أهم المقالات في الشاهد

الجمعة,11 ديسمبر, 2015
نوبل للسلام تونسيّة: طريق سنتان من التجاذبات لتعميد الديمقراطية الناشئة

لا شكّ أن العالم ينظر إلى التجربة التونسيّة بإعجاب و تأمّل كبيرين فهي ليست فقط الوحيدة التي تمكنت من الوصول إلى برّ الأمان من بين دول الربيع العربي فحسب بل أنها قدّمت نموذجا جديدا في الديمقراطية و إدارة الإختلاف بما يسمح بتأسيس نسق جديد على مستوايات عدّة تتراوح بين الفكر و الممارسة و لعلّ هذا المنجز في حدّ ذاته كفيل بأن يكون أبرز مكسب حقّق الشعب التونسي برمّته بعد الثورة في إنتظار تثمين الممكن بالموجود لتحقيق المنشود.

قبل شهرين من الآن أعلنت اللجنة المنظمة لجائزة نوبل السنوية عن إختيار الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس بجائزتها للسلام و إنطلقت بعد الإعلان مباشرة الإعدادات لمراسم الإحتفال في الداخل و تسلم الجائزة في أوسلو العاصمة النرويجية بعد أن سبقت رئاسة الجمهورية التونسية الجميع إلى حفل على الذمّة تم تنظيمه في قصر قرطاج و تنويه دولي و وطني بجائزة تتجاوز رمزيتها حدود الرباعي المدني إلى رمزيّة النموذج التونسي الرائد في حد ذاته و الذي فتح باب التاريخ على مصراعيه أمام الشعب التونسي خصوصا و أمام كل الشعوب العربية عموما لأن تدخل نسق التغيير الجديد الذي لن يتوقف بعد إنطلاقته الناجحة من تونس.

حصل الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس على جائزة نوبل للسلام و حصلت التونسيون جميعا على أبرز تكريم متمثلا في نجاح تجربتهم و في توفقهم إلى إدارة الإختلاف بالحوار و اعتمادا على نهج التوافق الذي جعل من التجربة تشق طريقها رغما عن صعاب و عراقيل عديدة الأمر الذي يوجب الوقف و التأمل و البحث عن مسار برمّته مهّد للوصول إلى تاريخ 10 ديسمبر 2015 الذي يتوافق مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

ستّة أشهر صعبة:

إستفاقت تونس صبيحة 6 فيفري 2013 على فاجعة إغتيال زعيم الوطنيين الديمقراطيين شكري بلعيد، أحد أشد المعارضين لحكومة الترويكا، الأمر الذي عمّق التجاذبات السياسيّة الحادّة التي ألهبتها الشيطنة الإعلاميّة و الجنوح إلى شعارات و مواقف قصوويّة في الغالب من معارضي الترويكا الحاكمة آنذاك و إنتهى الأمر إلى تغيير طفيف في تركيبة حكومة الترويكا غادر بموجبه الأمين العام لحركة النهضة آنذاك و رئيس الحكومة حمادي الجبالي منصبه و خلفه وزير الداخلية حينها علي العريض، غير أن نهاية شهر جوان و الثلاث أيام الأولى من شهر جويلية من نفس السنة قد حمل في طياته معطى آخر دفع إلى مزيد من الإحتقان و التوتّر متمثلا في نجاح حركة تمرّد المصرية في التمهيد لإنقلاب عسكري في مصر تداعت له كل الدول العربية و منها تونس التي أصبح مطلب إستنساج الحالة المصريّة مرفوعا لدى البعض من نخبها السياسية المعارضة علنا رغم نسبه لنفسه إلى العائلة الديمقراطية.

نجاح الإنقلاب العسكري في مصر و محاولة إستنساخه في تونس كاد في صائفة 2013 أن يرحل بالتجربة التونسية الإنتقالية التأسيسية برمتها مع ثاني إغتيال سياسي إستهدف هذه المرة عضو المجلس الوطني التأسيسي الحاج محمد البراهمي تلته بعد أيام قليلة جريمة ذبح الجنود بالشعانبي التي تداعى لها التونسيون صارت بعدها التجربة التونسية على مرمى حجر من كل من يتربصون بمنجز ثورتها و قد تقاطعوا موضوعيا مع طيف واسع من المعارضة.

المطالبة بحل المجلس التأسيسي:

إثر جريمة الإغتيال السياسي الثانية غادر عدد من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي قبّة باردو لينظموا إعتصاما مفتوحا بساحة المجلس مطالبين بحله و قد وصلت الشعارات حد المطالبة بإقتحام مراكز السيادة في البلاد و إنتظم “إعتصام الرحيل” الشهير الذي بات يعرف عند عموم التونسيين بـ”إعتصام الروز بالفاكهة” الذي أثثته كل مكونات مشهد المعارضة و أصبح فيه المسار التأسيسي مهددا بالنسف.

رئيس المجلس الوطني التأسيسي آنذاك مصطفى بن جعفر إتخذ قرارا مثيرا للجدل متمثلا في إغلاق قاعة الجلسات أمام بقيّة نواب المجلس حتّى الوصول إلى إتفاق تعود بموجبه كتل المعارضة إلى المجلس غير أن وقفة الوحدة الوطنيّة التي شهدتها القصبة للمطالبة بالحفاظ على الشرعية و على المسار التأسيسي أعادت الأمور إلى نصابها بعد أن خرج زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي داعيا إلى الوحدة الوطنية و إلى ضرورة الحفاظ على الدولة و الديمقراطية و على مكسب الحريّة.

الغنوشي و السبسي و إدارة الإختلاف بالحوار:

بعد رفع إعتصام الرحيل و العودة إلى قبّة المجلس الوطني التأسيسي بباردو إلتقى زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي و زعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي في لقاء ثنائي بالعاصمة الفرنسيّة باريس أين تمّ التوافق على نبذ العنف و الإقصاء و على وجه الخصوص الحفاظ على الوحدة الوطنيّة و قد أكّد الزعيمان السياسيان الأبرز بعد ذلك أنهما قد إلتقيا بعيدا عن نظرية المؤامرة من أجل وفاقا يحقن دماء التونسيين و يحمي مسارهم الإنتقالي الذي يقطع مع العودة إلى المربع الأول.

و مباشرة إثر العودة من باريس كان التوقيع على خارطة الطريق التي إقترحها الرباعي الراعي للحوار الوطني الحدث الفارق الذي إجتمع بموجبه الفرقاء تحت سقف واحد من أجل إتمام صيغة توافقيّة يتم بموجبها الوصول إلى إرساء دستور جديد للبلاد من جهة و تسليم مقاليد تسيير شؤون البلاد إلى حكومة تكنوقراط تتولى الإشراف على الاعداد إلى انتخابات تشريعية و رئاسية تنتقل بموجبها السلطة سلميا الى المنتخبين الجدد.

تلازم المسارات:

إحتدم الجدل في تونس حول مسألتين أساسيتين، المسار السياسي الإنتخابي و المسار التأسيسي الدستوري، و برزت حينها مقولة تلازم المسارات التي فرضت التوافق حول الدستور الجديد للبلاد ضمن لجنة التوافقات و كذا حول هيئة الإنتخابات بخارطة زمنيّة محددة قبل تسليم السلطة من حكومة علي العريض إلى حكومة المهدي جمعة الذي كان وزيرا للصناعة في حكومة الترويكا آنذاك قبل أن يتم إختياره بالتوافق داخل الحوار الوطني يوم 13 ديسمبر 2013 رئيسا لحكومة التكنوقراط بعد جلسات ماراطونيّة طويلة.

تلازم المسارات الذي حظي بالتوافق أنهى بشكل كامل تقريبا الجدل و التجاذبات الحادة في المشهد السياسي فقد نجحت بموجبه لجنة التوافقات داخل المجلس الوطني التأسيسي في الوصول إلى حلول توافقيّة أنهت الخلافات الدائرة حول مجموعة من الفصول الدستوريّة و تمّ إقرار دستور جديد للبلاد بما يقارب الإجماع الكلّي بعد تضمينها الحريات و حقوق الإنسان الكونيّة و الفصل بين السلط و التداول السلمي على السلطة إلى جانب أهميّة باب الأحكام الإنتقاليّة.

نهج التوافق و التداول السلمي على السلطة:

وفق خارطة واضحة تمّ إعدادها مسبقا تمكنت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات من تنظيم أوّل إنتخابات حرة و نزيهة و ديمقراطية في ظل الدستور الجديد للبلاد بعد سنة تمّ خلالها الجنوح إلى نهج الحوار و التوافق سبيلا لإدارة الإختلاف في المشهد العام و في الوصول إلى توافقات حول جملة من الإجراءات و القوانين إلتزمت فيها حكومة التكنوقراط بتسيير الأعمال و أعضاء المجلس التأسيسي بتوفير السند التشريعي الضروري و المجموعة الوطنيّة بمبدأ الحفاظ على الوحدة الوطنية و المصلحة الوطنيّة خاصّة بعد تنامي خطر الإرهاب.

نجحت تونس في نهاية سنة 2014 في تنظيم الإنتخابات التشريعية و الرئاسية و عاشت لحظة فارقة بتداول سلمي على السلطة من جهة و بنتائج ديمقراطيّة لإنتخابات تشريعيّة فرضت موازين القوى بعدها نهج التوافق الذي طالب به زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي حتّى في البحث عن مرشّح لرئاسة الجمهوريّة بعد أن إختارت حركته الحياد.

بناء على نتائج إنتخابات 26 أكتوبر 2014 و سعيا إلى توفير سند سياسي قويّ للحكومة بعيدا عن التجاذبات نجح الفرقاء، أو أغلبهم و أبرزهم على الأقل، في التوافق مجددا ضمن إئتلاف حكومي يضم نداء تونس و حركة النهضة و آفاق تونس و الوطني الحر و رفضت بقية الأطراف المشاركة فيه مهّد لتشكيل حكومة يرأسه الحبيب الصيد الذي لا ينتمي إلى أي حزب سياسي.

الغنوشي و السبسي…مهندسين للنموذج التونسي:

إذا كان زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي قد بادر بالدعوة إلى مصالحة وطنيّة و حركته في ضيق فإنّه كان من أحرص القيادات السياسيّة في البلاد على نهج التوافق الذي غادرت بموجبه حكومة الترويكا السلطة طوعا و قد قال تعليقا على هذا فيما بعد أن “النهضة قدمت التنازلات حقنا لدماء التونسيين و هي تنازلات للشعب من أجل مصلته و ليست تنازلا عن الثورة”، و هو الأمر الذي فهمه جيدا زعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي الذي إنخرط في نهج التوافق.

إنخراط الباجي قائد السبسي قبل وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة في نهج الحوار و التوافق تدعم أكثر بوصوله إلى كرسي قرطاج و تكوين الإئتلاف الحكومي الرباعي حاليا ليكون هو نفسه المهندس الثاني لنموذج تونسي رائد لم يظهر فقط ممكن تعايش الإسلام و الديمقراطية فحسب بل أن الشعب التونسي قادر على إدارة إختلافاته الداخليّة تحت سقف الدستور و الدولة.

مجول بن علي