلح – والسماح بالوصول إلى أصولهم غير المشروعة، بما في ذلك تلك التي تم تجميدها وتخضع لإجراءات استرداد الأموال في سويسرا، و المملكة المتحدة وأماكن أخرى.

وأكدت الحكومة أن مثل هذا القانون ضروري على حد سواء كحل سخي وعملي للمشكلة المفترضة من عدة تحقيقات جنائية التي تجري ضد الفساد وتشجيع الاستثمارات للمساعدة في إنقاذ الاقتصاد التونسي. ومع ذلك، فإن عملية “المصالحة” التي تعتمد بالكامل تقريبا على حسن النية والصدق من المختلسين والمسؤولين الفاسدين هي ساذجة على أقل تقدير.

عند النظر في مشروع القانون، يجب على البرلمانيين التونسيين أن يسألوا أنفسهم أولا: لماذا قامت تونس بثورة منذ أقل من خمس سنوات؟ فمن جذورها في ثورة العمال عام 2008 في الحوض المنجمي بقفصة إلى التضحية بالنفس اليائسة من محمد البوعزيزي بعد ذلك بعامين، كانت الثورة تعبيرا عن مقاومة الفساد. وظل الحلم في بلد غير ملوث بالفساد رؤية قوية منذ ذلك الحين. فمن الصعب أن نتصور خطوة أكثر محبطة من معنويات التونسيين من أن يقال لهم فجأة أنهم بحاجة إلى صنع السلام مع حكومة لصوص.

ثانيا، يحتاج البرلمانيون إلى توضيح أهداف مكافحة الفساد: هل هي لتوفير الحصانة للفاسدين؟ أم أنها لاستعادة الأصول التي تنتمي إلى الشعب التونسي وخلق ثقافة الشفافية والمساءلة؟

و جدير بالذكر أن تونس كانت قد وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2004. وتحت بن علي، فإنه كان من المستحيل تطبيق مبادئ الاتفاقية المتعلقة باسترداد الموجودات. أما الآن و مع أن بن علي في المنفى في العار، يجب على الحكومة عدم تجاهل المعايير الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب. بدلا من ذلك، فإنه يجب أن تستخدم أدوات المعاهدة لاسترداد الأصول المسروقة.

ومع ذلك، فإن مشروع القانون يتجاهل تماما عمل المحققين التونسيين والمساعدة المقدمة من الحكومات الأخرى من خلال إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة في الخارج التي أدت إلى تجميد ما لا يقل عن 68 مليون دولار من الأصول في كندا وسويسرا وعودة 28 مليون دولار من الأصول في لبنان. أكثر من ذلك، و ليس أقل، ما ينبغي القيام به، بالتعاون مع الدول الأخرى لتحديد وإعادة الأصول.

ويشير مشروع القانون إلى أنه سوف يستغرق الكثير من الوقت لمزيد من الأصول ليتم إرجاعها. و هذا ليس صحيحا. و قد سبق لتونس أن جمدت و استردت الموجودات في غضون عامين من نهاية الدكتاتورية. قارن هذا مع الجهود الرامية إلى تجميد واسترداد الأصول عن غيرها من الدكتاتوريين السابقين في سويسرا وحدها. و استغرق الأمر حوالي 30 عاما من أجل هايتي للبدء في إجراءات لاسترداد ما لا يقل عن 6 ملايين دولار في أصول دوفالييه، و 17 عاما لنيجيريا لتجميد واستعادة حوالي 380 مليون دولار من أصول أباتشا غير المشروعة، و 10 سنوات للفلبين من أجل استعادة حوالي 680 مليون دولار في أصول ماركوس.

في حالات الفلبين و البيرو عزز استرداد الموجودات، وليس العفو، العدالة والمساءلة. استعادت البيرو 174 مليون دولار في أقل من خمس سنوات من الحسابات المصرفية السويسرية فوجيموري، وساعد جزء من هذه الأصول المستردة على تمويل لجنة الحقيقة في البيرو و برامج جبر الضرر الجماعي. و في عام 2013، أصدرت الفلبين قانون منح التعويضات وغيرها من أشكال جبر الضرر لضحايا ديكتاتورية ماركوس، بتمويل من 200 مليون دولار من أصل 680 مليون دولار استعيدت من عائلة ماركوس حتى الآن.

ثالثا، يجب أن يسأل المشرعون دوائرهم عما يفكرون به. هل صحيح أنه في حال أن يكونوا متسامحين مع عدد قليل من المنتهكين الأغنياء سوف يؤدي إلى مزيد من الوحدة الوطنية؟ أو أنه سيتم خلق نوع من الاستياء الذي يمكن أن يثير الأعمال المتطرفة وربما العنيفة؟ ماذا سيحدث لو المتطرفين العنيفين، داخل وخارج تونس، يشيرون إلى الإفلات من العقاب الرفيع المستوى كأداة للدعاية لأفعالهم المروعة؟

و يمكن لهذا المشروع أن ينشئ منحدرا زلقا من الإفلات من العقاب. و بعد التغاضي عن ورطة المسؤولين الفاسدين ورجال الأعمال، من سيكون بعد ذلك؟ هل سيكون من أولئك الذين عذبوا السجناء السياسيين أو الذين ألحقوا الأذى بأفراد أسرهم؟ هل سيكون من أولئك الذين أمروا بتشتيت العنف وقتل المتظاهرين من عام 2008 إلى 2011؟ ثم، ما هو الهدف من إنشاء عملية على المستوى الوطني لمتابعة الحقيقة والكرامة إذا تم تجاهل الحقيقة حول الفساد و تعرض كرامة جميع التونسيين للأذى من قبل الفساد؟

و لكي نكون منصفين، لم تكن هذه أول حكومة التي تغازل فكرة “المصالحة”. خلال المفاوضات بشأن قانون العدالة الانتقالية، فإن المشرعين من الواضح أنهم كانوا استسلموا لفكرة أنه فقط لرجال الأعمال المعرفة اللازمة للمضي قدما بالاقتصاد. هذا هو السبب من أن يتم إدراج آلية التحكيم في القانون، إضافة إلى العديد من وظائف لجنة الحقيقة و الكرامة. وكانت هناك مخاوف حول الكيفية التي سوف تعمل بها عملية التحكيم هذه. إنها تسمح بوضوح لمحاكمة أولئك الذين يرفضون إما التحكيم أو ارتكاب عمليات احتيال. ولكن الآن، يجري خرق التحكيم الذي يتم حتى لصالح صك جديد الذي هو أكثر ملاءمة للمسؤولين الفاسدين رفيعي المستوى ورجال الأعمال.

و في البلدان التي حاولت مقايضة العفو للحقيقة، كانت التجربة فاشلة إلى حد كبير ومصدرا للإحباط العام. وفي بنغلاديش، عرضت لجنة تقصي الحقائق حول الفساد عفوا مماثلا في مقابل مخطط استرداد الأصول. فقد عانت من عدم التحقق (ك”مشروع قانون المصالحة” الذي من الأرجح أن يكون في تونس) وتصميم معيب بطبيعته.و ليس فقط اللجنة لم تتلقى الأصول المسلمة الكبيرة، بل سرعان ما أعلنت عدم دستوريتها على أسس المساواة في الحماية. كما أعلن عن آلية مماثلة في باكستان غير دستورية من قبل المحكمة العليا، والتي أشارت إلى أن منح الحصانة للزوجين بوتو في مقابل استعدادهم لتسليم الأصول في سويسرا (التي كانت مجمدة أصلا من قبل باكستان) هي تعيين سابقة خاطئة للمسؤولين الفاسدين المحتملين.

و لقد شهدت منظمتي “المركز الدولي للعدالة الانتقالية”، في العديد من البلدان كيف أن النضال من أجل تحقيق المساءلة عن الفساد الذي ارتكب على نطاق واسع في ظل الديكتاتوريات والأنظمة القمعية لا ينفصل عن النضال من أجل تحقيق العدالة للانتهاكات الواسعة النطاق والمنهجية لحقوق الإنسان من قبل تلك الأنظمة. و في معظم الحالات، فإن الأنظمة الفاسدة وحشية لأنها تحتاج إلى القوة والتهديدات من أجل سرقة وإخفاء ما نهب من الأموال العامة، فضلا عن الأراضي العامة والخاصة وغيرها من الأصول.

إن الفساد المستشري والانتهاكات العنيفة لحقوق الإنسان يعزز كل منهما الآخر، و إلا إذا كان هذا الربط مكشوفا و مكسورا، فإنه يمكن أن يؤدي إلى إفلات كل منهما من العقاب. هذا هو الدرس الذي يجب أن تتعلمه تونس من إرث دكتاتورية ماركوس الوحشية والفاسدة في الفلبين، والذي قتل وعذب وأخفى قسرا حوالي 10.000 ضحية، ومن دوفالييه في هايتي، و فوجيموريس في بيرو. وكان جميعهم مسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و كل منهم ارتكب الفساد على نطاق واسع.

و يمكن القول أن إعادة بناء المجتمعات بعد حكم الأنظمة السارقة يتطلب التزاما أساسيا لسيادة القانون، سواء ضد الفساد أوانتهاكات حقوق الإنسان. كما تقم الحكومة التونسية بمناقشة هذا القانون المثير للجدل، يتساءل العالم، مع القلق، سواء بروح من الشفافية ومطلب شعبي للمساءلة الذي انطلق خلال الثورة سوف يبقى على قيد الحياة، أو ما إذا كان سيتم دحره من قبل سلطة المال الحرام و يؤدي بالتالي إلى دوامة من القمع و الفساد والعنف المتطرف الذي لا يزال مستمرا بلا هوادة.

 

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.