مقالات رأي

الخميس,27 أغسطس, 2015
نذر العاصفة: الفقراء الجدد…المعلمون و الاساتذة في مواجهة رأس المال

الشاهد_شهدت تونس في المدة الاخيرة تصعيدا خطيرا حين قمعت قوات الامن المعلمين فيسيدي بوزيد مستعملة الغاز المسيل للدموع و المتراك تاركة اثرا جسديا عند بعض المعلمين و اثارا نفسية في نفوس بناة الاجيال خاصة و ان المعتدي كان بالامس تلميذا و كان يطلق على الضحية”سيدي”…و يتجاوز الاثر النفسي المعلمين الى المجتمع بعد انكسرت هيبة المعلّم و ضربت صورته كقدوة لتحفر عميقا في اجيال كثيرة جراحا عميقة قد يصعب التعافي منها في ظل عدم رغبة السلطة في الاعتراف بفشل الوزير في ادارة اكبر الوزارات من حيث عدد العاملين بها و المنتسبين او المتعاملين معها و في ظل اصرار هذا الوزير على القفز الى الامام و اطلاقه لتصريحات مستفزة للمعلمين الذين طالبوا برحيله خاصة و ان عملية الاقتطاع التي وصلت الى 15 يوما رغم انها بيان صريح عن عجز في التواصل بين الوزير و المعلمين فان السلطة لم تتلقف هذا البيان و لم تسارع حتى لخفظ ماء وجه المعلمين بعزله.

هذا التعاطي الامني مع ازمة تعصف بالتعليم الابتدائي (في انتظار عودة ازمة التعليم الثانوي الى الواجهة بعد ان تم اخمادها باتفاق 6 افريل الذي لم يفعل بعد) يخفي وراءه حقيقةان الازمة اكبر من مجرد تحركات لتحسين الدخل و كلمن ينظر الى ان تحركات للمعلمين في تونس وليدة ردود افعال على قرارات و ردة فعل على تراجع الوزارة على جملة من الاتفاقيات انما يحاول ذر الرما على العيون للتغطية على الازمة التي يعرفها المجتمع التونسي ككل بعد سنوات من ثورة 17 ديسمبر
لا يزال المجتمع يتذكّر ان المعلمين هم الفئة الوحيدة رفقة زملائهم في قطاع الثانوي التي لم تطالب في 2011/2012 بالزيادة في الاجور معتبرة انالظروف لا تسمح بذلك و ان الاولوية الان لاعادة البناء…الا ان ما حدث في السنتين و تنامي مطلبية قطاعات كثيرة و حصول البعض منها لى استثناءات و ترقيات و تحسين اجور و منح جديدة اضافة الى المنح و الامتيازات التي كانوا يتمعون بها احدث خللا كبيرا في سلم الرواتب و الاجور ليجعل من المعلمين الفئة الاقل اجورا بل ان سلم التأجير في تونس المبني على تصنيفات فرعية اساسها الشهائد العلمية انقلب رأسا على عقب فاذا فئات اقل تمدرسا تحصل على اجر مساو او يفوق المعلم بحجج و تعلات لا تقنع الا المستفيدين منها و رافق ذلك فوارق كبيرة في الأجور الى درجة ان بعض المهن و الوظائف العليا حصل اصحابها على ما يعادل اجر معلم زيادة(600 دينار و 700 د في الشهر) يضاف الى ذلك اختلاف التأجير من وزارة الى اخرى رغم الاشتراك في الصنف الفرعي و تركز كتلة الاجور عند قلة قليلة من الموظفين الكبار على حساب بقية الموظفين الذين يصنفون ضمن محدودي الدخل حيث يتقاضى موظف واحد ما يعادل اجر 3,5 معلم لترتفع الفوارق الاجتماعية وتتعمق الازمة.

هذه الازمة في واجهتها المعلمون و الاساتذة لكنها تتجاوزهم لتشمل فئة كاملة كل الطبقة المتوسطة التي كان من المفترض ان تشكل صمام الامان لاي بناء اجتماعي اقتصادي يترجم في الفعل السياسي…فالطبقة المتوسطة و التي و حسب دراسة للمركز العربي تخطيط صادرة في سنة 2011 كانت تمثل 79 بالمائة من السكان تآكلت و تراجعت خلال السنوات الاخيرة ليلتحق منها بالفقر القسم الادنى منها (لا يتجاوز دخلهم 350 دولار)ثم القسم الاوسط منها (بين 350 و500 دولار) و التي تعرف اكبر نسبة تداين و اقتراض (القروض الاستهلاكية المستعملة في البناء او لشراء سيارة تسندها البنوك و تصل الى 40 في المائة من الاجر) هذه الفئة سميت بالفقراء الجدد.

وهم وحسب دراسة ميدانية لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع الجامعة التونسية بداية العام 2015 اساسا ” صغار الموظفين بالإدارة والمدرسين بالمدارس الابتدائية والإعدادية والعمال والأجراء الذين لا تتجاوز مرتباتهم وأجورهم الشهرية 700 دينار أي حوالي 450 دولار”حيث اكدت نفس الدراسة على ارتفاع نسبة الفقربنسبة 30 بالمائة و ترتفع بالتالي النسبةالعامة للفقر فيتونس الى اكثر من 47 بالمائة …هذه المعطيات لم تثر اهتمام الحكام الجدد لتونس و لم تجعلهم يبحثون في اسباب الازمة بل واصلوا صرف اهتمامهم الى تأمين الكتل المالية التي اوصلتهم الى الحكم بتعويضات و منح و امتيازات و اجراءات استثنائية أججت الغضب في مختلف شرائح المجتمع و لعلنا لا نضيف جديدا اذا نظرنا الى تقرير لمركز كونراد هاكيت الدولي والذي ورد فيه أن تونس تحتل المركز الرابع ضمن مجموعة البلدان الأكثر تدنيا للمعيشة من حيث:

– تكلفة المعيشة

– القدرة الشرائية لمختلف الفئات الاجتماعية

– رخاء العيش متمثلا بالخصوص في الثقافة والترفيه والتنمية والبيئة والحرية والسلم الأهلي والأمن

الفقراء الجدد المعلمون و الاساتذة هم الفئة الاكثر تعلما و يشكلون الفئة الاكثر تأثيرا في المجتمع لتطبيعة التشبيك العلائقي في المجتمع التونسي ولطيعة توزّعهم الجغرافي في كل مناطق البلاد من الحوم و الدشر الى الارياف و القرى و المراكز الحضرية الى المدن الكبرى و عددهم باعتبار معدل 4 افراد في الاسرة الواحدة فقط يتجاوز 600 الف تونسي وهم يمثلون القوة الضاربة في الدورة الاقتصادية الاستهلاكية و أي تدهور في القدرة الشرائية ولو بدينار ينعكس سلبا على الاستثمار م حيث الاستهلاك و الادخار فما بلك الدولة تطبق “وصفة البنك الدولي و الصندوق الدولي” و القائمة اساسا على :

أولاً : المجال الضريبي:

* تخفيض الضرائب علي الدخول والارباح التي يحققها القطاع الخاص

* تقديم إعفاءات سخية من الضرائب المفروضة علي الأرباح والدخول

* تقديم تيسيرات جمركية علي الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الاستثمارية

* استحداث الضريبة العامة علي المبيعات التي لا تفرق بين غني وفقير

* استحداث الضريبة العقارية

ثانياً: تخفيض قيمة العملة

الدعوة إلى السماح بخفض قيمة بحجة زيادة الصادرات وتقليص الواردات، ومن ثم تحسين وضع الميزان التجاري، وتشجيع السياحة وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في التدفق إلى الاقتصاد التونسي، وبالتالي تخفيف الضغوط في سوق النقد الأجنبي، ليكون المواطن البسيط والطبقة المتوسطة هي من دفع الثمن

ثالثا: تحرير الاسعار والغاء الدعم

تتمثل تعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تحرير الاسعار وفق العرض والطلب والغاء الدعم وفق الوسائل التالية :

• منع الرقابة علي الأسعار ، والغاء تدخل الدولة في مجال تسعير المنتجات

• التخلص من الدعم الاقتصادي الذي تتحمله الدولة

• تخفيض الدعم الموجة للسلع الغذائية والضرورية تمهيدا للإلغاء الكلي لهذا الدعم

• رفع اسعار مواد الطاقة وبخاصة مواد الطاقة التي تستخدم في اغراض الاستهلاك العائلي ومساواتها بالاسعار العالمية لها

