سياسة

الإثنين,9 نوفمبر, 2015
نجيب الشابي يوجه رسالة الي السبسي: البلاد تسير منذ عام في الطريق الخطأ ولابد من تحديد الاولويات وتشريك القوى السياسية

الشاهد_وجه السيد أحمد نجيب الشابي مؤسس الحزب الجمهوري و القيادي السابق به نداء الى رئيس المهورية طالب خلاله بالمبادرة باستشارة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة من أجل التوفق في أقرب الأوقات إلى إعطاء البلاد حكومة سياسية قوية تتشكل على قاعدة برنامج يحدد أولويات المرحلة ووسائل تمويلها وتنفيذها.

وقال الشابي في رسالته أن البلاد تسير منذ عام في الطريق الخطأ وأن توغلها في هذه الطريق واستمرارها عليها يعرضها لأشد الأخطار.

و جاءت الرسالة كما يلي:

“نداء إلى السيد رئيس الجمهورية

سيدي الرئيس،

لقد اختار الشعب التونسي منذ عام خلا مؤسساته الدستورية وقبلت جميع الأطراف بنتائج الانتخابات وقامت بذلك شرعية دستورية لولاية مدتها خمس سنوات واعتز التونسيون جميعا بهذا الإنجاز التاريخي الذي قوّى من إشعاع بلدهم في الخارج وأكد صورته كمنارة للحضارة والاعتدال .

غير أن هذا النجاح الذي اختصت به تونس دون سواها من الدول العربية التي هبت عليها رياح التغيير لا يمكن أن يثبت أو يتعزز إلا إذا اندرج في سياق تحقيق الطموحات التي طرحها الشعب التونسي بقوة أثناء أحداث ديسمبر ـ جانفي 2011 التاريخية والتي تلخصت في مطلبي التشغيل والتنمية وقد زادت التحديات الأمنية اللاحقة من أهميتها وأكدت إلحاحها. وبهذا المعنى يكون النجاح السياسي في تحقيق هذه الطموحات شرطا لديمومة واستقرار الديمقراطية التي نجحنا في تشييد صرحها على المستوى السياسي.

والحقيقة أن عاما بعد تشكيل الحكومة، أو يكاد، نما لدى الرأي العام بمختلف شرائحه وحتى لدى شركائنا الأجانب شك حقيقي في قدرتها على رفع هذه التحديات التنموية. ولعل الوقت الطويل الذي استغرقه تشكيلها والتوازنات الحزبية التي قامت عليها في غياب رؤيا مشتركة وبرنامج عمل قد ساهم في تفاقم الشعور بخيبة الأمل هذه. وجاءت كل المؤشرات الاقتصادية المتعلقة سواء بنسبة النمو أو بحالة المبادلات الخارجية أو بمعدل الاستثمار أو بتطور الانتاج الصناعي أو بمعدلات البطالة، فضلا عن أزمة السياحة المباغتة، لتؤكد جميعها أن العام المنقضي سجل تقهقرا للأوضاع الاقتصادية في بلادنا.ولم تبدد « الوثيقة التوجيهية للمخطط الخامس » التي أعدتها الحكومة ولا مشروع قانون المالية للعام القادم هذا الشعور بل زادتا من حدة الاعتقاد بأن الحكومة تعمل وكأن تونس لم تهزها أحداث إستثنائية وضعت بحدة مهمتي التنمية الجهوية وتشغيل الشباب على رأس الأولويات الوطنية.

ولئن عرفت الأوضاع الاجتماعية تهدئة نسبية جراء الاتفاق الأخير بين الحكومة واتحاد الشغل حول الزيادة في أجور العاملين في القطاع العام والتي نأمل أن تلحق باتفاق مماثل بين منظمتي الأعراف والعمال في القطاع الخاص فإن مثل هذه التهدئة لا يمكن أن يكتب لها الدوام إذا ما استمرت حالة الانكماش الاقتصادي وتراجع الانتتاج وانتاجية العمل وهو ما يبعث على التخوف من عودة موجة الإضرابات العمالية والاضطرابات الاجتماعية في الجهات وهي أجواء لا تساعد على التفرغ لمقاومة آفة التطرف والعنف التي تستهوي شبابنا وتهدد باجتياح بلادنا تحت تأثير العوامل الداخلية والأقليمية الصعبة.

وإلى هذه الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إنظاف في هذه الآونة تهديد سياسي في وجه الاستقرار يتمثل في أزمة حزب نداء تونس والتي تهدد إذا لم يقع تطويقها بشطب نتائج الانتخابات من حيث الدور المناط بمختلف الأحزاب في النظام السياسي الجديد وهو أمر يزيد من الضغوطات التي هزت الفريق الحكومي في الآونة الأخيرة والتي تمثلت في استقالة أحد الوزراء وإقالة آخر وتعرض ثالث لمساءلة تحت قبة البرلمان و انتقدات لاذعة في مختلف وسائل الاعلام، فضلا عن التململ الذي عبرت عنه الكتلة البرلمانية لأحد اأحزاب الإئتلاف الرباعي الحاكم.

سيدي الرئيس

إن هذه السلبيات على قتامتها لا تنزع عن بلادنا عديد عناصر القوة التي تجعل من التفاؤل والأمل أمرا متاحا بل عاملا حاسما في نحت مستقبلها، وليس أقلها تماسك مجتمعها واستمرار دواليب الدولة في العمل وكد شبعها الذي يمول بموارده الذاتية أكثر من ثمانين بالمائة من ميزانية الدولة وموقعها الجغرافي وانفتاحها على الأسواق الخارجية وتراكم مكاسبها على مدى العقود في مختلف ميادين المعرفة والتعليم والبنية الاقتصادية وحفاظها على السلم الأهلي ونجاح مسارها الانتقالي ورصيد الثقة والتعاطف الذي تتمتع به لدى سائر الدول الشقيقة والصديقة.

إن المهام التي تنتظر الدولة في ميدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإصلاح الهياكل تمثل حقا جبالا شاهقة تشمل مختلف الميادين كقطاع الزراعة والسياحة والنظام البنكي والاصلاح الجبائي والإداري وغيرها كثير ولن يتسنى لأي حكومة أن تعالج هذه المهام المختلفة والمتجمعة إلا عبر الزمن وبعد تحديد الأولويات التي منها نبدأ.

وإن قراءة سياسية للأوضاع الناجمة عن ثورة 14 جانفي لتبرز خمس مهام يجب أن تحضى بأولوية الاهتمام والتي من شأنها أن تجر سائر الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة وهذه المهام هي:

1/ النهوض بمنظومة التعليم والتكوين التي انهارت في بلادنا، لأنه لا مستقبل في هذا العصر لأمة لا تمسك بناصية العلم والمعرفة وهو ما يقتضي الاستثمار في البنية التحتية وتجهيز المدارس ومراجعة البرامج والمسالك وتكوين المربين حتى تقترب المدرسة التونسية من مثيلاتها في البلدان المتقدمة.

2/ تأمين خدمات صحية في المناطق الداخلية من ذات الجودة واليسر كتلك التي تتوفر للمواطنين في المناطق الساحلية

3/ رفع الاكتناف عن الغرب التونسي شماله ووسطه وجنوبه بالاستثمار في البنية التحتية من طرق سيارة وسكك حديدية حديثة وسريعة، ما يضع هذه المناطق من حيث وسائل الاتصال والتواصل في نفس مستوى المناطق الساحلية ويؤهلها لاستقطاب الاستثمار

4/ مقاومة التلوث الذي بات يحصد الأرواح بالمئات وخاصة بمناطق انتاج الفسفاط (قفصة) وتكريره (قابس وصفاقس) ويهدد السياحة في بحيرة المنستير.

5/ الرفع المطرد من دخل المواطن عبر عقد اجتماعي يربط الزيادة في الأجور بالزيادة في الانتاج وانتاجية العمل وتنخرط فيه كافة منظمات المجتمع المدني المعنية وعيا منها بأن الحفاظ على القدرة الشرائية وتطويرها لا يتحقق من دون هذا الربط.

إن كافة هذه المهام تتوقف على استثمارات عمومية ضخمة من شأنها خلق عدد وفير من مواطن الشغل ودفع الاستثمار الخاص وجلب الاستثمار الأجنبي والاسهام في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وهو شرط لرفع التحدي الأمني

ويبقى هنا السؤال المحوري حول وسائل تمويل هذه المشاريع التي تقدر بعشرات المليارات من الدنانير. وهو ما يتطلب حوارا وطنيا جادا يخرج عن الطرق المعبدة والمعهودة ويستبعد أمرين إثنين:

ـ الانغلاق ضمن المنطق التقليدي لإعداد الميزانيات اعتمادا على المداخيل الجبائية وحجم الأجور والدعم والدين الخارجي فلا يبقى للتنمية إلا النزر القليل ونبقى نراوح مكاننا والزمن يداهمنا.

ـ الاعتماد على الاقتراض الخارجي لأن حجمه أخذ يقترب من سقفه علما بأن التداين الخارجي زادخلال التسعة أشهر الأولى من هذا العام بنسبة 26،5 بالمئة

سيدي الرئيس،

إن وضع بلادنا حرج للغاية وبات يهدد على المدى المنظور استقرارها السياسي وأمنها القومي. ولقد أرست انتخابات السنة الماضية شرعية دستورية جديدة وأعطت البلاد رئيسا ومجلسا نيابيا منتخبين ووضعتكم على رأس الدولة وأناطت بعهدتكم مسؤوؤلية الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها وأمنها القومي.

وإذا كان من أول شروط الاستقرار التمسك بهذه الشرعية والعمل من خلالها فإن من مقوماته أيضا نجاح الفريق الحكومي في انتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية موفقة. لكن بلادنا تسير منذ عام في الطريق الخطأ وأن توغلها في هذه الطريق واستمرارها عليها يعرضها لأشد الأخطار.

لذا فإني أناشدكم المبادرة باستشارة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة من أجل التوفق في أقرب الأوقات إلى إعطاء البلاد حكومة سياسية قوية تتشكل على قاعدة برنامج يحدد أولويات المرحلة ووسائل تمويلها وتنفيذها فيعود الأمل الى النفوس وتنطلق البلاد في العمل والكد تحت راية قيادة مقتدرة تكون في مستوى التحديات والآمال والأحلام.

ودمتم بخير ووفقكم الله في اختياراتكم وتفضلوا،سيدي رئيس الجمهورية ، بقبول فائق عبارات التقدير والسلام اللائقين بمقامكم.

تونس في 9 نوفمبر 2015

أحمد نجيب الشابي