أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,14 أكتوبر, 2015
نيويوركر: الخوف من اندلاع انتفاضة ثالثة يسيطر على “إسرائيل”

الشاهد_في ليلة 1 أكتوبر، نعمة وأيتام هانكين، الزوج والزوجة الإسرائيليين، كانوا في طريقهم إلى المنزل بعد حضورهم لتظاهرة خريجي مدرسة دينية يهودية في الضفة الغربية. ويجلس في الجزء الخلفي من السيارة أطفالهم الصغار الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين تسعة و ستة أشهر. و قد كانت هناك سيارة تتعقب هانكين لبضع دقائق، وعند اقترابها من سيارتهم فتح اثنين من الركاب النار مما أسفر عن مقتل نعمة وأيتام على الفور فيما لم يصب أطفالهم بأي أذى، ولكن وفقا للتقارير الإسرائيلية، عن طريق الصدفة فقط: واحد من المهاجمين -الذين تم تحديدهم في وقت لاحق على أنهم أعضاء في حماس- أطلق النار بطريق الخطأ على الآخر في الذراع، و، في حالة من الذعر، لاذوا بالفرار.
وقد كان للأيام التي تلت هذا الحادث تكرار لعمليات مماثلة ففي 3 أكتوبر، قام رجل فلسطيني بحوزته سكين بطعن رجلين إسرائيليين في “البلدة القديمة” بالقدس. وبعد يوم، تم طعن شاب إسرائيلي كذلك في شوارع القدس. وفي الأسبوع الماضي، تعرض إسرائيليون للطعن في القدس وتل أبيب والضفة الغربية، وخارج مركز تجاري في مدينة بتاح تكفيا. ويوم الأحد، صدم رجل من عرب إسرائيل سيارة داخلها جنديين خارج كيبوتز (مزرعة يهودية جماعية) بالقرب من حيفا، و ترجل من السيارة، وطعن ثلاثة من المارة. و في حادث منفصل، تم يوم الاثنين، طعن أربعة إسرائيليين آخرين في القدس. و كان جميع المطعونين تقريبا قد قتلوا أو جرحوا على يد قوات الأمن الإسرائيلية، الذين يعتبر وجودهم وجودا كبيرا دائما في الشارع الإسرائيلي، وخاصة في القدس والضفة الغربية.
وعلى الرغم من أن هذه الموجة جديدة، إلا أنها لم تكن غير متوقعة ففي شهر مارس، قال ما يقرب من نصف الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع أن احتمالات اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة كانت إما “عالية قليلا” أو “عالية جدا”، وفقا للإحصاءات الصادرة عن معهد إسرائيل للديمقراطية. وفي الشهر نفسه، منح إسرائيليون بنيامين نتنياهو –الذي لم يفعل شيئا، على أقل تقدير، لغرس الأمل في التوصل إلى حل سياسي- مهلة إضافية أخرى كرئيس للوزراء. و يبدو أن هناك نوع من القدرية، أو فقدان الحس الشاسع، قد يجتاح البلاد. والآن هناك مخاوف متزايدة من أن عمليات الطعن المبعثرة اليوم قد تصبح التفجيرات الانتحارية ليوم الغد. ويوم الأحد، يبدو أن تلك المخاوف تتحقق عندما قامت سيدة فلسطينية بتنفيذ انفجار في سيارة بالقرب من القدس، الذي دعته الشرطة الإسرائيلية بعملية التفجير الفاشلة، و الذي أدى إلى إصابة ضابط شرطة علاوة على إصابة نفسها بجروح.
و يعود السبب المعلن للموجة الأخيرة من الهجمات إلى اعتقاد الفلسطينيين أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تغيير الوضع القائم في الحرم الشريف في القدس، وهو مكان مقدس يعرف لدى اليهود باسم جبل المعبد ولدى المسلمين باسم الحرم الشريف، أو الحرم القدسي الشريف. ووفقا للترتيبات الأمنية التي يعود تاريخها إلى عام 1967، فإن المكان يفتح للزوار اليهود في أوقات محددة، في حين يتم إغلاقه لأداء صلاة غير المسلمين.