قد يتساءل البعض هذا الشأن يخص كل التوانسة فلماذا يتصدى المعلمون له دونا عن غيرهم ؟؟؟انما تقولون ذلك لتبرروا مطلبيتكم القطاعية التي تضر بالاقتصاد…
حنانيكم…المعلم لا يعيش خارج هذا المجتمع بل هو كتلة من كتله التي تعبر عنه التزاماته تجاه المجتمع تبدأ من اسرته وله متطلبات تفرضها القيمة الاجتماعية و الدور الاجتماعي الذي يتحمله بما هو مؤتمن على جملة معارف و خبرات و مراكمات و خصوصيات المجتمع و الوافد اليها من المعارف و الخبرات من الخارج التي وقع تشذيبها و تهذيبها و تعديلها في السلوك الجمعي للمجتمع للتناسب و قسماته…عملية من الخطورة بمكان تتطلب الشعور بالامان الاجتماعي الذي يغيب فالمعلم لتوسي في اخر سلم الرواتب و الاجور على المستوى العالمي في المرتبة قبل الاخيرة صحبة المعلم المغربي (350الى 450 دولار)

وهذه التحركات و المواجهات و ان كانت قطاعية فان سلطة رأس المال استعانت باحد اقطاب الحكم في المشهد الجديد الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل و بطانته للوقوف في وجه هذه العاصفة التي تتهددهم حتى لا يضطروا لاعادة تقسيم الثروة و توزيعها خاصة وهم يسيطرون على 80 في المائة من خيرات البلاد…و قد اوفى العباسي بتعهداته حين “اجبر النقابة العامة للتعليم الاساسي على فك الاعتصام في مرة اولى على وعد منه بحل مشكل الاقتطاع ثم و في مرة ثانية اعدم أي امكانية لتواصل سلاسل الغضب و تصاعدها باشرافه و لاول مرة على هيئة ادارية تخلّت عن البند الوحيد الذي كان على جدول اعمالها وهو بحث تراتيب المقاطعة ليرتكس الى ادنى اسلوب نضالي (يومان غضب و يومان اضراب) يدرك كل النقابيين ان مثل هذه القرارات تكون في بداية المسار النضالي ولا يمك باي حال ان تكون تتويجا له…الاخطر في كل ذلك هو محاولات بعض الفاعلين في المركزية النقابية و اذنابهم في مواقع مختلفة تحويل الحرب بين المعلمين و السلطة الى تطاحن بين المعلمين بي مؤيد و رافض مكررين اسلوب السلطة و الوزير بمحاولة تجييش الاولياء و شحنهم ضد المعلمين حتى وصل الامر الى بعض الاعتداءات في اخر السنة الدراسية الماضية عدى عن الهرسلة و التهجم و السباب

و في كل الاحوال فق رزع المعلمون و الاساتذة بذرة ستكبر رغما عن انف سلطة رأس المال و اسس التحرّك لنواة جديدة و اسلوب جديد من النضال اساسه شلّ حركة قطاع كامل حتى تحقيق المطالب و لن يكون امام أي قطاع او مجموعة تطلب حقوقها الا انتهاج ذلك النهج و ربما يصل الامر يوما الى الاضراب العام رغما عن اليروقراطية الفاسدة التي ستجد فسها ساعتها و قد تجاوزتها الاحداث.الفقراء الجدد كانت على ايديهم نذر العاصفة ولا تزال في انتظار سنة دراسية يريدها راس المال اشهارا له بما حاول ادخاله من اصلاحات على المدارس و يريدها المعلمون و الاساتذة انتصارا لمبدأ العدالة الاجتماعية واول مداخلها العدالة في الاجر…وبين الاشهار و الانتصار يراقب الشارع تصاعد الاحداث وهو هذه المرة لن ينتظر لمن تؤول موازين القوى لينضم اليها هذه المرة بوصلته واضحة و لن يتأخر التحاقه بالمدافعين عن الحق في العيش الكريم

محجوب النصيبي