مقالات مختارة

السبت,16 يناير, 2016
نشر غسيل “البدلات العسكرية”

الشاهد _  إذا كان المثل العربي المعروف، يرى أن السكوت من ذهب، عندما يكون الكلام من فضة، فإنه في الحالة الجزائرية، لم نعرف لا معدن الكلام ولا معدن الصمت، بدليل أن بعض الوجوه التي صامت دهرا عن الكلام و”عذبتنا” بصمتها، أفطرت الآن كفرا، بكلامها، فزادتنا تعذيبا. وإذا كانت المذكرات والحوارات والبوح في كل بلاد العالم هي عملية توضيح صورة أو إزاحة ضباب، أو تبييض ما هو أسود، أو اعتراف بأخطاء، فإنها في الحالة الجزائرية هي تكسير المصباح “الخافت الضياء” في أعماق الظلام، ودفن جديد للحقيقة. ولكم أن تبحروا في الملاسنات وتبادل التهم، التي اندلعت بين الساسة والعسكريين السابقين ورجالات القرار، في أحلك أيام الجزائر، وأراهن معكم، إن وصلتم إلى برّ الأمان، سالمين، أو على الأقل على نفس الحالة التي كنتم عليها قبل الإبحار.

 

ما قاله الجنرال المتقاعد خالد نزار في حواره المطوّل مع “الشروق اليومي”، من المفروض ألا يمرّ من دون فتح تحقيقات، فالرجل لم يتحدّث عن الموتى فقط، من أمثال المرحومين حسين آيت أحمد والشاذلي بن جديد، حتى نقول إنه “نائب عام” و”قاض” في غياب محام، بل تحدث عن الأحياء، فاتهم زميله في البدلة العسكرية بـ”نياشينها” محمد بتشين بتعذيب مواطنين بعد أحداث 1988 واتهم زميله في البدلة المدنية بـ”ربطة العنق”، مولود حمروش بالآمر بإطلاق النار على المعتصمين في أحداث 1991، وهي اتهامات خطيرة جدا، طالت رجلين مازالا على قيد الحياة، ولا نفهم لماذا صمت هذا “الخالد” الذي كان يعيّن الرؤساء، عن هذه “الجرائم” التي تصل- حسب تصويره- إلى درجة “جرائم في حق الإنسانية” لمدة فاقت ربع قرن، وكان حينها يفعل ولا أحد يعارضه، ولا نفهم لماذا يصمت الرجلان عن “جريمة التهم الباطلة” التي طالتهما الآن، والجميع ظلوا لعقود طويلة، يُنظّرون على مسامعنا لدولة القانون والعدالة، ونراهم اليوم يتبادلون التهم الثقيلة جدا، وكأنهم في بلاد بلا محاكم ولا قضاة ولا تاريخ، وبلا شعب، كلنا نعلم بأنه هو الذي دفع ثمن حكم هؤلاء من نفسه ونفيسه، وينشرون غسيل البلاد من رثّه وجديده، وحتى البدلة العسكرية لم تنج من حبلهم الذي ثبتوه لنشر غسيل بعضهم البعض، وشنق ما تبقى من أمنيات الناس المتفائلين.

لقد حزّ في نفسنا دائما أن يرحل أحمد بن بلة في سن قاربت القرن، ولم نقرأ له كتابا يروي مذكراته بتفاصيلها غير المملة، ورحل هواري بومدين، ولم نعرف حتى “طبقه المفضل”، ورحل الشاذلي بن جديد، بعد أن كتب أشياء كثيرة في مذكراته ولم يكتب أي شيء مهمّ، ورحل محمد بوضياف، ولم يجبنا عن سؤال طرحه هو بنفسه “الجزائر إلى أين”، ولكن بعد الخرجات الأخيرة التي تفضل بها “الحاكمون” الحقيقيون للبلاد، صرنا نفضل الصمت ونرى أن السكوت من الألماس واللؤلؤ والمرجان.

عبد الناصر