وطني و عربي و سياسي

الإثنين,4 يوليو, 2016
ميدل است مونيتور: فتح أسس داعش في تحقيق ما بعد الاستعمار

الشاهد_ تناولت صحيفة ميدل است مونيتور بالتحليل الأسس التاريخية لتنظيم داعش –كأي تنظيم في العالم – في إطار مرحلة ما بعد الاستعمار لفهم السياق من وراء ظهوره، لافتة إلى دور المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة في صعوده، وذلك في تقرير مطول اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية:

منذ سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا في عام 2014، ما يسمى “الدولة الإسلامية” (داعش) أصبحت واحدة من الحركات المسلحة الأقوى في العالم. وقد جنت مليارات الدولارات في الإيرادات عن طريق التجارة والابتزاز والسرقة، وإدارة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها مثل الدولة المستعارة.

كان هناك عدد كبير من المؤلفات حول صعود تنظيم داعش، مع استفادة العديد من الأكاديميين والصحفيين من صِلاتهم المثيرة للإعجاب في العراق، البلد الذي نشأ فيه، لفهم السياق وراء ظهوره. ومع ذلك، كان هناك القليل من الجهد لنسج أسس تاريخية للجماعة في إطار مرحلة ما بعد الاستعمار.

منذ إنشائه تحت نظام وصاية الإمبراطورية البريطانية في عام 1923، يحظى العراق الحديث دائما بأهمية إستراتيجية للقوى الاستعمارية في ذلك الوقت. كان ينظر إليه كحصن، أولا ضد الشيوعية في المنطقة، ومن ثم الخطاب الإسلامي الثوري المنبثق من إيران. والقيادة العراقية استخدمت هذا التصور كوسيلة لتأمين رعاية دولية، التي بدورها ساعدت هؤلاء القادة في الحفاظ على سيطرته على بلد متنوع دينيا وعرقيا، بشكل دائم على حافة الاضطرابات الاجتماعية.

وفي التسعينات، أصبح العراق التثبيت للإمبريالية الأمريكية، ليصبح “دولة مارقة”، وهو وضع تفاقم بسبب معارضتها للهيمنة الإسرائيلية. وعلى مدار هذا العقد من الزمن، شنت واشنطن ولندن حربا اقتصادية من أجل تغيير النظام والتي بلغت ذروتها بغزو العراق عام 2003. وستتم دراسة مختلف التكتيكات والنتائج المترتبة على هذا المشروع الإمبراطوري على مدى هذه السلسلة من المقالات، من أجل فهم الطريقة التي كانوا يغذون بها السياق الاجتماعي لصعود تنظيم داعش. ولن يتم عرض هذه الجذور الاستعمارية كالأسباب الأساسية لصعود المجموعة.

وكما تلاحظ الكاتبة بانياك ميشرا، فإن نجاح داعش لا يكمن في عامل الجذب في السرد الجهادي الفقير لاهوتيا، ولكن قدرته على الاستفادة من “الخزانات التي تجيش بالسخرية والسخط” التي تحدد العصر ما بعد الرأسمالي الحالي. وقد برز داعش من سياق أوسع من السخط والاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار الاقتصادي.

من النفط مقابل الغذاء إلى التعذيب من أجل السيطرة

في التعذيب وشفق الإمبراطورية، تشرح مارنيا لزرق كيف تهدف الدولة الاستعمارية الفرنسية إلى تجنب انهيار إمبراطوريتها بقمعها المنهجي للشعب الجزائري من خلال وسائل مبتكرة بشراسة. وبالنسبة لفرنسا الاستعمارية، كانت الجزائر امتدادا للجمهورية، وحريتها لا يعني فقط زوال الإمبراطورية الفرنسية ولكن أيضا أسس الجمهورية الرابعة نفسها. فحص لزرق الدقيق لمئات الوثائق يكشف عن تضافر الجهود من قبل السلطات الفرنسية لكسر المجتمع الجزائري من خلال التعذيب والإذلال والعقاب الجماعي. لزرق تحققت أيضا من ملامح الخطاب المعاصر حول التعذيب، راسمة في تحليل الجسم والذاتية التي كتبها كامو، فانون وفوكو، وناقدة ومتوسعة في وجهات نظرهم لإيجاد منطق في تنفيذ التعذيب داخل الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية. إنها ترسم أوجه التشابه الصارخ بين كيفية تنفيذ الفرنسيين سيطرتهم على أهداف المستعمر والمشروع الأميركي المعاصر لتغيير النظام والديمقراطية في الشرق الأوسط، والدور المحوري الذي لعبه التعذيب في كليهما.

وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أصبح العراق تثبيت المتزايد لتوافق واشنطن في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وبعد غزوه للكويت، وُضِع نظام صدام حسين البعثي في إطار سلسلة من العقوبات التي شلت بالفعل الاقتصاد الذي دمرته الحرب، ولعب دورا مباشرا في وفاة 500.000 طفل. في تطور مروع، طالب مجلس الأمن الدولي بقيادة الولايات المتحدة أن تبادل العراق النفط مقابل الغذاء، وتقديم مثال منفرج لقوة الولايات المتحدة على البلاد. وبحلول عام 2002، كان قد طلب واشنطن لتغيير النظام في العراق قد وصل ذروته، وأصبحت سياسة رسمية بعد هجمات 11 سبتمبر وما تلاها من “حرب على الإرهاب”. ورافق الغزو اللاحق واحتلال العراق انتشار التعذيب على نطاق واسع والاحتجاز التعسفي في سجن أبو غريب ومعسكر بوكا. وهذه السلسلة من المقالات سوف تستخدمها رؤى لزرق للسؤال عن الدور الذي لعبه العقاب الجماعي من خلال الجزاءات في فتيلة المجتمع العراقي للتطرف والمشاحنات بمجرد إزالة سلطة صدام حسين، والطريقة التي رسّخ فيها التعذيب تطرف الضباط البعثيين الشباب الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لداعش في العراق.

الفشل الوطني العراقي: فانون و “مطبات الوعي الوطني”

في عمله بعد وفاته “المعذبون في الأرض”، بحث فرانتز فانون في حالة العلاقات بين المُستعمَر والمُستعمِر. مع بصيرة تقريبا نبوية، كتب الثوري الوضعي الجزائري وعالم النفس المارتينيكي أنه ما لم يتم التحقق من العنف الثوري للاستعمار، فيمكنه أن يتحول إلى الداخل، مما يؤدي إلى الصراع القبلي والضروس حالما تتراجع القوات الاستعمارية إلى أوروبا. وأشار فانون إلى أنه إذا لم يكن هناك حركة شاملة تتجاوز القومية المنغلقة، فإن مشروع استعماري جديد سوف يظهر. من خلال هذا، سوف تقايض النخب من الحركات الثورية رأس مالهم السياسي مع المستعمرين القدامى، على السلطة السياسية ورأس المال، ومنح هذا الجشع الأخير إمكانية الحصول على الموارد والثروات الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، سوف تعود القبلية القديمة إلى الظهور، المستعمرة المحررة ودافعة الصراع داخل المجتمعات المستعمرة.

وقد كان هذا هو السيناريو المؤسف من ايرلندا إلى الهند، حيث تحولت فيها المجتمعات المستعمرة سابقا على أنفسهم، بعد أن وضع مشروع تحرير وطني تقدمي وشامل. وفي المعركة ضد قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية، وضعت مختلف الحركات المسلحة في العراق أفكارهم على أسس طائفية. تنظيم القاعدة في العراق وجماعات سنية مسلحة أخرى نُظِّمت ضد القوات الأمريكية، ولكن أيضا استخدمت الخطاب الأصل لحركة القاعدة من أجل حشد هجمات ضد ما كان ينظر إليه على أنه تسلل إيراني شيعي في الفضاء السياسي العراقي، مما أسفر عن حملات قصف مدمر في المناطق الشيعية. كما أن عودة النخب السياسية من المنفى، ترتبط كثيرا بحزب الدعوة الشيعي، وتوجه صياغة الدستور العراقي لصالح هيمنتهم، وتستخدم مختلف الجماعات المسلحة مثل الحراس الشخصيين والجيوش الخاصة الفعلية للإطاحة بخصومهم السياسيين في حرب أهلية وحشية.

لأول مرة منذ ظهوره في عام 2014، يقف تنظيم داعش على حافة فقدان الأراضي الذي اكتسبها في العراق وسوريا. مجموعة من القوات السورية والكردية والعراقية المدعومة بدعم خارجي وقوة جوية دولية، تستعد لاستعادة السيطرة على معاقل داعش في كلا البلدين. وقد تكون الهزيمة العسكرية لداعش في المستقبل القريب، عندما تتراجع مجموعة من دمشق وبغداد، مع توصل بوتين وأوباما إلى اتفاق حول ضرورة توجيه جميع الجهود الدولية الرامية إلى هزيمتها.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الجذور الاستعمارية لتنظيم داعش لا تزال قائمة. وربما لا تقوم القوات الأمريكية بتعذيب المعارضين في سوريا والعراق، ولكن الصمت على غرف التعذيب في سوريا يعني أن هذه الطريقة من السيطرة الاجتماعية والسياسية تلقت أساسا الدعم الضمني من مجلس الأمن الدولي. وعلاوة على ذلك، في كل من سوريا والعراق، مازالت الحركة من أجل المصالحة الوطنية منقسمة على أسس طائفية، نتيجة لعدم قدرة النخب السياسية على انتقاء سرد شامل للتحرير والمصالحة الوطنية. وما لم يتم التصدي لهذه القضايا، فإن الظروف التي أدت إلى نمو تنظيم داعش ستستمر.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد