مقالات مختارة

الخميس,15 أكتوبر, 2015
«نوبل» في السقيفة..

الشاهد _ أكثر المراقبين تفاؤلا لم يكن يتوقع إسناد جائزة «نوبل» للسلام إلى تونس، بعد ساعات قليلة من محاولة اغتيال شخصية بارزة في عالم الرياضة والأعمال والسياسة أيضا, وبعد أسبوع مجنون من الأحداث الأمنية والسياسية والإعلامية التي تقطع الأنفاس. ومن صدمة الجزع مر التونسيون إلى صدمة الفرح بلا استيعاب لما يحدث ويدور حولهم، فكل شيء موارب هنا.. التفاؤل كما التشاؤم، كما الفرح الخاوي بـ «نوبل للسلام» في واقع يفتقر إلى السلام!

ولست أشك لحظة في أن المتداولين في أمر أهم جائزة في العالم قد جلسوا إلى بعضهم صبيحة يوم الجمعة باكرا وهم يتبادلون نظرات الحيرة بعد تبلغهم بخبر محاولة الاغتيال وأخبار الأسبوع المجنون, ثم سريعا تحولوا إلى نظرات التشجيع وإلى كلمات التصميم، ليصدروا قرارهم البات: جائزة «نوبل» للسلام من نصيب «رباعي الحوار الوطني» في تونس.

لا يجد كثير من التونسيين دافعا حقيقيا للفرح، فلا تجمعات هازجة في الشارع، ولا منبهات السيارات صاخبة, وكان الانتصار في مباراة لكرة القدم أجدر بالفرحة من تتويج عالمي, إذ لا يعتقد كثير منهم أن هذا الرباعي (المتكون من نقباء العمال ورجال الأعمال والمحامين مع رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان) حقيق بما حصل عليه، وقد أطلق عليه بعضهم «رباعي الحمار الوطني» ذات زلة لسان أحد أربعتهم وهو يقدم للناس ما ينوون عمله في أكتوبر 2013، فالتونسيون يرون في أغلبهم أنهم الأولى بـ «جائزة نوبل للصبر»، إلا أن ذلك لا يمنع من القول الآن إن «رباعي الحوار الوطني» كان نسخة حديثة لـ «سقيفة بني ساعدة»، بما لها وبما عليها، وقد تمكن «الرباعي» بواسطة خارطة الطريق التي رسمها من انتشال تونس من حافة الهاوية بعد أزمة غير مسبوقة بين «ترويكا» الحكم آنذاك والشارع الهادر بسبب اغتيالين سياسيين مروعين وفشل غير مسبوق في إدارة دواليب الدولة, ما أدى بالمجتمع المدني إلى فرض نفسه على الدولة المنهارة ليرسم لها «خارطة طريق» بدأت بتشظي تحالف «الترويكا»، فإرغامها على ترك الحكم لـ «حكومة كفاءات»، ثم استمر مسار التوافق بولادة تحالف تاريخي جديد بين «النهضة» و «نداء تونس» ممثلين في زعيميهما راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي اللذين استوعبا الدرس «الجغراسياسي» جيدا، فصارعا أمواجا هائجة وطاولا «نوبل للسلام».

في هذا المقام، وتحديدا بتاريخ 22 مارس، كنت أقول بالحرف تحت عنوان «الباجي يطاول نوبل»: «وفي تونس لم يجد الباجي قائد السبسي سجلا بثقل سجلات البلاد التي حفلت صراعاتها على السلطة بالجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية، فأقر العزم على خوض حربه الأخيرة متسلحا بتحالف يبدو متينا مع شريكه المستجد في «الرؤية السياسية» الشيخ راشد الغنوشي، وبما أن كليهما يتوفران على الأغلبية المطلقة في البرلمان، فما ضر لو تغيرت فقرة في الكتاب غير المقدس (الدستور)؟ وما الضير في وضع العينين مناصفة على جائزة «نوبل للسلام»؟ وهما ينشدان بسرور الشيوخ لحبور الأحفاد: (إذا حبك القمر بكمالو.. واش عندك في النجوم إذا مالوا)..».

ثم زدت في هذا المقام أيضا وتحديدا في 27 سبتمبر الماضي بالحرف: «هو اللعب السياسي في أبهى تجلياته في تونس، أو رقصة «الفالز» التي تحتاج لراقصين ماهرين غير عابئين بالضجيج الذي يملأ المكان على نغمة النصيحة الشهيرة «ارقص وكأن لا أحد يراك». فالرقص فيه حياة وفرجة و «مصالحة وطنية» يريدها الراقصان عميقة. وربما يريدان منها عبرة تشبه عبرة رائعة شريط «الرقص مع الذئاب» للمخرج والممثل الأميركي «كيفن كوستنر» والذي تدور أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية، لكنه في الحالة التونسية «رقص مع شيوخ الثعالب». ما دام الشيخان قد استدعيا للذاكرة «جدهما» الشيخ الثعالبي، وكل تشابه في الواقع مع الأحداث أو مع أي إصابة بـ «الثعلبة» هو من محض الصدفة التي لا تصادف إلا جوائز «أوسكار» بالجملة قد تكون في الانتظار رغم اليقين بأن الشريط لا يزال في منتصفه».

ولم يكن ذلك رجما بالغيب أو ضربا في الرمل، وإنما متابعة لصيقة لتداعيات «الربيع العربي» كما أريد له أن يكون وكما فهمته تونس بشيخيها اللذين شهد لهما العالم بـ «حسن السلوك»، فاستحثهما بالجائزة العالمية التي تستحث العالم العربي -من ورائهما- على المواصلة في الأداء الجيد وفي تحدي الضجيج الذي يلف المكان، إلى أن يرى «الثقب الأسود» -وفق وصف تقرير الأمم المتحدة للمنطقة العربية- يوما أبيض هو أصلا في تاريخهم القديم يسمى «سقيفة بني ساعدة» التي خرج منها المسلمون بشبه وفاق على خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وحين نرى مثلا أن أنور السادات وياسر عرفات قد شبعا موتا دون إنجاز ما حصلا من أجله على «نوبل للسلام», فإن الجائزة تفقد بعض طعمها الحلو وتداخلها بعض الشكوك في مدى وردية ما يمكن أن يحدث بعدها، لكن في المقابل فإن رسالة العالم بالوقوف مع من يسميها «أيقونة الربيع العربي» قد وصلت بوضوح شديد إلى من لا يزال تائها في الأركان المعتمة للسقيفة.. ذات السقيفة التي يبدو أن «ألفريد نوبل» يعرف شعابها أكثر من أهلها !

فيصل البعطوط