عالمي دولي

السبت,22 أغسطس, 2015
مُترجَم: على فيسبوك أن يدفع لنا جميعًا

الشاهد_كتبت زينب توفيقي؛ عالمة الاجتماع التي تدرس التواصل الاجتماعي، منذ فترةٍ قصيرة أنَّها تريد أن تدفع لموقع فيسبوك. تريد، لكي نكون أكثر دقةً، أن تتيح الشركة خيارًا للدفع النقدي (حوالي عشرين سنتًا شهريًا كما تحسبها) لمن يُقدِّرون قيمة خصوصيتهم ولكنَّهم يريدون كذلك أن يعرفوا كيف يبدو أطفال أصدقائهم. ففي مقابل موافقة فيسبوك على عدم تسجيل ما تفعل -وعدم إظهار إعلاناتها المُوجَّهة- ستمنحه تقريبًا نفس المبلغ الذي سيجنيه من بيع الإعلانات التي تراها الآن. في خطوةٍ غير مُفاجئة، تجاهل فيسبوك طلبها، ولكن يظل السؤال: لماذا لا يريد فيسبوك أموال زينب توفيقي؟ أعتقد أنَّ هناك سببًا واحدًا، وهو أنَّ ذلك سيفضح المخطط التجاري الموجود في قلب نموذج عمل فيسبوك، ومدى عدم تقدير الناس لبياناتهم الشخصية.

 

 

لقد كانت هناك ثلاثة نماذج عمل رئيسة في مجال الإعلام والترفيه منذ أواخر القرن الثامن عشر؛ وهي بيع المحتوى، أو بيع الإعلانات، أو كلاهما. بعض الوسائل الإعلامية يدفعها دفع المال بالدرجة الأولى (مثل الكتب والأفلام وموقع نت فليكس)، والبعض الآخر تدفعه الإعلانات (مثل جوجل والتليفزيون الإذاعي)، بينما يعتمد البعض على كليهما (مثل التليفزيون، والصحف، والمجلات). أصبحت هناك طريقة رابعة إلى جانب النماذج التقليدية منذ تسعينيات القرن الماضي تقريبًا؛ وهي منح عملائك أشياء في مقابل بياناتهم الشخصية، والتي تستخدمها لكي تجني المال. ليس فيسبوك هو الشركة الوحيدة التي تعمل بهذه الطريقة ولكنه البطل فيها، ويُفترَض على نطاقٍ واسع أنَّ لديه بيانات أكثر من أي شخصٍ آخر. هذه البيانات هامة للإعلانات، وهي مصدر الأرباح الرئيس لفيسبوك. ولكن البيانات كذلك أصل ثمين، إذ يستند تثمين قيمة فيسبوك -الذي حقَّق أرباحًا بثلاثة مليارات دولار العام الماضي- بمئتين وسبعين مليار دولار إلى إيمانٍ ما بأنَّ مُراكمة كل تلك البيانات له قيمة في ذاته. فهو يشبه قلعة فورت نوكس، متَّصلًا بها منجم ذهب. أحد أسباب ثراء مارك زوكربيرج أنَّ سوق الأسهم يفترِض أنَّه سيكتشف في مرحلةٍ ما طريقةً جديدة لاستخلاص الربح من كل البيانات التي قد جمعها عنَّا.

 

 

يبدو عدم اهتمام فيسبوك بعرض زينب توفيقي عند النظر إليه من هذا الجانب منطقيًا (على الأقل من وجهة نظر فيسبوك). فلم يكُن الاختراع الأكثر قيمةً في جوهر فيسبوك على الأرجح هو شبكة التواصل الاجتماعي (فقد فكَّرت شركة Friendster في ذلك) بقدر ما كان صنع أداة أقنعت مئات الملايين من الناس بتسليم الكثير من بياناتهم الشخصية في مقابل القليل جدًا. ففيسبوك على سبيل المثال شركة مدفوعة أساسًا بالفرص التجارية؛ أي الفرق بين مقدار ما يحصل عليه فيسبوك، وما يُكلِّفه تزويد الناس بمكانٍ لاندماج الناس مع بعضها البعض. إذا كنا أذكياء في المحاسبة، سنطلب من فيسبوك أن يدفع لنا.

 

 

الخدعة هي أنَّ الكثير من الناس يعتقدون أنَّهم يحصلون على صفقة جيدة من فيسبوك، فنحن نعتقد أنَّ فيسبوك «مجاني»، وكما يوضِّح أساتذة التسويق فإنَّ «المُستهلِكين يبالغون في ردود فعلهم تجاه الأشياء المجانية». لا يشعر الكثير من الناس بأنَّهم يدفعون حقًا عندما يكون ما يدفعونه من البيانات الشخصية وعندما لا يكون هناك حس مُحدَّد بتسليم أي شيء. إذا منحتَ كلًا من أصدقائك مئة دولار، ربما تُفلِس وتواجه صعوبةً في شراء العشاء، ولكن يمكنك تسليم بياناتك الشخصية أو صورك إلى مئة تاجر دون الشعور بأنَّك أفقر.

 

 

إذًا ماذا يعني حقًّا أن تدفع بياناتك؟ هناك أمر أكثر دقة واختلافًا عن طرق الدفع الأكثر تقليديةً. يرى جارون لانير؛ مؤلِّف كتاب Who Owns the Future، أنَّ بياناتنا الشخصية لا تختلف عن العمل، فالمرء لا يخسر بتقديمه/ها، ولكن إذا لم يحصل على أي شيء في المقابل فهو لا يحصل على ما يستحق. ويشير إلى أنَّ المعلومات قيِّمة في ذاتها، وعندما يُسلِّم مليارات الناس بياناتهم لبضعة شركات فقط، يكون أثر ذلك هو تحويل ثروة عملاقة من الكثرة إلى القِلَّة.

 

 

هناك طريقة أخرى لفهم التخلِّي عن البيانات الشخصية، وهي طريقة أكثر شخصية، أن تدفع بالبيانات يعني أن تجعل نفسك أكثر ضعفًا في مواجهة العالم الخارجي. نحن بطبيعتنا أكثر تقبُّلًا لمَن يعرف أكثر عنَّا، تمامًا كما نبتهج عندما يقول أحدٌ ما اسمنا. كلَّما تبرَّعتَ بالمزيد من البيانات، أصبح عالمك مُصمَّمًا تجاريًا أكثر. يصبح تجاهل الإعلانات أو التدخُّلات أكثر صعوبةً. إذ سيتمكَّن الراغبون في دفع المال مقابل بياناتك من جذب انتباهك واستغلال نقاط ضعفك في بعض الحالات.

تريدنا زينب توفيقي في النهاية أن نُفكِّر كثيرًا فيما يعنيه دفعنا بالبيانات أو بالانتباه بدلًا من المال، وهو ما يجعل عرضها مثيرًا للاهتمام. بينما يتحلَّى كل عمل تجاري بدوافعٍ مختلطة، تحيا الشركات التي ندفع لها مالًا وتموت بكيفية خدمتها للعميل. أمَّا الشركات التي ندفع لها انتباهًا أو بيانات، فهي على النقيض متضاربة. فنحن عملاؤها، ولكننا أيضًا مُنتجاتها، التي تُباع في النهاية إلى شركات أخرى. لن نتوقَّف على الأرجح عن حبنا للأشياء المجانية، ولكننا ندفع دائمًا في النهاية، ويستحق الأمر أن نسأل عن الكيفية.

هالة سلامة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.