و يذكر أن نتنياهو قد نفى مرارا و تكرارا أي محاولة لإحداث تغيير على جبل المعبد، ويبدو أنه يعني ذلك: إنه يدرك تماما أن تغيير ترتيبات هشة للصلاة في المسجد الأقصى يمكن أن يؤدي ليس فقط إلى اندلاع حرب فلسطينية ولكن إلى نشوب حرب شاملة مع العالم الإسلامي. غير أن تأكيداته لا تزال تُكذّب المرة تلو الأخرى من قبل أعضاء حزبه من الائتلاف اليميني المتطرف، الذي يعتلي جبل الهيكل، و يتحدى الحظر المفروض على الصلاة، ويتحدث عن تنصيب السيادة اليهودية، وبناء الهيكل الثالث هناك. وفي الشهر الماضي فقط، أدى أوري أرييل، وزير الإسكان الذي ينتمي إلى حزب البيت اليهودي القومي، زيارة إلى المكان المقدس وقام بتسجيل شريط فيديو لصلاته هناك، الأمر الذي جعل حركة حماس وفرعها في إسرائيل، الفرع الشمالي للحركة الإسلامية، تستاء من الحالة و تصفها بالشائعات الكاذبة والتصريحات الشنيعة. وفي الأسبوع الماضي، دعا زعيم الحركة الإسلامية، الشيخ رائد صلاح، إلى “مجموعة من الخطط” لتكون بمثابة إطلاق “العنان” على إسرائيل. وقال رائد في إحدى الخطب “يمكن تطهير شوارع القدس بدماء الأبرياء، التي يذرفونها من أجل فصل جنود الاحتلال الإسرائيلي عن أراضيهم، وكذلك في المسجد الأقصى المبارك”.
وردا على التهديدات المتصورة لمكان مقدس، اندلعت الاحتجاجات الفلسطينية الأسبوع الماضي في الضفة الغربية والمدن العربية. وقبل نهاية الأسبوع، وصلت هذه المظاهرات إلى غزة، حيث قالت القوات الإسرائيلية أن حشدا كبيرا اندفع بعنف نحو السياج الحدودي مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى إطلاق النار، و هو ما أسفر عن مصرع ما لا يقل عن عشرين فلسطينيا منذ اندلاع أعمال العنف، بينهم امرأة حامل وطفل، الذين أصيبوا في غارة جوية إسرائيلية. وكتب ناحوم برنيع، واحد من أبرز كتاب الأعمدة في إسرائيل، الأسبوع الماضي، في صحيفة يديعوت أحرونوت “الانتفاضة الثالثة لا تتقدم ليس بسبب انعدام الأمل السياسي ولكن بسبب عدم وجود أي نوع من الأمل”. وفي خطوة غير مسبوقة، دعا رئيس بلدية القدس نير بركات سكان المدينة الذين يملكون تراخيص سلاح لحمل السلاح الناري في جميع الأوقات.
كما تبرز تأكيدات نتنياهو للفلسطينيين بشأن الحلقة الجوفاء بجبل الهيكل. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، قال محمود عباس أن إسرائيل كانت تسمح “للمتطرفين” بالدخول في المكان المقدس. ويرى الفلسطينيون حكومة إسرائيلية التي تم اختطافها من قبل جناح المستوطنين الراديكالي، وهم يعرفون أنه مثلما وافق نتنياهو بأثر رجعي على البناء غير القانوني للبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، فإنه قد يضطر إلى التوقيع على إدخال تغييرات على الترتيبات في هذا المكان المقدس. وقال أيمن عودة، زعيم حزب القائمة العربية المشتركة في إسرائيل، خلال عطلة نهاية الأسبوع أن ” نتنياهو لا يزال ينجر وراء قيادة المستوطنين في التحالف، ويسحب كل واحد منا إلى الهاوية”. ووسط موجة من العنف، تحرك الإسرائيليون إلى الاتجاه اليميني أكثر من الذي لدى نتنياهو: في استطلاع للرأي أجرته الاثنين القناة الثانية الإسرائيلية، جاء نتنياهو في المركز الثالث كالزعيم الأكثر ملائمة للتعامل مع موجة الهجمات، مع خمسة عشر في المائة فقط من الأصوات. فيما كانت المراكز الأولى من نصيب السياسي اليميني المتطرف، ووزير الخارجية السابق، أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، رئيس حزب البيت اليهودي، وكسبوا اثنين وعشرين في المائة وسبعة عشر في المائة من الأصوات على التوالي.
وقال داني روبنشتاين، المراسل الإسرائيلي منذ فترة طويلة في الشؤون الفلسطينية، أنه إذا كانت الأحداث الأخيرة تؤدي إلى اندلاع انتفاضة ثالثة، فإنه ينبغي أن تكون معروفة باسم “انتفاضة المستوطنين” -وكان الرد الفلسطيني عنيفا على استفزازات المستوطنين. “للمرة الأولى، لا يوجد أي عنصر زجري في الحكومة الإسرائيلية” كما قال روبنشتاين. “إن العناصر المتطرفة يشعرون بأنهم في موقف قوة ولديهم جدول أعمال منظم. إنهم يريدون تحقيق ضم المنطقة جيم”- وهي إشارة إلى الستين في المائة من الضفة الغربية التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. إن ضم هذه الأراضي يعني أن المدن الفلسطينية مثل نابلس وجنين ورام الله، سوف تصبح محافظات معزولة غير قادرة على العمل بشكل مستقل، وهو ما من شأنه أن يؤدي، كما قال روبنشتاين، إلى “الدمار الاقتصادي الكامل”.
وعلى الرغم من تزايد المخاوف من أن الهجمات الأخيرة سوف تمتد إلى انتفاضة منظمة، وعلى الرغم من خطاب عباس في الأمم المتحدة، فقد أصدر عباس نفسه بيانا لوزارة الخارجية الأمريكية أوضح فيه أنه يواصل بذل الجهود للتخفيف من تصعيد وتيرة العنف، ويعتقد خبراء الأمن الإسرائيلي أن عباس، في الواقع، يعمل على منع انتفاضة أخرى. و يقدر روبنشتاين أن ما يقارب المائتي ألف فلسطيني يعتمدون على إسرائيل ماليا، سواء لأنهم يعملون في أكثر من ألف مصنع إسرائيلي في الضفة الغربية أو لأنهم من العاملين في القطاع العام، والذين يتقاضون أجورهم من إسرائيل. وأضاف روبنشتاين أن “السلطة الفلسطينية تعتمد اعتمادا كليا على إسرائيل”، و هو ما له دلالة على أن حركة حماس، التي دعت إلى “تعزيز وزيادة الانتفاضة”، قد امتنعت حتى الآن إلى حد كبير عن إطلاق الصواريخ في اتجاه المدن الإسرائيلية (على الرغم من المقدار القليل من الصواريخ الذي تم إطلاقه خلال عطلة نهاية الأسبوع).
يوم الأحد، تحدث غادي زوهر، وهو عميد الجنرال المتقاعد، حول التصعيد الحالي. زوهر، الذي كان رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية من عام 1991 إلى عام 1994، يحكم فعليا الضفة الغربية المحتلة خلال تلك السنوات و قد حدد أربع نقاط رئيسية لمصادر العنف: مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، والمدن العربية الإسرائيلية. وقال زوهر “إنهم جميعا متباينين، ولكن ما يوحدهم هو جبل الهيكل والشائعات” التي أصبحت تشكل خطرا.
إن “قضية جبل الهيكل هي قاسم مشترك مناسب لأنه يوحد حركة فتح مع حركة حماس ومع العرب الإسرائيليين ومع الحركة الإسلامية، وحتى مع الجماعات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة، من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم ‘داعش’، كما أضاف زوهر، وذلك باستخدام المختصر العربي بالنسبة لمصطلح “الدولة الإسلامية”.
بالإضافة إلى ذلك، قال زوهر، الذي يرأس حاليا المجلس الإسرائيلي للسلام والأمن غير الحزبي، أنه على الرغم من الشعور بالكآبة السائدة في إسرائيل، كان من الممكن منع هذه الموجة من الغضب الفلسطيني، وكان نتنياهو يواجه قوتين رئيسيتين: الفرع الشمالي للحركة الإسلامية وجناح المستوطنين في حكومته. “أضف إلى ذلك حقيقة أنه لا يوجد أي رؤية لحل سياسي علاوة على الإهمال الشامل للسكان العرب في القدس، يصبح الوضع قابلا للاشتعال”، كما قال زوهر.
ويوم الأربعاء الماضي، في مواجهته لضغوط متزايدة لتهدئة التحريض على جبل الهيكل، منع نتنياهو كل النواب من الوصول إلى المكان المقدس، فيما نما الجناح اليميني المتطرف في حكومته غاضبا. وقال أرييل، وزير الداخلية اليهودية ردا على الحظر “ليس من الطبيعي ولا يوجد أي مبرر لئلا يمكن لأي يهودي أن يصعد إلى جبل الهيكل”. ويعتمد نتنياهو على البيت اليهودي من أجل الحفاظ على ائتلافه الهش، وربما يكون جادا في رغبته في الإبقاء على الوضع الراهن، ولكن، كما أثبت الأسبوعين الماضيين، فإن الوضع الراهن يرتفع بنسبة أوثق وأقرب إلى المعسكر المتطرف.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد