وطني و عربي و سياسي

الخميس,15 أكتوبر, 2015
هافنغتون بوست: قيمة “التوافق” و “الحوار الوطني” في تونس

الشاهد_إعتبرت صحيفة الهافنغتون بوست في تقرير مطول إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية أنه بتاريخ الجمعة 9 أكتوبر، 2015، اكتشف العالم وجود مبادرة التي قد تبدو غامضة: “الحوار الوطني التونسي”. وهذا “الحوار الوطني” الذي يوجد في هذا البلد الصغير في العالم العربي التي هي تونس، والتي تشتهر بمهد ثورة “الربيع العربي”، حصل على جائزة نوبل للسلام، متمكنا بذلك من افتكاك مناصب شخصيات مثل جون كيري وأنجيلا ميركل أو حتى البابا فرانسيس.
ولكن هناك مسألة التي يطرحها بالتأكيد جزء من الناس: ما هو “الرباعي الراعي للحوار الوطني التونسي”؟ وكيف قامت هذه المبادرة بأخذ مبدأ ‘الإجماع في الآراء’ الأسبقية على علاقات القوى السياسية التقليدية؟
ولفهم هذه المسألة، يجب علينا أن نعود إلى الوراء، إلى أكثر من عامين، حيث يستيقظ الشعب التونسي يوم 25 جويلية 2013، على خبر رهييب المتمثل في ثاني عملية اغتيال سياسي التي طالت النائب محمد البراهمي، بعد ما يقرب من ستة أشهر من اغتيال مماثل للزعيم اليساري شكري بلعيد.
و في هذا السياق، طالب الآلاف من الناس الذين نزلوا إلى الشوارع، وبدعم من أحزاب المعارضة، باستقالة حكومة العريض وحل المجلس الوطني التأسيسي، الذي علقت أشغاله بسبب المشاحنات المستمرة وخاصة فيما يتعلق بصياغة الدستور.
و على هذا النحو، يتجلى مفهوم “الحوار الوطني”. ويقود هذه المبادرة المنظمة النقابية الكبرى في تونس، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، فضلا عن ثلاث منظمات الأخرى التي هي الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين بتونس. و بذلك، تشكل هذه المنظمات الأربع “رباعي الحوار الوطني”.

ما هو الحوار الوطني؟:

وكانت المبادرة المعروفة باسم “الحوار الوطني” قد ظهرت في عام 2012، عندما كانت الترويكا في السلطة بقيادة حزب النهضة الإسلامي، تتعرض للعديد من الانتقادات.
و في هذا الإطار، تسببت الخلافات والانشقاقات وتصاعد أعمال العنف من جديد في تباطؤ عملية التحول الديمقراطي وقد انبثقت فكرة هذا ‘الحوار’ من الرغبة في التعجيل بإصدار الدستور وتنظيم انتخابات جديدة في أقرب وقت ممكن.
و عليه، فإن ‘الحوار الوطني’ كان يهدف إلى جمع ممثلي الأحزاب السياسية الرئيسية للتفاوض بشأن الاتفاقات والتغلب على العقبات.

من يقف وراء تشكيل ‘الحوار الوطني’؟:

و يقف الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية الكبرى في تونس وراء هذه المبادرة. وسواء في الكفاح من أجل الاستقلال أو خلال أنظمة بورقيبة و بن علي، اضطلع الاتحاد على الدوام بدور سياسي كبير، كما أدى دوره كجهة فاعلة رئيسية على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس.
و قد انضمت كل من منظمة الأعراف، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين بتونس إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل في وقت لاحق، و بذلك تشكل ‘الرباعي الراعي للحوار الوطني’.

‘الحوار الوطني’ أو انتصار ‘توافق الآراء’ بشأن الشرعية الانتخابية:

وتتمثل خصوصية “الحوار الوطني” في أنه لا يملك أي وجود قانوني، و قد تم فرضه على مختلف الجهات المعنية من خلال السياق السياسي الصعب الذي واجهته تونس. كما لعب الخوف من أن يتم تصدير السيناريو المصري دورا هاما. و بالتالي سادت هذه الروح من “التوافق” على المعارضة السياسية والأيديولوجية التقليدية. و فيما يلي نستعرض نتائج هذه المبادرة:
إصدار دستور بأغلبية ساحقة في المجلس الوطني التأسيسي
تقديم الدعم لحكومة دون انتماء سياسي أو شرعية انتخابية
معارضة ضعيفة والتخفيف من حدة الأصوات المعارضة
تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية أواخر عام 2014
و إلى حد هذا اليوم، وبعد الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أجريت نهاية عام 2014، لا تزال هذه الروح من التوافق دون معارضة قوية سائدة، و تتجلى بصفة خاصة من خلال تحالف حزب نداء تونس المناهض للإسلاميين، والفائز في الانتخابات، وحزب النهضة الإسلامي الحائز على المرتبة الثانية.

السياق:

لقد اتسم عام 2013 بالعنف الشديد لا سيما مع تصاعد الهجمات المنسوبة إلى جماعات جهادية ضد القوات المسلحة واغتيال اثنين من السياسيين المعارضين، شكري بلعيد (6 فيفري 2013) ومحمد البراهمي (25 جويلية 2013).
● اتُّهِمت الترويكا الحاكمة، بقيادة حركة النهضة الإسلامية، بالسعي إلى قمع الاحتجاجات وتهديد حرية التعبير و الصحافة ، كما نسبت لها مسؤولية الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية.
● واجه المجلس الوطني التأسيسي المنتخب في أكتوبر 2011، لما يقرب من عامين، عراقيل كثيرة بسبب صياغة الدستور.
● في مصر، محمد مرسي، الذي لاقى حكمه أيضا انتقادات لاذعة، أطاح به الجيش وتعرض الإخوان المسلمون لقمع دموي. ومنذ ذلك الحين، فإن أي شكل من أشكال الاحتجاج ضد النظام الجديد للمشير عبد الفتاح السيسي، يقع قمعه بعنف.

الوضع بعد اغتيال محمد البراهمي:

● نواب المعارضة يقومون بتعليق أنشطتهم ويدعون إلى حل المجلس الوطني التأسيسي واستقالة الحكومة
● آلاف الأشخاص يتظاهرون يوميا في باردو، أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي.
● أنصار الترويكا الحاكمة ينظمون مظاهرات مضادة.
● حزب النهضة وحلفائها يرفضون مغادرة السلطة ويستحضرون محاولة انقلاب على طريقة السيناريو المصري.
● الحوار المستحيل وبدء ماراتون المحادثات.
● المعارضة ترفض الدخول في أي حوار مع حزب النهضة قبل استقالة رئيس الحكومة علي العريض وحل المجلس الوطني التأسيسي.
● حزب النهضة يرفض حل المجلس التأسيسي ولا ينوي مغادرة السلطة قبل إعادة إنشاء حوار.
● في 6 أوت 2013، مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي يقرر (لوحده) تعليق أشغال المؤسسة العليا للبلاد لإجبار الأطراف في السلطة والمعارضة على إجراء حوار.
●في مواجهة هذا المأزق، حسين العباسي، الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية في تونس، يبدأ ماراتون من المحادثات مع ممثلي الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وسفراء الدول الأجنبية.

وقت تقديم التنازلات:

● في الشارع، أخذت التعبئة في التباطؤ و التوتر يغادر الشارع ليترك المكان لإجراء مفاوضات مغلقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي.
● كانت المعارضة قد اشترطت الحوار مع حركة النهضة بعد حل المجلس واستقالة الحكومة. ومع ذلك، في 14 أوت 2013، قام الباجي قائد السبسي (الرئيس الحالي للجمهورية والذي يعتبر زعيم المعارضة للإسلاميين) وراشد الغنوشي بتنظيم اجتماع سري في فندق في باريس.
● في سبتمبر، الاتحاد العام التونسي للشغل يقترح خارطة طريق التي تنص على تسريع إصدار الدستور من قبل المجلس الوطني التأسيسي واستقالة الحكومة.
● المعارضة تقبل أخيرا بخارطة الطريق وتتنازل عن حل المجلس الوطني التأسيسي.
● في 25 أكتوبر، رئيس الحكومة علي العريض يتعهد بتقديم استقالته وفقا لبنود خارطة الطريق.

انتصار “الحوار الوطني” بعد أسابيع طويلة من الإضطراب:

في 25 أكتوبر، كانت المعركة قد بدأت لتوها. فالخلافات العنيدة بشأن الدستور وإنشاء هيئة الانتخابات أو حتى اسم رئيس الحكومة المقبلة لم تتوانى عن إثارة العديد من التقلبات.
وفي مناسبات عديدة، أثار الرباعي الراعي للحوار الوطني احتمال الفشل. وأخيرا، في ديسمبر 2013 وجانفي 2014، أخذت الأمور في الإسراع:
● نواب المعارضة يعودون إلى المجلس الوطني التأسيسي.
● مهدي جمعة يُعيّنُ من قبل الرباعي الراعي للحوار الوطني كرئيس للحكومة المقبلة، في 14 ديسمبر 2014.
● انتخاب أعضاء الهيئة الانتخابية في مطلع شهر جانفي.
● علي العريض يقدم استقالته رسميا يوم 9 جانفي.
● إصدار الدستور يوم 26 جانفي 2014.
● حكومة جمعة تحصل على ثقة المجلس التأسيسي في 28 جانفي. و تتمثل أولويته في قيادة البلاد نحو انتخابات تشريعية ورئاسية المزمع عقدها أواخر عام 2014.
و يفترض أن يكون هذا الانتصار المكرس بجائزة نوبل للسلام يوم الجمعة مكافأة لبلاد التي تعتبر مهد “الربيع العربي”، و يعتبر “بصيص الأمل” الوحيد في المنطقة التي تعاني من العنف والصراع المسلح، وعدم الاستقرار السياسي أو حتى قمع جميع أشكال الاحتجاج ضد السلطة القائمة.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد